ليس ثمة مدخل واحد وحيد، بالإمكان الارتكان إليه لتقييم الحوصلة الإعلامية للعشر سنوات الأولى لحكم الملك محمد السادس، إذ المجال واسع، والفترة المغطاة طويلة نسبيا، وطبيعة القطاع مركبة، على الأقل من زاوية كونه يحيل على الصورة وعلى المعلومة وعلى الثقافة، أعني يحيل على ثلاثية الإخبار والترفيه والتثقيف.
لكنه لو أردنا أن نختزل الإشكال في بعض ملاحظات عابرة مؤقتة، لقلنا بداية بأنه كانت هناك حقيقة، طيلة العشر سنوات الماضية، حركية مؤسساتية وتشريعية لا بأس بها، طاولت احتكار الدولة للقطاع، فسحت في مجال سعة السوق، سيما بزاوية المحطات الإذاعية الجديدة، وكذلك بزاوية اعتماد البث الفضائي بالنسبة للتلفزة. بجانب البعد الأدواتي الصرف، يبدو أن خيار ركوب موجة الثورة التكنولوجية كان قائما ومعتمدا، وبكل الأحوال كان معطى ضاغطا، لا يمكن التجاوز عليه.
ثم عرفت هذه السنوات العشر، في بداياتها الأولى، خلق الهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري، وتحولها التدريجي إلى مستوى لتقنين القطاع، والبث في التجاوزات التي قد تعتري هذا الأداء أو ذاك. الفكرة هنا أساسية، إذ بانصراف مد الاحتكار نسبيا، تتأتى الحاجة لهيئات من هذا القبيل لتنظيم المنافسة، وضبط مجال الفاعلين، وتحديد قواعد اللعبة فيما بينهم بالسوق.
إلى جانب ذلك تحولت مؤسسة الإذاعة والتلفزة إلى شركة مجهولة الإسم، تقوم على قطب عمومي يضم القناتين معا، ويضم أيضا ما يبث عبر السواتل، من رابعة ورياضية ودينية وغيرها.
بهذه الجوانب، يبدو أن الحوصلة إيجابية إلى حد ما، سيما بزاوية خلق المناخ العام، وكذا إقامة الوعاء التقني، الذي من المفروض أن يؤسس البنية التحتية لذلك. لكن بجانب المضامين وطبيعة الأداء وثقافة القرب وما سوى ذلك، تبقى الحوصلة دون المستوى المطلوب، إما بسبب استمرار ارتباط المجال بالدولة، أو بحكم غياب السياسة الإعلامية التي من شأنها ضمان مخرجات من طينة جيدة، أو بحكم سيادة منطق الرداءة الذي لازم الفعل الإعلامي عموما، والعمل التلفزيوني على وجه التحديد.
جانب التأطير التشريعي والتنظيمي كان النقطة الأساس لذات الحوصلة إذن. إلا أن الملاحظ أن هذه الحوصلة قد حملت بصلبها العديد من العناصر السلبية، التي طبعت العملية في شكلها كما في مضمونها، كما في الآليات المصاحبة لها.
لو أخذنا الظهير المنشئ للهيئة العليا للاتصال السمعي/البصري مثلا، يبدو أنها في طبيعتها، كما في وظيفتها، كما في صفة الأعضاء المكونين لمديريتها العامة، كما لمجلسها في السمعي/البصري، يبدو أنها مؤسسة غير مستقلة، بل مرتبطة إما مباشرة بالقصر بجهة التعيينات والتمويل، أو بالحكومة بالطابع الاستشاري الذي يحكمها.
صحيح أن هذه الهيئة قد صرفت العديد من القرارات، وبثت في العديد من القضايا، لكنها كانت قرارات هامشية وغير ذات قيمة كبرى، بالقياس إلى القرارات الاستراتيجية التي لم تستطيع الحسم فيها، ولا الاقتراب منها حتى، بدليل نأيها بنفسها عن الترخيص لبعض المشاريع التلفزية، كونها لم تتسلم الضوء الأخضر من الجهات العليا، وقدمت تبريرا يثير الغرابة والاستفهام.
بالتالي، فالمطلوب هنا إنما تحويل هذه المؤسسة إلى مؤسسة مستقلة ماديا، ذات صفة معنوية معتبرة، وتكون قراراتها نافذة، غير مقيدة بقرار من فوق، أو بحسابات خارجة عن المجال.
ثم إن طبيعة أعضائها في الطبعة الأولى تثير التحفظ بقوة، إذ ثمة من بين أعضاء المجلس الأعلى من لا علاقة له بالمرة بالتلفزة أو بالإذاعة، فما بالك بالقدرة على تنظيم مجالهما، أو البث في المعروض من طلبات ترخيص.
لو تجاوزنا على هذه الجزئية، جزئية طبيعة ووظيفة الهيئة، ونظرنا في المضامين التلفزية والإذاعية، الممرر لها طيلة هذه العشر سنوات، لكانت العناوين كما التالي: سيادة لغة الخشب في جانب الإخبار، غياب القيمة الإضافية في الترفيه والتثقيف، والدوران حول ثقافة الميوعة والاستهتار بالذوق العام. بمعنى أن التلفزة مثلا، لم تستطع استنبات أخبار تشبع حاجة المغاربة، ولم تستطع خلق مجال للإبداع الفني والثقافي، يغني المغاربة عن البحث في الفضائيات الأجنبية، ولم تعر كبير اهتمام لمنطق القرب، الذي لا قيمة تذكر بغيابه لأي عمل تلفزيوني جاد.
التلفزة والإذاعة بالمغرب، الأرضي منها كما على مستوى القنوات الفضائية الماسخة، لا تحتكم للمصداقية والجدية، ولا تخضع لتطلعات الجمهور، ولا معرفة لديها بما هو ارتقاء بالذوق العام. في كل ذلك مقتل للمضامين، وتركيز على التفاهة والميوعة وتدمير الذوق العام. لذلك، قلنا ولا نزال نقول، بأن مجالنا السمعي/البصري لا يستحقنا، ولا نحن بقادرين على تبنيه أو الدفاع عنه.
بالتالي، فقد نسلم بوجود قفزة بالمجال الإعلامي بجهة العدد، عدد المحطات الإذاعية، وعدد "القنوات التلفزية" الماسخة الباثة عبر السواتل، على اعتبار أنها نسخة مكررة لما يمرر بالبث الأرضي. وقد تكون ذات القفزة، وإن على مستوى الشكل، قائمة بالقياس إلى وجود هيئة مختصة، عوض وزارة في الاتصال بيروقراطية، قد لا تدرك جيدا رهانات القطاع، وتبعات ما يعتمل بداخله.
بهذه الجزئيات قد نسلم بقفزة من نوع ما. خارج كل ذلك، أعني بمقياس جودة المضامين والمحتويات، فالوضعية سيئة للغاية، إذا لم نقل كارثية، ليس فقط بالاحتكام إلى ما يقدم بالشبكات العالمية الكبرى، أو بالاحتكام إلى أداء بعض البلدان المشابهة لنا، ولكن أيضا بالقياس إلى ما كانت عليه الإذاعة والتلفزة بالبدايات الأولى، حيث كانت الجدية والمصداقية قائمتين. بزاوية المضامين والمحتويات والقيمة المضافة إذن، فإن الحصيلة تبدو لنا، مرة أخرى، سيئة للغاية ودون الحد الأدنى من المستوى المطلوب.
إذا لم يكن الأمر كذلك، فكيف نفسر استمرار شبكة في الأخبار لا تزال تلوك لغة الخشب، وتمرر للكذب ولي عنق الحقائق بالأخبار الداخلية، كما بالعديد من القضايا الدولية؟ ثم إذا لم يكن الأمر كذلك، فكيف نستسيغ مستوى للأخبار بدون مراسلين، إذا لم يكن بكل بقاع العالم، فعلى الأقل بالعواصم الكبرى، التي تصنع الأحداث، وتوجه القرارات الكبرى لحال العالم ومآله؟
ثم كيف نفهم فما باك أن نتفهم، ضعف ورداءة الإنتاجات الوطنية، وتراجع منسوب اللغة العربية لفائدة لغة فرنسية تدفع بالفرنكفونية الفجة، وأيضا لفائدة دارجة ماسخة، ليست بالمرة من صلب الدارجة الجميلة التي عهدناها بالملحون وبالأغاني الجادة لفترة الستينات والسبعينات؟ ثم كيف الاستمرار في إنتاج التفاهة والرداءة والميوعة كلما حل شهر رمضان، حيث تمنح الأموال للوجوه الفاشلة، والأدوار المقززة وقس على ذلك؟
إننا نعتقد أن العبرة بالمجال الإعلامي محكها المضامين، لا الأدوات، وأن مضمونا جيدا بقناة جيدة، أفضل بكثير من مضامين تافهة بقنوات ماسخة متعددة. ونعتقد أيضا بأن التأطير القانوني ضروري في مجال كالمجال السمعي/البصري، لكنه غير كاف لإفراز قيم مضافة، ترفع من الوعي العام، وترقى بالذوق العام، وتسمو بالفرد للأعلى لا تجره للأسفل.
ليست سياسة القرب شعارا انتخابيا، أو مادة للمزايدة من هنا أو هناك، إنها معطى بالاحتكام إليه يتحدد مستوى المصداقية في الأداء السمعي والبصري، وبالارتكاز عليه تتحدد الطبيعة المواطناتية لهذا المنبر الإعلامي أو ذاك.
إن سياسة القرب تتحدد بمنسوب ما يعكس من واقع حال سائد، وبمستوى ما يقدم من برامج تهم المواطن في معاشه اليومي. ثم هي سياسة المفروض فيها أن تقدم زاويتي الترفيه والثقافة بما يرفع من درجة الوعي العام، ويدفع بجهة الرقي بذوق الجماهير.
ثم إن سياسة القرب لا تتماهى دائما مع القول بأن الجمهور يريد كذا وكذا، في تلميح إلى سهرات الميوعة والرداءة التي تقدم، أو المسابقات التافهة التي تعلن، بل تتماهى ويجب أن تتماهى مع تصور عام، ورؤية قائمة، هدفها إرضاء المشاهد، وعكس الواقع المعتمل من بين ظهرانيه، بإيجابياته كما بسلبياته.
بهذه الزوايا المحددة، وبهذه الزوايا فقط، يبدو أن حوصلة العشر سنوات الأولى من حكم الملك محمد السادس، هي حوصلة سلبية بأكثر من جانب، ودون المستوى المطلوب أيضا بأكثر من جانب. لو أضفنا لذلك تراجع الحريات الإعلامية التي صنفتنا المنظمات الدولية بالمؤخرة بمقياسها، لاتضحت الانتكاسة أكثر وأكثر.
* "عن العشرية الإعلامية الأولى لحكم محمد السادس"، التحالف الوطني العراقي، 30 يوليوز 2009. شبكة الرافدين، 30 يوليوز 2009. التجديد العربي، 30 يوليوز 2009. موقع وكالة أنباء الرابطة، وار، 5 يوليوز 2009.