السؤال الأول: تقييمكم كباحث في مجال التواصل والإعلام للبرامج التي تقدم على القناتين المغربيتين، الأولى والثانية، والتي تعنى بالشأن السياسي الوطني؟
يحيى اليحياوي: لست متأكدا من أن الذي يقدم بالقناتين، هو من قبيل البرامج السياسية، على الأقل من زاوية ما نعايشه بالتلفزيونات الغربية، الفرنسية والأمريكية تحديدا. أعتقد، بالنسبة للبرنامجين اللذان يحيل عليهما السؤال، أن الأمر يتعلق ببرامج حوارية، تكون محاوره محددة ومحصورة سلفا، والصحفيون منتقون، والديكور مدروس، والضيوف جالسون، كل في المكان المخصص له بالقياس إلى الضيف، ليمارس، بعد ذلك، كل لاعب رقابة ذاتية إن كان بالمباشر الحي، أو ليزاح بالمونتاج، ما قد يثير هذه الجهة أو تلك، مباشرة أو بالتلميح.
عندما ندرك مستوى بعض الصحفيين، وجهة ارتباطاتهم، والخلفيات الناظمة لثويهم خلف هذه البرامج، والتصور القائم لديهم عن العمل الإعلامي، يتبين لنا بالواضح الصريح، أن هامش الحركة ضعيف ومحصور، وما قد يبدو للبعض جرأة وشجاعة هو مضبوط ومحسوب بدقة.
من جانب آخر، فالضيف غالبا ما يطلق الكلام على عواهنه، علما من لدنه بأنه ليس ثمة رأي عام يحاسبه على ما يقول، أو صحافة جادة تحسب عليه أنفاسه، وتقيس مستوى المصداقية (من عدمها) التي أدركها بمروره بهذا البرنامج أو ذاك. هي تبدو لي جلسات فرجة، تمنح للضيف سبل الظهور بالتلفزيون أمام أهله وذويه، وتعطي للمشاهد إمكانية قياس الأداء بالمنظور العام، أو تنفره لفائدة الفضائيات الأجنبية، وغالبا ما يكون الاختيار الثاني هو القائم.
السؤال الثاني: ماهو التصور الأفضل في نظركم لبرنامج سياسي تلفزي؟
يحيى اليحياوي: أنا لست فاعلا بالقطاع بالممارسة أو بالمهنة. أنا متتبع بحكم اهتمامي بالصورة التلفزية، ووعيي بأهمية الإعلام في بناء رأي عام، سيما إن كان خلفه أشخاص مدركون لخطورة الأداة التي يحركون. من هذه الزاوية، أزعم أن نجاح أي برنامج يكمن في مدى قدرته على التواصل وخلق التفاعلية مع المتلقي، وأيضا حجم ومنسوب رد الفعل عليه بالفضاء السياسي.
البرنامج السياسي يستوجب حدا أدنى من الحرية والمصداقية. وهي غير متوفرة بالقناتين معا. ويستوجب سياسيين من عيار ثقيل، يكون بمقدورهم أن يحدثوك عما يعتمل بالحقل السياسي، وعن تفاصيل رفع أو خفض أسعار الفائدة بتقنية عالية، وعن الحركية الروائية والشعرية هنا أو هناك. هذا غير متوفر أيضا، بل إن أغلب سياسيينا هم أشباه أميين ولا يقرأون، ولا يتوفرون على مكتبات بمنازلهم، هم سماسرة سياسة بامتياز. إذا كان الصحفيون باهتون والسياسيون ضعاف، لا يتقنون إلا لغة المزايدات، والنصب على الغنيمة الآتية بعد حين، فإن المشهد بالمحصلة سيكون بئيسا، وهو كذلك مع الأسف منذ عقود.
السؤال الثالث: تأثير غياب برامج ذات طبيعة سياسية على صورة قناة ما ؟ (تأثير على مصداقية القناة وانخراطها في القضايا السياسية المحلية).
يحيى اليحياوي: السياسة ليست هي السياسيين. السياسة هي تدبير الشأن العام، بكل تمفصلاته السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وما سواها. ألا ينعكس ما يروج بالمجال السياسي على مستوى التلفزيون، معناه إما أن لا حركية سياسية بأرض الواقع، أو أن هذا الجانب لا يهم التلفزة بالمرة، سيما لو كانت متخصصة فيما هو ليس سياسة.
بالمقابل، فعندما تكون القناة عمومية، ممولة من المال العام، فالمفروض أن تعمل على تلوين شبكتها بما يطاول قضايا الرأي العام، والسياسة إحداها دون شك. أنا أتصور أن هوية أية تلفزة تتأتى في جزء منها من تموقعها السياسي، من تعبيرها عما يجول بالفضاء العام، ومحاولة عكسه بأفق خلق رأي عام. هذا هو المطلوب بالنهاية، وإلا فلا فائدة من قناة تمول من المال العام.
السؤال الرابع: هل من العادي والمعقول ألا يكون هناك برنامج سياسي على قناة عمومية بالخصوص، علما أن القنوات العمومية عبر العالم هي التي تحرص على تثبيت برامجها السياسية للحفاظ على المشاهدين؟
يحيى اليحياوي: ضعف البرامج السياسية بالقناتين هو من ضعف السياسة بالمغرب، ومن ضعف السياسيين. ثم إن القناتين بالمغرب تشتغلان باستقلال تام عن رد فعل المتلقي أو النقد. ولك أن ترين حجم ما قيل وكتب، ومع ذلك لم يتغير أداء القناتين، ولم تعملا يوما على الاشتغال وفق انتظارات المشاهدين. لقد قلت من أكثر من عشر سنوات، بأن مجال التلفزة بالمغرب مجال عصي على التغيير، وأزعم أن هذا الرأي لا يزال صائبا في جزء كبير منه.
السؤال الخامس: هل غياب برامج سياسية من خريطة البرامج التلفزية يعكس تقلصا في مساحة الحرية، وبالتالي يفيد أن هذه البرامج تثير حساسية معينة لدى أصحاب القرار؟
يحيى اليحياوي: من دون شك. فبرنامج سياسي محمل بجرعة متقدمة من النقد لهذا الأداء السياسي أو ذاك، من شأنه أن يثير، ويعرض صاحبه للمساءلة في حالة التجاوز. لذلك، فالرقابة الذاتية هي السائدة، وما سواها يدخل بحيز البرامج المسجلة، الخاضعة للمونتاج.
السؤال السادس: هل الفاعل السياسي المغربي غير مغري بالمشاهدة؟
يحيى اليحياوي: الفاعل السياسي بالمغرب تستهويه التلفزة، لكن بغرض الظهور من أجل الظهور، لا الظهور لتمرير رسالة محددة. لقد تابعت العشرات مما يحسب برامج سياسية بالقناتين، وخرجت بخلاصة أن لا مضمون بها يذكر، بل هي عبارة عن خطابات مضببة، وكلام شعبوي صرف، ومزايدات على هذه الجهة أو تلك. ثم إن هذا الفاعل لا يتمثل كثيرا وظيفة التلفزيون، بل يعتبرها إناء إضافيا لتأكيد زعامته أو صواب رأيه. وهو لا يتوفر فوق كل هذا وذاك، على مدير في الاتصال، أو خبير في العلاقات العامة، يوجهه وينصحه، ويحدد له تقنيات التعامل مع الصحفيين.
السؤال السابع: هل المشهد السياسي المغربي ليس فيه من المواضيع والقضايا الكفيلة بإثارة نقاشات تلفزية ساخنة ومغرية بالمتابعة من قبل المشاهد؟
يحيى اليحياوي: التلفزة لا تخلق النقاش بالفضاء العام، هي مطالبة بعكس حركية على أرض الواقع إن وجدت. بالتالي، فلا مجال لاستنبات نقاشات تلفزية، إذا كانت هذه النقاشات مغيبة بالمجال العام. بالحالتين معا، يبدو لي أن الرداءة والرتابة هما السمتان الأساس للأداء السياسي والأداء التلفزي معا.
السؤال الثامن: كيف هي بنظركم علاقة المشاهد بالبرامج السياسية التلفزية؟
يحيى اليحياوي: ليست لدينا معطيات إحصائية مدققة بهذا الجانب، لكني أزعم أن المغاربة من الشعوب الشغوفة بالسياسة كتدبير للشأن العام، لكنهم لا يتوفرون على الأحزاب والتنظيمات التي تؤطرهم، وترفع من مستوى المشاركة من بين ظهرانيهم.
مجلة "الأحداث ت.ف"، العدد 96، 22 نونبر – 5 دجنبر 2008.