تحيل موضوعة الحق في الاتصال، في منطوق مبادئها الكبرى كما في مضمون فلسفتها كما فيما يتم تداوله حولها أو بإزائها، تحيل على مجموعة قيم غالبا ما تسطرها الدساتير في ذيباجاتها وتتبناها اللوائح والتشريعات (العالمية كما القطرية) إذا لم يكن بالإعلان الصريح فتأكيدا بالتلميح الذي لا يقبل كثير اختلاف.
هي قيم عالية يتداخل في تسطير سموها القانوني بالسياسي بالتنظيمي بالفني وبغيرها، وتتقاطع بصلبها ضمانات كبرى تحفظ للفرد حقه وحريته وحميميته وتوفر للجماعة سبل المناعة ضد أي تجاوز من لدن الفرد لما تعتبره الجماعة إياها فضاءها ومكمن تماسكها وعنوان تعايش مكوناتها في الزمن والمكان.
ولئن كان من الثابت خضوع ذات المبادئ والقيم لتباين السياقات واختلاف المرجعيات والغايات وكذا لمستوى النضج السياسي (الديموقراطي أعني)، فإنه من الثابت أيضا أن ذوات المبادئ والقيم إنما هي نتاج تراكمات ثقافية وسياسية، اجتماعية واقتصادية أضحت، بمحصلة بداية هذا القرن، مبادئ وقيم عالمية بامتياز لا يتنكر لها إلا مستبد أو متطرف في الرأي أو متجاهل عنود.
لم يأت مبدأ (أو مفهوم) الحق في الاتصال من فراغ، بل تأتى عبر محطات كبرى اندغمت بصلبها صراعات إيديولوجية وسياسية وثقافية وتمظهرت عبرها سلوكات إقصاء وتنافر واحتراب لا تعتبر المنظومة الحالية لذات المبدأ إلا العنوان الناصع الذي ترتب عنها:
+ فأول إشارة للحق في الاتصال تأتت من "ميثاق حقوق الإنسان والمواطن" الذي أعلنته الثورة الفرنسية سنة 1789 والذي أسس لمسلمة أن "حرية تبادل الأفكار والآراء هي من حقوق الإنسان المهمة، ولكل مواطن الحق في أن يتكلم ويطبع بصورة حرة"...مقدما بذلك للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته الأمم المتحدة والذي أكدت من خلاله على أن " لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير...ويشمل هذا الحق حريته في اعتناقه الآراء دون مضايقة وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود".
+ وأول تأكيد، أكثر دقة في ذلك، حمله قرار الأمم المتحدة ل 14 يناير 1946 والذي نص على أن "حرية تداول المعلومات من حقوق الإنسان الأساسية، وهي المعيار الذي تقاس به جميع الحريات ...وأن حرية الإعلام تتطلب بالضرورة ممن يتمتعون بمزاياها أن تتوافر لديهم الإرادة والقدرة على عدم إساءة استعمالها. فالالتزام الأدبي بتقصي الحقائق دون انحياز ونشر المعلومات دون تعمد شيء يشكل أحد القواعد لحرية الإعلام".
ليس ثمة من شك، في الوقت الحاضر على الأقل، بأن الحق في الاتصال بمفهومه العام الذي قدمنا له أعلاه، إنما هو لصيق أيما يكن الالتصاق بطبيعة الاختيار الديموقراطي والنسقية العامة التي تخضع له، تؤطره، تديره وتحول دون إمكانات التجاوز من بين ظهرانيه.
هو إذن "حق الفرد في الحصول على المعلومات والمعارف والاطلاع على تجارب الآخرين وحقه في التعبير وإيصال الحقيقة للآخرين والاتصال بهم ومناقشتهم والتأثير في القيادات الاجتماعية والسياسية بما يخدم الفرد والجماعة...وهو في الوقت نفسه الحق في الاجتماع والمناقشة والمشاركة والحوار لفهم ظروف المجتمع وإمكانياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية". وللحق في الاتصال علاقة متينة بتكوين الفرد وتطور الجماعة وبالحرية والديموقراطية واختيار النظام السياسي والاجتماعي وما سوى ذلك.
لا يقتصر الأمر، فيما سبق، على المبدأ (مبدأ الحق في الاتصال) ولا على مفهومه، ولا على السياسات الاتصالية التي من المفروض أن توضع وترسم على خلفية من هديه، بل وأيضا على ضرورة " تحقيق أكبر قدر من المشاركة العامة في العملية الاتصالية بحيث لا يقتصر دور الأفراد والفئات الاجتماعية المختلفة على مجرد التلقي للوسائل، بل يمتد ليتحول إلى المشاركة الإيجابية في التخطيط والتنفيذ أيضا".
لم يطرأ على منظومة الحق في الاتصال، على الأقل في الفلسفة الثاوية خلفها، لم يطرأ عليها تحولات كبرى ولا طاولتها تحديات جوهرية من شأنها إعادة النظر فيها (منذ إعلان الثورة الفرنسية أساسا) بقدر ما اعترضتها تحديات حقيقية طاولت فضاءها ومظهرها والقانون المنظم لها بالتحديد.
والحقيقة أن التحديات الملمح إليها في هذا المقام لا تحيل على أن من المبادئ (التي رست عليها المواثيق الدولية) من مسها التجاوز أو طاولها التقادم...ولكن الملمح إليه إنما الزعزعة التي مست الترسانة المؤطرة للمنظومة، منظومة الحق في الاتصال:
+ فالثورة التكنولوجية التي شهدها قطاع الإعلام والاتصال (جراء الرقمنة وتداخل القطاعات الكبرى وانفجار الأقمار الصناعية العابرة للحدود والشبكات الألكترونية وغيرها) إنما خلقت "وضعيات جديدة" لم تستطع التشريعات القائمة أو الجارية ضبطها أو تقنينها أو استشراف آفاقها.
بالتالي فلم تعد العبرة، نتيجة هذه الثورة، بالأداة الحاملة للرسالة، بقدر ما أضحت محكومة بطبيعة الاستعمال والوظيفة المرجوة من الاستخدام. ومعنى هذا أن شبكة الاتصالات مثلا لم تعد حكرا على التواصل عبر الهاتف أو بعث الرسائل عبر الفاكس، بل غذت حاملا لشبكات ضخمة من المتعذر معها حقيقة الأمر معرفة طبيعة الرسالة بجهة هل هي نص أم معطى أم صورة أم صوت.
ومعناه أيضا أننا، مع هذه الثورة، لم نعد بإزاء قانون للاتصالات وقانون للإعلاميات وقانون للمجال المسموع والمرئي، بل أضحينا بإزاء منظومة تقنية وشبكية واحدة موحدة تفترض قانونا واحدا لها لا قوانين قطاعية لكل منها كما هو سائد وجار به العمل في الوقت الراهن.
وعلى هذا الأساس، فإن حاصل الأمر حقا أن هذه الثورة وإن كرست مبادئ وقيم الحق في الاتصال (ووسعت من مجالها أيضا) فإنها وضعت مؤسسات التشريع والتقنين والتنظيم على المحك بجهات متعددة لعل إحداها كيفية وطريقة وسبل تأطيرها أو على الأقل مسايرتها.
+ ليست العوامل التكنولوجية هي الوحيدة الراسية خلف زعزعة نظم التقنين والتشريع حتى وإن كانت هي المهيمنة، إذ كان ولا يزال للعوامل الاقتصادية والمؤسساتية دور كبير إذا لم يكن بجهة التأثير في طبيعة سير هذه العوامل فبالتأكيد بجهة وتيرة ذات السير.
والمعنى من هذا إنما القول بأن سياسات التحرير وإعادات التقنين (وإلى حد ما الخوصصة) التي طاولت قطاع الإعلام والاتصال إنما ترتبت في جزء كبير منها عن الثورة المشار إليها سابقا، ففتحت في المجال واسعا أمام عمليات الانصهار والاندماج والتحالفات الاستراتيجية التي يتعذر على المرء ضبط آلياتها أو استشراف مآلها زمنا وفي المكان.
بالتالي، فإذا تم التسليم بأن ثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال (شبكات ومضامينا) قد كرست وإلى حد كبير لمبدأ الحق في الاتصال (على الأقل بجانب البلوغ والنفاذ)، فإنه من المسلم به أيضا (بمعاينة العديد من الحالات) أن سياسات التحرير واللاتقنين والخوصصة إنما ضيقت على ذات الحق في الشكل كما في الجوهر.
لا يروم التلميح هنا فقط إلى طغيان البعد الخاص على العام (جراء مسلسلات الخوصصة) ولا إلى استبداد منطق السوق على منطق الدولة والتقنين (نتيجة سياسات التحرير واللاتقنين)، بل وأيضا إلى تراجع البعد السياسي أمام البعد الاقتصادي وسيادة مبدأ التعبير التجاري على حساب البعد المواطناتي (الفردي والجماعي) لدرجة يتعذر على المرء حقا تحديد ما تبقى من قيم ومبادئ الحق في الاتصال.
نحن إذن من هنا (بالدول الكبرى تحديدا حيث تكرس الحق في الاتصال كمنظومة بالنص كما بالممارسة) إنما بإزاء إشكالية كبرى لا يتداخل بصلبها التقني بالاقتصادي بالتجاري بالمؤسساتي فحسب، بل تستنفر الأفراد والجماعات بجهة الدفاع عن حق تضمنه لها الدساتير والمواثيق ولا تطاول أهميته ومركزيته إلا التجاوزات والمزايدات.
لكنه لو كان للمرء أن يسائل ما ورد على ضوء ما يجري بالمغرب وبالمنطقة العربية عموما لاستوجب الأمر منه الوقوف عند ثلاث حقائق كبرى على الأقل:
+ الأولى أن معظم الدول العربية أخذت بشكل المواثيق الدولية (وضمنتها دساتيرها بالصريح أو بالمبطن)، لكنها لم تأخذ بها في المضمون لصياغة منظومة في الحق في الاتصال تكون الأساس والمرجعية للأفراد كما للجماعات.
ومعنى هذا أننا لم نشهد بالمنطقة العربية من أثر لسياسات اتصالية (أو إعلامية) مجمعة في إطار قانون واحد شامل... لتبقى بالتالي بنودا " موزعة بين الدستور والقوانين والأنظمة وقانون العقوبات وقانون المطبوعات والتعليمات الإدارية وغيرها"...وللأمر خلفيات جلية لا مجال للوقوف عندها هنا.
+ الحقيقة الثانية وتكمن في أن معظم الدول العربية أدركت (عن حق أو بالتظاهر) فضائل تكنولوجيا الإعلام والاتصال ودورها في تحريك حرية الفرد والجماعة، لكنها لم تترجم ذات الإدراك على مستوى الممارسة، ممارسة الحق في الاتصال، ليبقى هذا الأخير بالتالي إما رهينة نصوص منافية له، منتقصة من مفعوله أو حبيس نظم تتبنى التضييق كإيديولوجيا والتعتيم كسلوك في الحكامة.
ومعنى هذا أنه ليس من المهم كثيرا سن قوانين في الصحافة أو في الطبع أو لضمان حرية التفكير والتعبير ونشر الرأي، بقدر ما هو مهم أمر تضمين ذلك في منظومة تحدد الفضاء وتحرم على الدولة (أو ما سواها) فرض متاريس تخدمها أو تخدم المصالح الدائرة في فلكها.
+ أما الحقيقة الثالثة فتتمثل (بالدول العربية وبالمغرب تحديدا) في الغاية من سن قانون يضمن الحق في الاتصال والأهداف المرجوة من صياغته إن حسنت النيات جدلا.
بمعنى أن المطلوب ليس فقط تحديد مضامين وأشكال الحق في الاتصال، المطلوب أيضا إسناد ذات الحق بالأدوات التي تدعمه وتعاضده كما هو الحال بالدول الديموقراطية...إذ لا قيمة للاعتراف للفرد أو للجماعة بحق بلوغ الشبكات مثلا إذا لم تكن لهما القدرة على ذات البلوغ أو القابلية لتملكه شكلا كما في الجوهر.
جريدة العلم، 13 أكتوبر 2004