تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

يحيى اليحياوي عن ميدي 1 سات: فرنسا لم تخرج من المغرب، إنها تعيد انتشارها بالقوة الناعمة

المصباح:  نود أن نسألكم عن قراءتكم بخصوص قرار الهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري بإلحاق قناة ميدي 1 سات بالقطب العمومي؟

يحيى اليحياوي:  أنا لا أحتكم على العناصر التي على أساسها قررت الهيأة إلحاق قناة ميدي 1 سات بالقطب العمومي، فالهيأة مؤسسة مغلقة، غير شفافة، تشتغل دون رقابة، ولها لربما مرجعياتها المضمرة في اتخاذ القرار، وهذه مسألة إجرائية لا تستدعي التوقف عندها كثيرا.

لقد كان لي بعض من الاحترام لما يصدر عن الهاكا من قرارات، لكن بعد بيانها الشهير الذي بررت فيه تأجيل منح التراخيص لبعض المشاريع التلفزية، لم يعد ذلك الاحترام موجودا. لا بل تأكد لي بالقطع ما قلته من تاريخ نشر الظهير المنشئ لها، بأنها ستكون هيئة مستصدرة القرار، تأتمر بما يأتيها من الجهة الممولة، أو المعينة لأعضائها، أو القائمة على استمراريتها، بهذا الشكل أو ذاك.

وقلت في سياق ذلك أيضا بأن خلفيات قرارات الهاكا، هي خلفيات سياسية صرفة، تتدخل فيها عناصر لا علاقة لها بالمرة بالمهنية أو المصداقية، فما بالك بالحرية في تقنين أو تنظيم المجال السمعي/البصري بالمغرب. إنها من فصيلة تلك المؤسسات الاستشارية التي تعمل على تأثيث المشهد، على أن اللاعبين بذات المشهد، المحددين لتوجهاته، لا يظهرون دائما في الصورة. هذه قناعاتي الخاصة، أتشبت بها حتى يصدر ما يثبت العكس.

 أما هذا القرار، قرار إلحاق قناة ميدي 1 سات بالقطب العمومي (والتسمية مجازية بكل المقاييس، لا علاقة لها بالمفهوم كما هو معروف)، يثير في ذهني بعض الملاحظات الأساسية ولو كانت مؤقتة، أعني تحتاج إلى تأكيدات بالحجة والدليل الدامغين، وهو ما أستبعده بحكم طبيعة الهيئة وطبيعة مكوناتها:

الملاحظة الأولى، هو أنه في ظل تراجع الدولة في ميدان كميدان التلفزيون، نلاحظ أن الدولة بالمغرب تعاود التمترس به، ولكأنها لا تدري أن ثمة تناقضا بين خطابها الداعي للانفتاح والخوصصة، وسلوكها المنافي لذات الخطاب، ليس فقط في ميدان الإعلام السمعي/البصري، بل وفي كل القطاعات الأخرى. هذه مفارقة غريبة في دولة تدعي الحكامة الجيدة، ويتباهى مسؤولوها بالاحتكام للسوق في الشكل والمضمون.

أنا أتساءل عن نسقية ومرجعية وطبيعة سلوك دولة من هذا القبيل، دولة تبرر لخوصصة الفاعلين، وتحويل ملكيتهم للخواص، وفتح السوق المحيل عليها، وتبرر على النقض من ذلك، للتأميم، وتقدمه كأنه الصيغة الأنجع اقتصاديا، والأفيد على مستوى القيمة المضافة.

كيف نميز، بالبناء على ذلك، بين خطاب الدولة وسلوكها على الأرض، لا بل كيف نثق في المسوغات المقدمة لنا، سيما وأن الجهة الدافعة بذلك، أعني الهاكا، تدرك أن الأمر يتجاوزها، ويحصرها في دورها التنفيذي الصرف؟

عندما يقول وزير الاتصال ب، وزارته "تعتبر هذا العمل ذا أهمية كبرى، وذلك في إطار مواكبة عملية تحرير قطاع الاتصال السمعي/البصري"، عندما يقول هذا الكلام، يبدو لي أن ثمة لبس في ذهنه بخصوص مفهوم التحرير.

وعندما يقول رئيس مجلس إدارة القناة بأنه يراهن على أن تصبح القناة "قناة إعلامية مرجعية بالنسبة لمنطقة المغرب العربي والمتوسط والشرق الأوسط"، عندما يقول هذا الكلام، يبدو لي أيضا أنه يجهل دينامية الإعلام وحركية التلفزيون بمنطقة الخليج ولبنان، ناهيك عن القنوات الأوروبية الباثة عبر السواتل.

الملاحظة الثانية هو أن القناة، قناة ميدي 1 سات، فرنكوفونية بامتياز، وهي قناة كانت قد أوشكت على الإفلاس في حينه، أي من حوالي سنة أو سنتين، بل كادت تعلن إفلاسها من أشهر، لولا بعض الدعم من اتصالات المغرب، وبإشارة من السلطة دون شك. كيف إذن العمل على إنقاذها بالمال العام، وهي المؤسسة الخاصة التي لم تنفع معها السبل والحيل المحاسباتية، لإخراجها من النفق؟ تحويلها للقطاع العام، معناه أن ثمة حسابات خفية، أزعم أن إحداها الدفاع عن الفرنكفونية كرافد للغة الفرنسية، وأيضا كحامل لمنظومة فكرية، تجاوز عليها الزمن والسياق.

لطالما قلت، وقال غيري، بأن إحدى مصائب هذا البلد تكمن في الفرنكفونية ورواسب الحماية. إن الفرنكفونيين بالمغرب، وهو من أبناء طينتنا للأسف، أكثر دفاعا عن فرنسا ومصالح فرنسا، ومن أعتى المدافعين عن الحماية واستمرار الحماية. لذلك فأنا أشاطر القول بأن فرنسا لم تخرج، إنها أعادت انتشارها بالمغرب، بأياد مغربية خالصة، يخدمون المشروع بالنيابة عنها.

الملاحظة الثالثة، وهو استمرار إشراف القطاع الخاص، في شخص رئيس مدير عام اتصالات المغرب، على قطاع بات عموميا، لا بل وممول من ضريبة المواطن وإتاواته. هي مسألة غير سليمة، مسألة أن يشرف القطاع الخاص على القطاع العام، أو أن يكون لفاعل بالقطاع الخاص سلطة على مجال بالقطاع العام.

أنا أعرف الشخص القائم على اتصالات المغرب، وأعرف طريقة تسييره، وأدرك جيدا ارتباطاته، لا بل وأعرف جيدا أنه ينفذ سياسات لا يستطيع وضعها، جزء منها يأتي من القصر مباشرة، وجزء آخر من اللوبيات المتسترة، لكن الداعي للاستغراب حقا، إنما ارتهان الدولة لقطاع كقطاع التلفزيون لشخوص لا نأتمنها، بل ونشك في الجهات التي تأمرها وتنهيها. من عين هذا الرجل؟ وفق أية آليات؟ لأية غايات؟ ما علاقة الرجل بالإعلام أصلا؟

أنا أتساءل: كيف يعقل أن نمول بالمال العام قطاعا خاصا فاشلا؟ إذا كان الأمر مستحبا، ومسوغا ومقبولا، فالأفضل ألا نضع فاصلا مؤسساتيا بين الخاص والعام، أعني بين المال العام والمال الخاص، بين التسيير العام والتسيير الخاص، حتى يتسنى للخاص الاستفادة من العام، ويتسنى للعام ابتزاز الخاص، في مسلكية لا تعبر عن العبث فحسب، بل وتثير الاستهزاء من دولة فاشلة، ولا تدرك أنها فاشلة بهذا القطاع، فتدافع عن فشلها، حتى يتماهى لديها الفشل والنجاح. هذا عبث بكل المقاييس، يشي بالاستهزاء منا، نخبا وجماهيرا.

 المصباح: هل كانت الهاكا يا ترى تحضر لهذا القرار منذ مدة ومهدت له عندما رفضت منح تراخيص إنشاء قنوات تلفزية؟

يحيى اليحياوي:  هل كان القرار متخذا من لدن الهيأة، ومهدت له عندما رفضت منح تراخيص لإنشاء تلفزيونات جديدة؟ لربما الأمر كذلك، إذ راجت في حينه، أعني عندما كانت الهاكا على وشك إصدار "قرارها" بهذا الخصوص، أن القناة الوحيدة التي لربما سيرخص لها هي قناة ميدي 1 سات. فلم يكن الأمر كذلك بالمرة، ورفضت كل المشاريع لأسباب واهية، علقت عليها في حينه، دفعت الهاكا من خلاله بمحدودية سوق الإشهار، ولكأنها باتت وكالة لوكالات الإشهار، لا مؤسسة لها هيبتها ومصداقيتها، باستقلال تام عما قد يروج بالسوق.

ميدي 1 سات لم تكن ولا هي كباقي القنوات المراد الترخيص لها. إنها الحاملة للواء الفرنكفونية، المدافع عن التواجد الفرنسي بالمغرب العربي وبإفريقيا، والمعبرة عن اللحمة "الخالدة" بين نخب تعلمت بفرنسا وتشربت بالفرنكفونية بدرجات قصوى، فكان لا بد ألا يرفض لها طلب، أو ترد لها رغبة. إنها على الأقل حاملة ذكرى مشروع عقده الراحل الحسن الثاني، مع الرئيس الفرنسي السابق...فكانت رمزية الذكرى أقوى وأعظم من إغلاق قناة مفلسة...أو هكذا يبدو لنا الأمر على أية حال.

لقد قلت، في ظل كل هذه التموجات، بأن فشل القناة لدرجة وشكها على الإفلاس، إنما مرده مرجعيتها الفرنكفونية المتعالية، الأنانية، ذات الطبيعة الأبوية، الممررة لثقافة التبعية والارتهان. وقلت في حينه بأنها لن تنجح بسبب ذلك، فتم تعيين رئيس مدير عام اتصالات المغرب "لينقذها"، فبحث بالمغرب والمشرق، حتى وجد شخصا مثله فاشلا ومنبطحا، ووافر القابلية على الفشل، فأخذا القارب غارقا وأوغلا في إغراقه، وعندما استحال عليهما الخروج من النفق، استنجدا بدولة فاشلة مثلها، فأتت لإنقاذهما. هذه مع الأسف هي الصورة الحقيقية لفشل الخاص والعام بمغرب القرن الحادي والعشرين، أعني مغرب إعادة إنتاج الفشل إلى ما لانهاية، والسمو به ليبدو للناظر نجاحا.

المصباح: هل يمكن الحديث عن تحرير للمجال السمعي/البصري في ظل تدخل الهاكا لإنقاذ القناة التي كانت مشرفة على الإفلاس أكثر من مرة قبل أن تقرر اليوم ضمها إلى باقة القطب العمومي؟

يحيى اليحياوي:  هل ثمة تحرير للمجال السمعي/البصري؟ أنا أطرح ذات السؤال شأني في ذلك شأن العديدين. لكني أضيف إلى ذلك أسئلة فرعية أخرى: هل تأميم القناة الثانية تحرير؟ هل خلق القنوات الماسخة والمكرورة على الساتل تحرير؟ هل تأميم ميدي 1 سات، وخوصصة أرباحها بعدما تم تعميم (من القطاع العام) خسائرها يعد تحريرا؟

إن الذي يجري منذ صيف العام 2002، تاريخ صدور الظهير المنشئ للهاكا، وما استتبع ذلك من تكسير قانون الاحتكار للعام 2004، وتحرير المجال السمعي/البصري في تبعات كل ذلك، إنما هو قول حق أريد به باطل. فلا الهيئة كانت في المستوى، ولا تكسير قانون الاحتكار أفرز تنافسية، ولا تحرير القطاع استنبت قيم مضافة. إنه العبث بكل المقاييس وعلى المستويات الثلاثة.

إذا لم يكن ذلك عبثا، فكيف نسلم بهيئة عليا لا تزال تقرر وتصرح وقد طاولها البوار وتجاوزت مدتها القانونية، ولم يصدر من أية جهة أنه قد تم التجديد لأعضاء بها، كنا نتمنى ذهابهم، لكنهم بقوا لأسباب لا نعلمها. أنا حزين لهذه الحالة الشاذة بكل صدق، حالة أعضاء بالمؤسسة تجاوزوا مدة "انتدابهم" القانونية، وحزين للذين تم تبشيرهم بتعويضهم، فإذا بهم محبطون، مغبونون، لا يلوون على شيء من غنيمة مغرب بات التعيين من بين ظهرانيه مصدر ريع بامتياز.

المصباح: الآن بعد إدماج قناة ميدي 1 سات في القطب العمومي، ما هو مصير مشروع إنشاء قناة "الإخبارية" المغربية الذي سبق الإعلان عنه؟

يحيى اليحياوي: هذا السؤال القادر على توفير جوابه هو وزير الاتصال، سيما وأنه بارع في إيجاد الأجوبة لكل ما قد يبدو لنا متعذر الجواب. فهو لربما مهندس الفكرة، والمدرك لما ستقدمه هذه القناة من "قيمة إضافية".

ومع ذلك فأنا أقول التالي، وقد قلته من أكثر من عشر سنوات: إن العبرة ليست بالأوعية والقنوات، فهذا سهل تقنيا بزمن الرقمنة، العبرة بالمضامين والمحتويات. إن اختزال الإشكال في التقنية يعبر عن جهل صارخ بالتحديات الإعلامية، ويشي بجهل مضاعف إذا قيس الأمر بالقياس إلى القنوات الماسخة التي تم إنشاؤها ولا يشهادها أحد، من قبيل الرياضية، والسادسة، والمغربية وما سواها. إنها قنوات تستنفذ طاقات السواتل والمال العام دون طائل يذكر.

من الناحية العملية الصرفة، لو كان لهذه القناة أن تنشأ، فما يا ترى جمهورها قياسا إلى قنوات بالشرق والخليج بات لكلمتها مفعول كبير؟ هل ستنسج على منوال القائم من "قنوات عمومية مغربية"، وهذا مؤكد، وفي ذلك مقتلها دون شك، أم أنها ستنسج على القائم من فضائيات عربية متخصصة، وبهذه الحالة، فهي تعدم الإمكانات والجرأة والمصداقية لبلوغه، لا وبل لا تستطيع ذلك بالاحتكام إلى نظرة السلطة للإعلام المرئي.

لو قلبنا المسألة من كل جوانبها، سيبدو لنا ولكأن الأمر هروبا للأمام من واقع أزمة حقيقي: الهروب إلى التمني بالخروج من الأزمة، مع العلم بأننا بصلبها. هذه حالة المحبط الذي لا يلوي على شيء.

المصباح: بعض ممن سبق للهاكا رفض منحهم تراخيص إنشاء إذاعات وقنوات خاصة، يبحثون عن سبل للتحايل على قرار الهاكا، إما بالبث عن طريق الإنترنيت أو كما تحضر الآن بعض الإذاعات بالبث من أراض مجاورة كإسبانيا مثلا. ما تعليقكم على ذلك؟

يحيى اليحياوي: الطبيعة لا تقبل الفراغ كما يقال، والمثل المغربي الدارج يقول "اللي ما عندو مو عندو لالاه". والإنترنيت تعبير صادق عن ذلك. إنه ملجأ من ضاقت به القوانين والتشريعات واللوائح القائمة على أرض الواقع. إنه فضاء مفتوح، لا يستلزم تجهيزات كبرى، ولا موارد ضخمة، ولا إذن من جهات مختصة، اللهم إلا الحصول على إسم للموقع، وتوفر القدرة على التحيين أو البث المباشر.

صحيح أن محدودية بلوغ الجماهير الواسعة غير مؤكدة بشبكة الإنترنيت، كما الحال مع البث التلفزي أو الإذاعي الأرضي أو بالسواتل مثلا، لكن ذات الشبكة بهذه الحالة، تعبر عن المر باستفحال الأكثر مرورة، مرورة منح التراخيص على المزاج، أو بإذن فوقي مسبق، أو لحسابات سياسية قائمة، لكنها مضمرة ومتسترة حول مبررات ليست موضوعية بكل الحالات.

إن إحدى سبل دمقرطة قرارات الترخيص لإذاعة أو تلفزة، إنما يجب أن يبدأ بإشراك كل الأطراف في اتخاذ القرار، قرار منح أو رفض الترخيص. ومن بين تلك الأطراف القطاع الخاص دون شك، لكن أيضا أطياف من المجتمع المدني مشهود لها بالمصداقية والنزاهة، لا تلك التي تتاجر في العبارة، عبارة المجتمع المدني، لإدراك الغنائم.

* "الخبير الإعلامي يحيى اليحياوي يكشف لجريدة المصباح الحسابات الخفية لإنقاذ القناة: تأميم ميدي 1 سات يعاكس سياسة تحرير السمعي/البصري"، استجواب، جريدة المصباح، أسبوعية، العددد 2، الرباط،  16 أكتوبر-22 أكتوبر 2009.

 

  

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال