❶ عرفت سنة 2011 عدد من الإنجازات في مجال الإعلام بصفة عامة (الحوار الوطني حول الإعلام، الحوار البي مهني، التحديث والتطوير المعلوماتي للإدارة المغربية...) ما قراءتك وتقييمك لهذه المواضيع؟
ليس ثمة قراءة واحدة، فالمشهد العام قد يبدو إيجابيا بهذه الزاوية وقد لا يبدو كذلك بالزاوية الأخرى. لكني أتصور أن قراءتي الخاصة لا تختلف كثيرا عن القراءات التي سبق لي أن قدمتها خلال السنوات الماضية. ومفادها أن المشهد العام يشي بالحركية والتحول في حين أنه ليس كذلك إلا جزئيا.
فلو أخذنا مبادرة الحوار الوطني حول الإعلام مثلا، لتبين لنا أن عمل اللجنة المكلفة به كان لا بأس به، وكان بالإمكان الاعتداد بأكثر من توصية من بين ظهرانيه. وقد اطلعت على مسوداته المتتالية، وبدا لي أنه كان بالإمكان تفعيل بعض ما اقترحه من توجهات وحلول. ومع ذلك، فقد ركن التقرير للجانب، ولا ندري لحد الساعة ما هو مآله.
ويبدو لي، بهذه الحالة، أنه من العيب وإضاعة المال العام أيضا، أن تسند مهمة من هذا القبيل للجنة متخصصة، فتقدم جردها لواقع الحال وسيناريوهات الحلول، ولا يعتد برأيها، بل ويبقى المرء في شك من الخلفية التي استدعت كذا مبادرات. هذا عيب بكل المقاييس.
أما عن مسألة التحديث والتطوير المعلوماتي للإدارة المغربية، فيبدو لي أن المجهودات بهذا الجانب، لا بأس بها أيضا، لا سيما فيما يتعلق بإستراتيجية المغرب الرقمي 2013. لكننا لا نستطيع تقييم هذه الإستراتيجية طالما لم تستنفذ أهدافها وغاياتها، مع العلم، وهنا المفارقة، أن النسبة الكبرى من الميزانية المرصودة لها، قد تم استهلاكها والاستراتيجية لا تزال في نصف الطريق. وأستطيع أن أجزم، وقد صغت أطروحة دكتوراه في هذا الباب، بأن المحك الحقيقي هنا يكمن في التقييم، وليس في النوايا التي على أساسها تمت محورة الاستراتيجية.
يبدو لي، للإجابة على تساؤلك بصورة مباشرة، كما لو أن الدولة جادة حقا في إطلاق المبادرات، لكنها غير واضحة في المراد من ذلك بالتحديد، على الرغم مما يصدر على لسان هذا المسؤول أو ذاك. وهذه مسألة نعيشها في أكثر من مجال مع الأسف.
❷ قراءتك لمحور الحريات خلال السنة الوشيك نهايتها (اعتقال رشيد نيني، عقوبات الهاكا، قانون الصحافة...) ما تقييمك لهذه المحاور ما هي ورؤيتك المستقبلية له؟
بجانب الحريات الإعلامية، يبدو أن الأمر لا يختلف كثيرا عما قلته بالجواب السابق. بمعنى أن الدولة تدعي أنها تحمي الحريات، لا تتواني في الضرب بيد من حديد عندما تمس التوازنات القائمة، أو يبدو لها أن ثمة من يزايد عليها.. بهذه الجزئية، أعتقد أن الدولة تضرب بكل ما أوتيت من سلطة وسلطان.
والدليل على ذلك، متابعة رشيد نيني بموجب القانون الجنائي، عوض أن يكون ملفه من اختصاص قانون الصحافة. لا بل إن المحكمة في حالة نيني لم تأخذها شفاعة ولا رحمة لتمتيع الشخص بالسراح المؤقت بمكان إقامته أو مقابل ضمانة من الضمانات. والشخص على أية حال معروف ولا سبيل لديه للإفلات من المتابعة إن تم إطلاق سراحه مؤقتا. حالة نيني لم أستسغها لحد الساعة.
تسألني عن حصيلة عمل الهاكا، أجيبك بأن هذا أمر يخصها. لكن الذي يهمني هو عدم رضاي الشخصي لا على تركيبتها ولا على أعضائها ولا على العديد من القرارات التي تتخذها. وهذا أمر تحدثت فيه بأكثر من مناسبة ومنذ تم نشاء الهيئة بظهير دونما اللجوء لمؤسسة البرلمان. أما قانون الصحافة، فهو كقانون الإضراب. إنه يضمن الحرية في الحركة، لكنه يقيدها بطريقة غير مباشرة بفصل من الفصول أو بغياب القوانين التطبيقية. بمعنى أنه للمرء الحرية، بالصحافة أو بحالة الإضراب، لكن دونما ضمانات وحماية محددة.
❸ هل يعكس الإعلام التعددية المجتمعية، وهل يقارب المنتظر منه على ضوء الربيع العربي الديمقراطي؟
هذا سؤال طرحته بكتاب لي صدر بالعام 1998 بعنوان «محنة التلفزة بالمغرب». وأعتقد أنه لا يزال ذا قيمة اعتبارية كبيرة، لأن المفروض ليس فقط أن يعبر الإعلام عن التعددية بالمجتمع أو يعكسها، بل أن يشتغل على أساس من وجود هذه التعددية، أي أن يدفع بها ويدافع عنها، وإلا فإنه سيصبح حتما نمطيا وعموديا وأبويا في غيابها أو تغييبها.
أعتقد أن التعددية التي تتحدث عنها في سؤالك موجودة إلى حد ما في بعدها السياسي، بحكم التعددية الحزبية التي يعرفها المغرب. لكنها غير متوفرة أو متوفرة جزئيا فقط في الجانب الثقافي واللغوي والهوياتي. ويبدو لي أن السر في ذلك متأت، وإلى حد بعيد، من غياب صحافة جهوية تترجم هذا الجانب في الشكل كما في المضمون. وهذه أمور يجب أن يعار لها الاهتمام بقوة بوجود ما تسميه الربيع العربي أو بدونه.
جريدة التجديد، 29 دجنبر 2011 (حاوره: محمد لغروس)