"ألو على غفلة" مع خبير الاتصال ذ. يحيى اليحياوي
س: ذكرى لا تنساها منذ الطفولة؟
ج: أتذكر حينما كنت أدرس عند خالي في قرية صغيرة ضواحي مدينة سيدي قاسم في أواخر الستينات و بداية السبعينات، أتذكر منزلا من المنازل الصغيرة التي تركها الفرنسيون بجمالية مظهرها الخارجي رغم صغر مساحتها، وكنت أنام مدثرا بغطاء خفيف في فضاء مفتوح حيث كان الفقر والبؤس في تلك الحقبة, ولازال للأسف المغرب يعيش ذلك.
والشيء الذي بقي عالقا بذاكرتي هو أنني كنت أستيقظ باكرا و ألح على خالي لكي أخرج من البيت و أذهب إلى المدرسة في تلك الساعة. لكن خالي كان يخبرني بأن وقت المدرسة لم يحن بعد ليس بعد.
وكنت كلما مرت نصف ساعة أعيد نفس السؤال: هل أذهب الآن فكان يرد علي: " سأوقظك عندما يحل الوقت المناسب" و كنت أكرر نفس السؤال يوميا وفي أحد الأيام استيقظت تقريبا على الساعة الرابعة والنصف صباحا، فقلت لخالي: "هل أذهب إلى المدرسة الآن ". أجابني متضايقا: " إذا أردت أن تذهب الآن إلى المدرسة فافعل ". فلما خرجت وجدت نفسي وجها لوجه أمام الظلام، لقد كان يريد أن يلقنني درسا تربويا في ضرورة الاستماع إلى الكلام، وهذا من الذكريات الجميلة جدا التي لا يمكن نسيانها.
س: أستاذ اليحياوي، اسمك العائلي مشتق من اسمك الشخصي، ألم يكن يثير لك أية مشاكل ؟
ج: ( يضحك..) كان الناس يقولون بأن اسمي الشخصي والعائلي «كوستيم" يعني بذلة كاملة أو "فيستا و سروال" إنها صدفة، يرجع أصل اسمي العائلي إلى أن عائلتي التي تنحدر من الشرفاء "اليحياويين" و شيخهم -بتعبير عبد الله الحمودي- هو سيدي يحيى" يوجد جزء منهم في الجزائر و جزء في وجدة والجزء الآخر في الغرب و تاونات، وكان الناس عندنا في المنطقة يطلقون اسم "يحيى" كثيرا على أبنائهم، أنا لا أشتعل بالأنتروبولوجيا و الاثنوغرافيا، ولكن أرجح أنه غالبا ما تم اشتقاق اسمي العائلي من اسم ذلك الشيخ، ويمكن أن يؤكد هذا أن حوالي تسعين بالمائة من سكان( الدوار) الذي أنحدر منه يحملون الاسم العائلي، الذي هو "اليحياوي" لأنهم ينتمون إلى نفس السلالة تقريبا.
س: أية منطقة تنتمي إليها بالضبط بمدينة سيدي قاسم ؟
ج: "دوار القدادرة"، يبعد عن مدينة سيدي قاسم بحوالي ستين إلى سبعين كيلومترا، في البادية بالمفهوم البؤسي للكلمة بمعناه البؤسي -إن صح التعبير- لا كهرباء ولا ماء، لازال الناس يبنون بالطين، و(يْزَرْبُو بالسدرة ) يعني ما قبل التاريخ
س: أنت ابن البادية ؟
ج. نعم وأعتز كثيرا بهذا عن اقتناع يسري في دمي ويتغلغل في مخ عظامي، درست بالرباط و باريس وأشتغل الآن في الرباط، وكان من المفروض أن أضع في جوازي سفري مدينة سيدي قاسم أو على الأقل إحدى المناطق المجاورة أو الاكتفاء باسم الدوار "القدادرة" بدل عبارة دوار القدادرة" إلا أني أكون شديد الحرص على وضع "دوارالقدادرة" في خانة العنوان، ذلك لأن "الدوار" معطى جغرافي و ثقافي بالمغرب يستحيل أن يتنكر له الإنسان، وأستغرب لكل الذين يتنكرون للمناطق القروية التي ينحدرون منها.
س: تبدو هادئا، لكن بمجرد أن تأخذ الكلمة تنتقد دون مجاملة وتصبح إنسانا آخر ؟
ج: بكل صدق، منذ طفولتي لا أحب -كما يقولون عندنا في البادية- "الحال الأعوج"، وأنا لا أنتقد فلان أو علان حبا في الانتقاد، و لكن أنتقد الحال الأعوج" الذي لا يعجبني. وهو ما جر ويجر علي مضايقات جمة بالعمل...دعني أقول لك بكل صدق إن البهدلة التي أعيش مثلا باتصالات المغرب حيث قدر لي أن أعمل مصدرها انتقادي للحال الأعوج بالمؤسسة وبغيرها. ولهذا السبب فوضعيتي الإدارية مجمدة منذ أكثر من 15 سنة، والمنح السنوية محرمة علي بالمطلق. ألا يبدو لك أن ثمة حالا أعوج هنا مثلا، في حين تصرف ملايين الدراهم على مهرجانات تافهة ومغنيات المؤخرات؟
(مقاطعا) إذن أنت لا تجامل ؟
ج: لا أحب المجاملة والنفاق، وأظن بأنني إذا مارست السياسة سأكون بدون شك أفشل السياسيين في المغرب طبعا، حيث تطغى المناورة والكذب و الخداع.
س: عندما كنت صغيرا هل كنت تتمنى هذه الوظيفة التي تشغلها الآن ؟
ج: لم أكن أتصور أن الدراسة توصل إلى العمل، وعندما اشتغلت، تساءلت مع نفسي هل هذا هو الهدف بعد خمسة وعشرين سنة من التحصيل العلمي؟ أعتبر من العبث أن يقضي الإنسان عمره في الدراسة وبعد ذلك يأتي ليشتغل في إدارة بسلم عشرة أو أحد عشر، هل هذه هي نهاية الكد و الجد؟ تفني زهرة شبابك في الدراسة لتجد نفسك في مكتب تجلس فيه وفي منتصف النهار تذهب..إلخ. أنا عندما أتيت من فرنسا تعاقدت مع اتصالات المغرب حينما كان مقرها في شارع عقبة، لم تكن تتوفر على مكاتب كما هو الحال الآن، وعندما وضعوني في غرفة صغيرة جدا كانت في الأصل مطبخا، وجدتني وسط مكتب و هاتف، طرحت هذا السؤال على نفسي هل هذه هي نهاية عمر من الدراسة، فما الفرق بين هذه الوظيفة وبين أن تشتري شاحنة تنقل البصل من مدينة مكناس وتبيعها في أكاد ير وتربح خمسة آلاف درهم؟ أرفض أن يتخرج المرء من مدرسة عليا ثم يدفنونه في مكتب ليتقاضى في نهاية شهرية.
س: و هذا ما يطمح إليه أغلب الطلبة ؟
ج: على الجامعة أن تفتح الأبواب لإنتاج المعرفة وترويجها، بدل اكتساب المعرفة لأغراض مادية محضة، يسألني طلبتي عن ماذا يمكنهم أن يقوموا به بعد التخرج، فأجيبهم بأن الدراسة شيء و العمل شيء آخر، وأدعوهم إلى تأجيل التفكير في العمل بعد إكمال دراستهم و أن لا يربطوا العمل بالدراسة.
س: الآن يجري الحديث عن انفتاح الجامعة على سوق الشغل ؟
ج: هذا طرح خاطئ لأن لكل من الجامعة و سوق الشغل مفهومها وسياقها الخاص. أنت بالجامعة لا تكون موظفين، أنت تكون أناسا يفكرون أولا, وإن استهوتهم وظيفة ما، فهذا شأنهم. تماما كالسياسة والسوق. إذا أردت ممارسة السياسة عليك الابتعاد من السوق, والعكس صحيح.
س: ولكن جميع الآباء يرون في أبنائهم استثمارا و يجب أن يدرسوا لكي يعوضوهم عن تعبهم؟
ج: يمكن لك أن تشتغل على والديك بالتجارة أو بالفلاحة أو بالسمسرة في العقار دون وجع الراس.
س:ولكن أستاذ اليحياوي المجتمع يعطي قيمة للموظف في الإدارة أكثر مما يعطيها للذي يشتغل في التجارة ؟
ج: بالعكس الذي تعطى له قيمة في المجتمع المغربي اليوم هو صاحب المال الكثير الذي يملك المعامل أو يتاجر في المخدرات حتى، ولو كان أميا. لقد سمعت يوما جزارا بالجملة جاهلا يقول لزميل له: كلما ذهبت لصلاة الفجر، أصادف بالطريق دركيان ذاهبان للعمل. يحيوني فأدرك أنهما يريدان قهوة الصباح، فأعطيهما 20 درهما تقريبا كل يوم. أي قيمة للموظف إذن؟
س: كتاباتك غزيرة في حقل الاتصال، لماذا اتجهت إلى هذا الميدان؟
ج: أهتم بكل ما يتعلق بالمنظومة الشبكية، والسمعي البصري تحديدا. في بداية التسعينات لاحظت بالمغرب أنه ليست هناك كتابات في هذا المجال وحاولت -مادام العمر قصير- تكثيف الإنتاج، لكي أخلق حدا أدنى من التراكم، والحمد لله وبكل تواضع عندما أقارن الإشكالات التي ساهمت في طرحها بداية التسعينات بما أصبح عليه الوضع الآن، أحس بأني خلفت بصمة، ولم أمر في الحياة كأي الناس مرور الكرام، رغم أن بهذه البلاد مطرب الحي فيها لا يطرب، تصور لو كان لي أن أكون في الإدارة كاتبا عاما أو مديرا، ماذا كان عساني أترك. لن تكن لي بصمة وعندما أموت سأدفن، ولن أترك أي أثر ولو بسيط ورائي، الآن على الأقل ولا أخفيك سرا، حجم ما تلقاه كتبي ومقالاتي يعطيني الإحساس أن بعض الناس سيذكروني بعد مماتي.
أطال الله في عمرك.
بارك الله فيك
س: شخصية من الماضي تود الالتقاء بها ؟
ج: عمر بن الخطاب بعدله و إنصافه و قربه من الضعفاء و خصوصا في جانب العدل و الإنصاف. أنا لا أستطيع لقاء خليفة من هذه الطينة، لكني استحضر عدله والقيم الكبرى التي مارسها فعلا وليس فقط بالكلام.
س: ومن الحاضر؟
ج: نعوم تشو مسكي ...الذي لم تخدلني كتاباته وآراؤه كما خدلني بعض من ذوي القربى.
س: مقال تعتز به ؟
ج: مقال نعيت فيه الرئيس/الشهيد صدام حسين ليلة اغتياله في 31 دجنبر 2006.
س: الذي يطلع على موقعك في الانترنيت يجد أنك توثق بشكل دقيق ؟
ج: بكل صدق أحاول أن أكون صادقا مع القارئ كيفما كان مستواه، أكتب المقال بصدق وحب، بنفس الدرجة التي ألقي فيها محاضرة، أو درسا للطلبة في الكلية، و بنفس الحب أجري فيه هذه الدردشة معك بالهاتف، أمارس فعل الكتابة ليس من أجل كسب رضى جهة معينة، أو أطمع في منصب وزير أو سفير. عندما أضع إشكالية و أبدأ في صياغة النص، إذا صادفني أحد في السياق الذي أشتغل في ضوئه أنتقده مهما كان منصبه بطبيعة الحال باحترام و أدب.أنا لست من الذين يلوون عنق الكلمة لإرضاء هذه الجهة أو تلك.
س: موقف يجعلك تضحك ؟
ج: أضحك من وضعية العبث، فحينما أرى وزير العدل يخلق خلية يتتبع فيها الصحافيين الذين وصفهم بأنهم يخلقون اليأس في المجتمع، في الوقت الذي يغض الطرف ذات الوزير عن بعض أفراد عائلته رغم ارتكابهم مخالفات تحدثت عنها الصحافة. في المغرب لا يوجد ضحك بمعناه الكوميدي، ولكن يوجد ضحك كالبكاء. لست أدري هنا هل نضحك على أنفسنا أم نبكي رثاء لحالنا.
س: ما هي علاقة بالشعر أو بالأدب عموما ؟
ج: أنا قليل القراءة في هذه الميدان، لأنني لا أجد في المغرب شعرا أفهمه أو أتذوقه، يوجد شعر ولا يوجد ابداع، و كما يقول بشار بن برد: "أرى جمهرة، ولا أرى بشرا «. أجد نفسي في شعر المهجر، في شعر فدوى طوقان، بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، في الشعر العباسي والجاهلي، في شعر عمر الخيام.
س: علاقتك بالموسيقى؟
ج: لدي علاقة بنيوية معها، ولا أخفيك سرا إن قلت لك أن زوجتي من الريف وأنا عربي، والموسيقى التي تعجبني هي الموسيقى الأمازيغية بكل أطيافها، و أحب الاستماع إليها بلغتها الأصلية رغم أنني لا أفهم ما تقوله. الإيقاع هنا تماما كالسياق, كلاهما يحيلك صوبا على المعنى.
س: ما هي الأكلة المفضلة لديك؟
ج: (يضحك ) قديما أو حديثا؟
س: قديما ؟
ج: الخبز و "أتاي".
س: كانت أكلة مفروضة؟
ج: "يضحك.." ومفضلة أيضا، وأعتبر أن المغربي الذي يتنكر لعلاقته التي تكاد تكون فطرية, بالخبز واتاي يكذب، لأن هذه الأكلة في ذلك الوقت كان لها طعم خاص، و قد أزعم أن قليلا من المغاربة الذين أكلوا الخبز و أتاي و لم يكونوا ناجحين. وأزعم أيضا أن من لم يأكل الخبز وأتاي لا يعرف جيدا المغرب العميق.
س: ماذا ينقص الصحافة المغربية؟
ج: لربما تنقصها الحرفة الصحفية والصحفيين الأكفاء. هي باتت وكرا للدخلاء، وأنا أعرف العديد منهم مهمتهم الابتزاز وتصيد الإشهار. وهي بحاجة أيضا لأن يعتد بما تفضحه من ممارسات، لا أن يتم التعامل معها كغريم من باب نظرية المؤامرة.
س: تشتغل في مجال الاتصالات و لا تملك هاتفا محمولا هل عندك موقف منه ؟
ج: إذا لم تجدني في المنزل تجدني في مكان العمل حتما، وأحب أن آخذ قسطا من الراحة المؤقتة في ما بين مكان العمل والمنزل. ثم أنا من المدافعين على طرح أن الحاجة هي التي تحكم الاقتناء والاستخدام، وحاجتي للنقال بالوقت الراهن غير مؤكدة. وأقول دائما للأصدقاء الذين يعاتبونني: إذا لم يتسن لكم العثور علي بالمنزل أو بالعمل، فقد أراحني الله منكم...أقول ذلك من باب المزاح طبعا.
س: علاقتك بالمقهى؟
ج: مكان لشرب فنجان قهوة و ليس مكانا للنميمة لمدة خمس ساعات، أحتسي قهوتي وأطالع الصحف ثم أنصرف، و لا أنفي المكانة الرمزية لبعض المقاهي تاريخيا لكن هذا كان في مصر مع نجيب محفوظ، أما هنا بالمغرب فما يسمون أنفسهم بالمثقفين أكثرهم تجده بالحانات وأمامهم كومة من علب "البيرة"... دون إنتاج.
س: علاقتك بالتدخين؟
ج: "يضحك " هو مضر بالصحة و لكن لحد الساعة لم يضرني، أسأل الله السلامة وبكل الأحوال, فكل شيء مما نأكل أو نشرب مضمر لبعض من المضار.
س: كلمة مفتوحة؟
ج: أنا قلق من الآتي القادم. لقد تعلمنا أن نراهن على المستقبل ونقول بأن القادم هو بحكم الصيرورية أحسن من الراهن. أتصور أن العكس هو الذي نحن بإزائه اليوم. لقد تكثف الإكراه وتزايدت المضايقات بدرجات لا تطاق.
لا أريد أن أختم بنبرة تشاؤمية، لكني أعتقد أنه لو سارت الأمور على نفس المنوال الذي أراه أمامي، فإن القادم غير مطمئن بالمرة.
جريدة "العدالة والتنمية"، 17 غشت 2007