تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الباحث المغربي في الإعلام والاتصال يحيى اليحياوي لجريدة 'الصحراء المغربية': " واقع الإنترنيت في المغرب متدهور"

أكد يحيى اليحياوي، الباحث المغربي في الإعلام والاتصال، أن الإنترنيت هو انعكاس وامتداد لتراكم ثقافي ولتراكم في مستويات التنمية والوعي وتعبير عن تحولات المجتمعات (بالغرب تحديدا) إلى مجتمعات معلومات ومجتمعات معرفة، متسائلا هل المغرب يتجه بهذا الاتجاه. 

وقال اليحياوي، الذي يمتلك موقعا غنيا على الشبكة العنكبوتية، إن عدد المشتركين يبلغ 341 ألف و891 إلى غاية يونيو المنصرم، مع مرأب معلوماتي يتجاوز بقليل نصف مليون، ضمن ساكنة تتجاوز ال 30 مليون نسمة، ناهيك عن التكلفة المرتفعة جدا للاشتراك، ما يعطي فكرة عن واقع التردي والتدهور للشبكة بالمغرب. 

سؤال: هل بإمكانكم بداية الحديث، من خلال جرد لمعدلات وأرقام استعمال هذه الوسيلة بالمغرب؟

يحيى اليحياوي: لن يكون بالإمكان تقديم كل الإحصاءات المرتبطة بالإنترنيت بالمغرب، على مستوى الحواسيب وعدد الشركات المقدمة للخدمة وعدد مزودي الخدمات وطبيعة الارتباط (عادي أو ذي الصبيب العالي) وعدد المشتركين أو المستخدمين وتكلفة الارتباط والإبحار وعدد المواقع الرسمية والشخصية وما سوى ذلك...المجال لا يسمح.

لكن العدد 341891 مشترك (بيونيو 2006)، مع مرأب معلوماتي يتجاوز بقليل النصف مليون ضمن ساكنة تتجاوز ال 30 مليون (ناهيك عن التكلفة الجد مرتفعة للاشتراك)، يعطي فكرة عن الواقع المتردي والمتدني للشبكة بالمغرب على الأقل قياسا إلى مرأب الهاتف النقال الذي يعبر عن سيادة الشفوي أمام حوامل المعلومات والمعرفة... ويعبر بالمضمر عن تهافت الفاعلين على الربح التجاري السهل، القريب إلى وضعية الريع. وللأسف، فقطاع الاتصالات الذي كان من المفروض أن يكون قطاعا صناعيا وتجهيزيا بات قطاعا للمتاجرة التقليدية المفضلة للربح السريع...هذه هي نتائج الخوصصة التي حذرنا منها. 

هذا الرقم الهزيل والمخجل (قياسا إلى بعض دول العالم الثالث) يضمر في صلبه، فجوات بين المناطق وبين الشرائح الاجتماعية وبين الأجيال، وبين من له القدرة لبلوغ والنفاذ للمعلومات ومن لا قدرة لديه، وبجهة الاستخدام ويحيل على إشكالية الجدوى من الشبكة بالمحصلة. اي الجدوى من دورها ومن وظيفتها في عملية التنمية، أو في رواج المعلومات أو في تواصل الأفراد والجماعات. هذه أمور غالبا ما لا نقف عندها بدقة.  

بالمقابل، فالشبكة لم تستطع، بعد أكثر من عشر سنوات، الاندماج في الاقتصاد أو تخفيف التقاطبات، بل عمقت الفوارق ومظهرتها بمستويات كبيرة، ولك أن تلاحظ أن المناطق القروية لم يبلغها التجهيز بعد، في حين أن الرهان قائم على المناطق الحضرية تماما كما هو الشأن للأسف في كل المشاريع.  

سؤال: كيف تنظرون كخبير مغربي إلى الأنترنيت، وتعامل المجتمع المغربي معه كوسيلة للتواصل والمعرفة؟

يحيى اليحياوي: شبكة الإنترنيت بطبيعتها نخبوية وليست جماهيرية كما هو الشأن مع الهاتف النقال مثلا. وثقافة المغاربة الشفوية ساهمت في رواج الثاني ولم تستطع الدفع بالأولى. ثم حتى الذين يلجون الشبكة، غالبا ما يعتمدونها كأداة للدردشة أو للتواصل مع الآخر لغايات معروفة أو للإبحار في المواقع الإباحية ومواقع الجنس. وقد أبرزت بعض الإحصاءات أن المغاربة ضربوا أرقاما قياسية في ولوج هذه المواقع.

يبدو لي أن دخول الإنترنيت للمغرب لم يأت ردا على حاجة مجتمعاتية قائمة، بقدر ما أتى تعبيرا عن خطاب "مسايرة العصر". بالتالي فهو لم يجد له المكان بعد، ليس فقط بالمجتمع، بل حتى على مستوى المقاولات والنخب. والدليل ضعف عدد المواقع وضآلة مضامينها... الرسمية منها كما الشخصية سواء بسواء.

الإشكالية بالنهاية إشكالية موطنة وتملك، والمجتمع المغربي بعيد عن ذلك بمئات السنين.

لاحظ مثلا كيف أن الجامعات والمدارس العليا التي تتوفر على مواقع لا تولي مسألة تحيينها كبير اعتبار، فتبقى ضعيفة المحتويات والمعلومات بدرجات مقززة. بامتداد لذلك، فتوفر بعض المقاولات على مواقع بالشبكة يوحي بأنها تراهن على التجارة الألكترونية مع الخارج، في حين يبقى السؤال كامنا في طبيعة السلع التي تود المقاولات إياها عرضها أو تبادلها، سيما لو علمنا أن الاقتصاد المغربي لا يزال متمحورا حول النسيج والجلد وتراب الفوسفاط. هذا أمر يثير الاستغراب أيضا. 

سؤال: يحاول المغرب تكريس نوع من الشفافية، عبر الحكومة الالكترونية، هل ساهم هذا التوجه في تكسير الحواجز بين المواطن والإدارة؟

يحيى اليحياوي: التكنولوجيا (كل التكنولوجيا) لا تعطيك إلا بقدر ما تعطيها. والحاجة إلى المستجد التكنولوجي هي التي غالبا ما تحدد اندماجه ببنى المجتمع أوبهياكل الثقافة أو بعصب الاقتصاد أو بما سوى ذلك. إذا لم تتوفر الحاجة القبلية لمستجد ما، فهو يبقى على الهامش أو لا يستخدم الاستخدام الأمثل (حالة الحواسيب الفائقة لأغراض السكرتارية بالعديد من الإدارات المغربية مثلا).

بالتالي، فالتكنولوجيا (وشبكة الإنترنيت ضمنها) هي جزء من الحل وليست الحل كله. ثم هي لا تسهم في حل الإشكال، إلا إذا تم وضع الحلول له بأرض الواقع. أنا أسأل: هل الحكومة والإدارة شفافة في سلوكها اليومي حتى يتسنى لها الانتقال إلى الخطوة التالية؟

إطلاقا لا. كل شيء يشير بالمغرب (ابتداء من المقدم إلى الجهاز التنفيذي مرورا بالمستويات الوسيطة الأخرى) إلى أن المواطن هو الحلقة الأضعف في العملية، وأن الإدارة لا تزال مترفعة، تتعامل بسلوك صاحب الفضل ولا فكرة لديها عما هو حق المواطن وواجباته وما حقها عليه وواجباته إزاءها. بل حتى المؤسسات التي خوصصت أو تحولت طرق تسييرها، لا تزال تجتر السلوك البيروقراطي المهيمن، وتتعامل مع زبنائها بترفع يؤكد باعتقادي أن المسألة ثقافية خالصة ولا علاقة لها بإدخال هذا المستجد أو ذاك. 

خذ مثلا المؤسسات العمومية التي تتوفر على بريد ألكتروني وتطلب من المواطنين إبلاغهم بشكاواهم عبره كما لو أنها تريد التخفيف من الإجراءات. وهو أمر طيب. لكن قل لي هل تلقى شكاواهم جوابا، هل تفتح تحقيقات في تظلماتهم؟ هل يتم الاتصال بهم للرد عليهم؟ اشك في ذلك كثيرا. بهذه النقطة، يبدو لي أن الإدارة أضافت حلقة مفرغة أخرى إلى الحلقات الموجودة بالأصل. 

الشبكة (والتكنولوجيا عموما) لا تغير السلوك إلا إذا تغير بأرض الواقع أو توفرت لديه القابلية على ذلك.لا أتصور أن سلوك الجمارك أو مصالح المحافظة العقارية أو خدمات الصحة أو ما سواها سيتغير بمجرد ارتباطهم بالشبكة. المفروض أن توجد الحلول بأرض الواقع ويعمد إلى اللجوء للشبكة كأداة لرفد الحل.

هذه مسألة استراتيجية غاية في الأهمية، إذ المطلوب تحديد المشكل وزاوية معالجته والنظر فيما بعد (وفيما بعد فقط) في سبل توظيف المستجدات للإسهام في حله. العكس عندنا هو القائم، أي أننا نلجأ لتوظيف التكنولوجيا ولكأنها عصا الحل السحرية. أنظر مثلا كيف تحاول وزارة التربية الوطنية حل الإشكالية التعليمية بالمغرب عبر ربط المدارس... حتى تلك التي لا يوجد بها الحد الأدنى من شروط الممارسة التعليمية. المطلوب هنا أيضا تحديد معالم الإشكالية التعليمية والنظر بموازاة ذلك في الروافد التي تدعمها وضمنها الرافد التكنولوجي.

سؤال: انتشار الأنترنيت لازال خجولا، العديد من المناطق لازالت معزولة عنه، كما أن معدلات الانخراط في هذه الشبكة لم يرق إلى الحد المطلوب، لماذا، وهل يمكننا الحديث عن أزمة في هذا المجال؟

يحيى اليحياوي: هناك تفسيرات عرضية لذلك حتى وإن كانت ضاغطة من قبيل ارتفاع تكلفة الحواسيب ومستوى الأسعار المطبق وواقع الخلل الذي يلازم الشبكة لحد الساعة، وضعف القدرة الشرائية وما سوى ذلك.

لكني أتصور أن ضعف الولوج للشبكة محكوم باعتبارات ثقافية صرفة. بمعنى أنه ليس ثمة مراهنة على الشبكة (قياسا إلى النقال مثلا الذي يدر ملايين الدراهم) وليس ثمة مراهنة على ترويج المعلومات والمعارف بداخلها. هي مسألة بنيوية ومنظومية بامتياز. أنا اسأل مرة أخرى:هل حال القراءة بالمغرب بخير حتى نأتي بالإنترنيت ليكون لها رافعة إضافية؟ قطعا لا.

بالمحصلة، أعتقد أن الإنترنيت هو  انعكاس وامتداد لتراكم ثقافي ولتراكم في مستويات التنمية والوعي، وتعبير عن تحولات المجتمعات (بالغرب تحديدا) إلى مجتمعات معلومات ومجتمعات معرفة. هل المغرب يتجه بهذا الاتجاه؟ أشك في ذلك بكل المقاييس... حتى بتكاثر الخطابات بهذا الشأن، وهي خطابات مزايدة ليس إلا، غالبا ما أستنكف في التعليق عليها.

جريدة 'الصحراء المغربية'، 26-27 غشت 2006 (حاوره المصطفى بنجويدة)

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال