تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

يحيى اليحياوي لجريدة "الجسور": "ليس هناك سياسة إعلامية بالمغرب"

السؤال الأول: كيف تنظرون الأستاذ اليحياوي إلى السياسة الإعلامية بالمغرب؟

يحيى اليحياوي: لست متأكدا من أن ثمة سياسة إعلامية بالمغرب. هناك قوانين وإجراءات ومراسيم ونصوص فيها الجديد وفيها المتقادم، ومصاغة بطريقة ترقيعية وعشوائية، وفي بعض من جوانبها للمزايدة السياسية، أو للتباهي أمام الخارج، أو تحت هذا الضغط أو ذاك.

مفهوم السياسة الإعلامية يستوجب وجود منظومة تشريعية متجانسة، محكومة برؤية، محددة لقواعد اللعبة داخل المشهد الإعلامي، ومتوافق عليها في مكان ما وزمن ما. أي أنها خاضعة للتقييم بأفق التقويم، على اعتبار التحولات التكنولوجية وتطور المجتمع وحركية الثقافة، وتزايد الاتصال والتواصل بالداخل والخارج. وهذه مسائل غير متوفرة بالمرة.

ثم إن السياسة الإعلامية تفترض حدا أدنى من الاستقلالية في تحديد الأولويات والوسائل، وهذا غير متوفر أيضا، لأن الإعلام بالمغرب هو جزء من السلطة، وجزء من المنظومة الرمزية الحاكمة بالشكل وبالمضمون.

إذا كان هناك من يناهض ما أقول، فليخبرني على أساس أية سياسة إعلامية تبث قنوات القطب العمومي، التي تستهتر بأذواق المواطنين لدرجة الاستفزاز؟ وليخبرني عن السر في استنبات قنوات ماسخة على السواتل، وهي لا تصلح حتى للبث الأرضي؟ وليخبرني فوق كل هذا وذاك، عن الجهة التي ترسم هذه السياسة؟

أنا أتساءل وأقول التالي: إذا لم يكن هناك من أثر يذكر لسياسة عامة تحكم البلاد وتوجهها، فكيف لنا بسياسات قطاعية، وضمنها سياسة للإعلام، هي بالأصل جزء من هذه السياسة العامة؟  

السؤال الثاني:  الإعلام سواء المكتوب، أو المسموع، أو المرئي، وغيره... ليس صناعة ثقافية وإعلامية فقط، "وإنما صناعة اقتصادية وأداة حرب وصراع ومنافسة"، على حد تعبيركم، ما موقع إعلامنا بأنواعه من كل هذا؟

يحيى اليحياوي: الإعلام بكل روافده، صناعة قائمة الذات، تتم بداخلها الاستثمارات الضخمة، وتخصص لها الميزانيات، وتقوم عليها مؤسسات، تبتغي تمرير رسالة ما، وبالآن ذاته تحصيل مداخيل. الصناعات الثقافية والإعلامية حقيقة قائمة، لا يمكن أن نزايد على ذلك كثيرا، اللهم إلا من باب المزايدة في المقاربات.

وبقدر ما هي صناعة وثقافة، فهي أيضا عنصر قوة وجلد في أزمنة الحرب كما في أزمنة السلم. والتجارب بهذا الجانب عديدة ولا مجال للتفصيل فيها هنا.

بحالة المغرب، أزعم أن الإعلام لم يتكرس بعد لا كصناعة قائمة الذات، ولا كأداة للمنافسة مع الآخرين. بهذا الجانب، أتصور أن الإعلام لا يزال ينظر إليه من زاوية كونه أداة للتنميط، توظفه الدولة لتمرير منظومتها بطريقة عمودية، أبوية، ولا منسوب للتفاعلية بصلبها. ثم أن الدولة بالمغرب لم تراهن كثيرا على الإعلام، بقدر ما تعاملت معه على أساس كونه نقيضا أو منافسا، أو في أحسن الأحوال ندا عنيدا محتملا، وهكذا.

كيف نريد لإعلام مرتهن، مندغم في منظومة السلطة، غير مستقل، محكوم بخطوط حمر، كيف نريده أن يكون أداة تحول أو انتقال ديموقراطي، فما بالك أن يكون عنصر منافسة بالداخل والخارج؟

 السؤال الثالث:  تعددت المتابعات في حق الصحافة المكتوبة، آخرها الحكم ب 600 مليون سنتيم على "المساء"، كيف تنتظرون كباحث في مجال الإعلام والاتصال إلى مثل هذه المتابعات؟

يحيى اليحياوي: أنا لا أتصور هذه المتابعات خارج نطاق تصفية الحساب مع الصحافة، من لدن متنفذين ولوبيات وأصحاب مصالح كبرى، بدأت الصحافة تقض مضجعهم وتفضح سلوكاتهم، وتعري على ما هم قائمون عليه. وحالة المساء ولوجورنال والصحيفة وغيرها جزء من هذا التصور، تصور وأد بروز صحافة تحقيق ورأي تكون لا أقول سلطة رابعة، بل على الأقل سلطة مضادة بوجه من الوجوه.

من جهة أخرى، فإن حذف البنود السالبة للحريات وتعويضها ببنود سالبة للأرزاق، ليس من شأنه فقط وأد الصحافة المتجرئة، بل وأيضا فرض نمط في الرقابة ذاتي وقاتل. القضاء، بهذه النقطة، لم يعد حكما، بل بات خصما بكل المقاييس. عندما نعلم أن القضاء بالمغرب فاسد وظالم ومرتشي، تتبين الصورة بجلاء.

السؤال الرابع:  من بين التوصيات التي جاءت بها هيئة الإنصاف والمصالحة، سن قانون لبلوغ المعلومة، الشيء الذي لم يحصل لحد الآن، ما رأيكم؟

يحيى اليحياوي: أنا كنت من المطالبين الأوائل بسن هذا القانون، وقد كتبت حول هذا الأمر العديد من المقالات والأبحاث، وهي متوفرة بموقعي على الإنترنيت.

قانون البلوغ للمعلومات، وهو معتمد بالعديد من دول العالم حتى المتخلف منه، يضمن للصحفي كما للباحث، بلوغ الأرشيفات وبنوك وقواعد المعطيات، بغرض الارتكاز عليها لفتح ملف، أو التدقيق في خبر، أو الإفادة من معلومات متوفرة لدى جهاز من أجهزة الدولة لهذا الغرض أو ذاك.

اعتماد هذا القانون من شأنه الحيلولة دونما استمرار سيادة الإشاعة، والبناء على المعلومة الموثقة التي لا مجال بخصوصها للتأويل أو الاجتهاد.

يبدو لي، بهذه النقطة، بأن الدولة لا تتوفر على العزيمة السياسية لاعتماد هذا القانون، لربما لأنه قد يكشف عن فظاعات لا يعرف منها المغاربة شيئا، أو الشيء القليل. أنا أتصور أن سن هذا القانون هو باروميطر حقيقي للديموقراطية، وطالما لم يتوفر، فإننا بدولة غير ديموقراطية وبكل المقاييس.

* "يحيى اليحياوي لجريدة الجسور: ليس هناك سياسة إعلامية بالمغرب"، جريدة الجسور، 19 دجنبر 2008.

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال