تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"في الرأسمالية المعلوماتية"

news-details

على النقيض من "أشكال" الرأسماليات السابقة (التجارية أو الصناعية أو المرتكزة على الخدمات أو على غيرها) فإن الرأسمالية المعلوماتية (وفي صلبها الاقتصاد المعلوماتي) قد نشأت إذا لم تكن معولمة الطبيعة، فعلى الأقل ذات توجه عميق ومتزايد إلى العولمة والكونية.

والقول بهذا إنما يوازي القول بأن نهاية القرن العشرين تزامنت وانبعاث اقتصاد عالمي جديد "قادر على العمل كوحدة قائمة في زمن واقعي وعلى المستوى الكوني".

والمقصود هنا هو القول بأنه "إذا كان نمط الإنتاج الرأسمالي يتميز بالتطور المتصاعد ويعمل دون عناء للدفع بحدود الزمن والمكان، فإنه منذ نهاية القرن العشرين فقط، أصبح الاقتصاد العالمي قادرا على أن يصبح كونيا بفضل البنية الجديدة التي وفرتها تكنولوجيا الإعلام والاتصال. هذه الكونية تهم المسلسل وتهم العناصر المركزية للنظام الاقتصادي".

هناك، فيما نتصور، ثلاثة مجالات كبرى على الأقل تبين بجلاء توجه الاقتصاد العالمي بجهة الكونية مستوظفا في ذلك معظم ما استجد من تكنولوجيا المعلومات والإعلام والاتصال:

+ المجال الأول ويتعلق بحركية رأس المال، إذ لأول مرة في التاريخ يتحرك رأس المال بالأسواق المالية العالمية ليل نهار، في وقت آني غير مسبوق من ذي قبل ودونما إمكانية لممارسة الرقابة عليه.

ومعنى هذا أن مئات ملايير الدولارات أضحت تتنقل عبر الشبكات الألكترونية في ظرف ثوان معدودات بالعالم أجمع: "إن التكنولوجيا الجديدة تمكن المال من الحركة بطريقة شبه آنية بين الدول، (بالتالي) فالرساميل ومن خلالها التوفير والاستثمار، مرتبطة بعضها البعض على المستوى العالمي بصناديق الائتمان مرورا بالبورصات وعمليات الصرف". ومعناه أيضا أن تيارات الرساميل أصبحت في الآن معا، كونية ومستقلة بالقياس إلى النتائج الواقعية للاقتصاديات الوطنية.

+ أما المجال الثاني فيرتبط بأسواق العمل والتي أضحت كونية بدورها بحكم "كونية المورد البشري" جراء ثلاثة عوامل كبرى: أولا " لأن المقاولات أصبح بمقدورها اختيار فضاء اشتغالها على المستوى الكوني بغرض بلوغ اليد العاملة التي هي في حاجة إليها أو التي تتوفر فيها الكفاءات أو انخفاض التكلفة أو سلاسة النظام الاجتماعي. (ثانيا) لأنه بمقدورها استقطاب اليد العاملة ذات التكوين العالي حيثما كانت شريطة أن توفر لها الشروط المادية وظروف العمل المناسبة، و(ثالثا) لأن اليد العاملة بإمكانها الالتحاق طواعية بأي سوق نتيجة الفقر والحروب أو بحثا عن ظروف عيش أفضل لها ولأبنائها".

+ المجال الثالث ويطال العلم والتكنولوجيا والمعلومات التي غذت بدورها منظمة على شكل تيارات كونية على الرغم من كون ذلك يبقى بصورة ممركزة.

فعلى الرغم من أن "ملكية المعلومات التكنولوجية تمكن امتيازات تنافسية كبرى، وعلى الرغم من تمركز أغلب مراكز البحث والتطوير ببعض المناطق والمؤسسات والمقاولات...فإن خصائص المعرفة الإنتاجية الجديدة تشجع على تداولها".

بالتالي، ففي ظل " شبكة كونية من التداخلات فإن إشاعة المعرفة من شأنه أن يبقي صاحبها على علم "بما يروج في عالم الاختراع العلمي والإبداع التكنولوجي وما يترتب عنهما من تطبيقات".

الملاحظ إذن بمحصلة هذه النماذج الثلاثة، أن "الاقتصاد العالمي الجديد" الفاسح في المجال للرأسمالية الجديدة (الرأسمالية المعلوماتية) ما كان له أن ينبعث ويتكرس وقعا وواقعا لولا الثورة التكنولوجية التي طالت معظم مكوناته منذ ثمانينات القرن الماضي مؤسسة لما يصطلح روبرت رايش على تسميته ب "الشبكة الكونية" لتوصيف واقع الإنتاج والتوزيع الجديد.

والشبكة الكونية التي يقصدها الكاتب في هذا الباب لا تعني فقط وجود سلع وخدمات صممت وصنعت وجمعت بأماكن مختلفة من العالم من لدن مقاولات مختلفة لتلبية طلبات أسواق مختلفة ووفق نظم إنتاج وتصنيع مختلفة، بل وتعني أيضا هذا النظام الإنتاجي "الجديد" المرتكز على مزيج من التحالفات الاستراتيجية ومشاريع التعاون المحددة بين الشركات والوحدات غير الممركزة لشركات كبرى وشبكات من المقاولات الصغيرة والمتوسطة مرتبطة فيما بينها وبين الشركات الكبرى وشبكات الشركات".

نحن هنا إذن بإزاء بنية صناعية وتكنولوجية وتجارية تغطي أو تكاد، من وجهة النظر الترابية، العالم بأكمله وفضاؤها (فضاء البنية أعني) في تحول مستمر في شكله العام كما على مستوى كل وحدة بداخله، لدرجة يسهل معها التأقلم ولا تتعذر سبل المراجعة أو التحديد.

والتركيز هنا على وجهة النظر الترابية لا يعني أن الشركات الكبرى، زمن العولمة، قد أفرغت المجالات الوطنية من محتوياتها، بل عملت وتعمل على ربطها في إطار شبكات كونية تنصهر ذات المجالات في صلبها انصهارا.

يقول بيير فيلتز: إن العولمة "هي مشروع يهدف إلى تشغيل مندمج لمجموعات متعددة الأقطاب، متزايدة التعقيد". وهو ما لا يعني فصمها عن قاعدتها الترابية بل تسييرها مجتمعة حتى في تباينها وتباين فضائها.

لن يكون هناك مجال للجدل كبير لو اعتبرنا (امتدادا لما يتوفر من أبحاث ودراسات) أن بنية وحركية الاقتصاد الكوني الجديد، الباني للرأسمالية المعلوماتية، إنما نشأت من تفاعلية عميقة بين تقدم متزايد في المنظومة المعلوماتية وبين عمليات إعادة الهيكلة المستمرة لنمط الإنتاج الرأسمالي.

بالتالي فواقع الحال القائم إنما يبرز وبقوة أننا لسنا بإزاء اقتصاد كوني مندمج ومتكامل بقدر ما نحن إزاء نموذج في التوزيع العالمي للعمل جديد.

فبنية الاقتصاد العالمي تبقى مهيكلة حول ثلاثة أقطاب كبرى كثيفة الإنتاج، غنية ومتخمة بالمعلومات والمعارف... ومناطق من العالم شاسعة سمتها الأساس فقرها وتدني قيمتها الاقتصادية والإقصاء المتزايد لأفرادها وجماعاتها.

لا تتمثل التباينات الكبيرة هنا في ميادين العلم والتكنولوجيا والمعلومات والمعرفة، بل وأيضا على مستوى تعذر انطلاق مسلسلات التنمية الاقتصادية بالجزء الجنوبي من الكرة الأرضية. وهو ما يجعل هذه المناطق والجهات عصية على "الاندماج في حركية الاقتصاد الكوني" أو التطلع إلى بلوغ مقومات الرأسمالية المعلوماتية في شكلها وفي المضمون.

وهو أيضا ما يجعل نموذج التوزيع العالمي الجديد للعمل متمفصلا، كما كان عليه الحال في مراحل الرأسماليات السابقة، حول تموقع كل جهة من الجهات من "الاقتصاد المعلوماتي الكوني" قياسا إلى المراكز القائمة: منتجو سلع ذات قيمة مضافة عالية مرتكزة على العمل المعلوماتي، منتجو سلع أقل تطورا يلجأون إلى اليد العاملة الرخيصة، منتجو مواد أولية مرتكزة على الثروات الطبيعية و"منتجون" لا قيمة تذكر لما " ينتجون" لأنهم يلجأون في ذلك إلى "العمل غير المجدي".

من الوارد أن يكون التصنيف إياه غير متطابق في المطلق وواقع العديد من البلدان داخل هذه الجهة أو تلك، ومن الوارد أيضا التسليم بأن للعديد من الدول قطاعات ومجالات مندمجة دون سواها في الاقتصاد الكوني، لكن السائد بصرف النظر عن كل ذلك أن الحركية داخل الموقع الواحد أو بين المواقع متعذرة وفي أحسن الأحوال شديدة البطء.

قد يكون جزء من كل موقع مخترقا لبنية الاقتصاد الكوني (سيما ثلاثيته الغنية والمتقدمة)، لكن نسبة ذلك تبقى أقرب للاستثناء منه إلى القاعدة.

من شبه المؤكد إذن أن واقع العديد من دول وجهات ومناطق العالم ستبقى في ظل الاقتصاد "الكوني" المتقدم عرضة للتهميش والإقصاء ليس فقط جراء عدم قدرتها (أو قابليتها يقول البعض) على "الاندماج" في ذات الاقتصاد أو التموقع بداخله (تماما أو عبر قطاعات معينة)، ولكن أيضا لأن طبيعة الرأسمالية (حتى وإن كانت معلوماتية و"كونية") تبقى رهينة لمنطقها الداخلي القار: منطق التمركز الاحتكاري "الذي يعيق الاشتغال السليم لآليات التنمية الاقتصادية والتكنولوجية ويقود إلى تدبير مالي خالص للموارد العلمية والتكنولوجية والثقافية...مصحوبة بالعديد من العواقب الوخيمة".

وهو ما لا يمكن أن تحول الرأسمالية المعلوماتية دون جر ذيوله في شكلها كما في جوهرها كما في التبعات.

 * "في الرأسمالية المعلومانية"، جريدة العلم، 8 يونيو 2004. موقع الجاوب. جريدة الشرق، قطر، 7 يونيو 2005.

 

 

 

 

 

 

 

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال