1- أريد أن أوضح أولا أنه بصرف النظر عن موقفنا من هذا التقرير (الثاني في سلسلة التقارير عن المنطقة العربية كما يسميها التقرير)...أقول إني أريد أن أوضح أننا حقا بإزاء جرد جيد لواقع حال المنطقة وبإزاء عمل توثيقي كبير لمجموعة من القضايا والإشكالات الكبرى بما في ذلك مكامن الخلل وهي عديدة ومتشعبة بالتقرير الأول كما بالثاني.
وأستطيع أن أقول، من زاوية أخرى، إن التقرير حقا نجح وإلى حد بعيد ربما في تحريك بعض من المياه الراكدة وساهم في إزعاج أكثر من جهة ولربما خلط أوراق العديد من الجهات وهذا أمر مهم في حد ذاته. هذا أمر لا اختلاف حوله كبير بقدر الاختلاف حول الخلفيات التي حكمته في التصور والمنهجية ولربما الاستنتاجات أيضا:
+ فالتقرير صيغ واختير القائمون عليه وفق دفتر تحملات محدد وضع السياق العام، حدد الخطوط الكبرى (حتى الحمر منها) وأقام السقف الأعلى للاجتهادات في التحليل وللجرأة في الاستشراف (وهو لربما ما دفع بعض كتاب الأوراق الخلفية يحتجون على إدراج إسمهم بالتقرير في الوقت الذي لم تؤخذ أوراقهم بعين الاعتبار كما هو الحال مع طارق البشري تحديدا).
بالتالي فكون التقرير قد صيغ تحت الطلب، من لدن منظمة دولية (تؤدي الدول العربية لها جزءا من ميزانيتها) وبأدوات تحليلية ومنهج محدد...هذه الأمور تثير بعض التساؤل والشك ولنقل التشكيك في الخلفيات.
+ ثانيا، باستثناء بعض الأسماء الوازنة (نادر فرجاني، أنطوان زحلان وبعض الأسماء الأخرى القليلة) فإن البقية الباقية هي إما نكرة أو لا علاقة لها بموضوع هذا التقرير...وهو موضوع تقني بكل المقاييس على الأقل قياسا إلى ما يروج من أدبيات حول ذلك بالغرب...وهو أمر قد لا يتم الجدال حوله كثيرا.
+ الأمر الثالث الذي يذكي بعضا من النقد هو الطبيعة التمطيطية للعديد من الفصول والأقسام دونما مسوغ كبير سيما فيما يتعلق بالتراث أو الدين أو غيرهما...ثم هو كل شيء (من التراث إلى الإنترنيت العالي الصبيب) ولا شيء في الآن ذاته على اعتبار أن ما تعرض له التقرير معروف ومتداول ومكامن الخلل معروفة وهكذا.
إلى جانب هذه الملاحظات العامة على التقرير في خلفياته، هناك أيضا العديد من الملاحظات التي يمكن للمرء إبداءها على شكله كما على مضمونه كما على العديد من جوانب القصور الأخرى...لن أتحدث فيها هنا لأن الإخوة المنظمين طلبوا مني الحديث عن وفي مكامن خلل منظومة البحث العلمي والإبداع التكنولوجي (أو التطوير التقاني كما يسميها التقرير).
2- التقرير تحدث عن هذا الجانب في أكثر من مكان، لكنه أفرد له فصلين كاملين (الفصل الثالث عن "إنتاج المعرفة في البلدان العربية" من الصفحة 69 إلى الصفحة 73 والفصل الخامس عن "السياق التنظيمي لاكتساب المعرفة من الصفحة 97 إلى الصفحة 108) مع معاودة التأكيد عليه فيما أسماه بالفصل التاسع "رؤية استراتيجية لأركان مجتمع المعرفة" والتي طالب ضمنها بضرورة "توطين العلم وبناء قدرة ذاتية في البحث والتطوير التقاني في جميع الأنشطة المجتمعية"...إلى جانب الأربعة أركان الأخرى التي لا تدخل في صلب هذه المداخلة.
2-1- ماذا يقول التقرير في فصله الثالث؟
يقول باختصار شديد للذين لم يطلعوا عليه:
+ أولا: أن نواتج البحث العلمي والتطوير التقاني بالمنطقة العربية متدنية إلى حد كبير ولم تعرف النمو الذي عرفته دول في ذات مستوى التنمية مع دول هذه المنطقة:إذ بلغت سنة 1995 المنشورات العلمية لكل مليون مواطن في الصين 11 ضعفا مما كانت عليه سنة 1981، 24 ضعفا لكوريا الجنوبية...2،4 ضعفا فقط بالنسبة للدول العربية مع العلم أن معظم البحوث العلمية تبقى تطبيقية (بالطب، بالزراعة، بالصحة، بعلوم الحياة...) بنسبة 90 إلى 95 بالمائة بما معناه أن جانب البحوث الأساسية يبقى ضعيفا للغاية. وبراءات الاختراع المسجلة بالولايات المتحدة الأمريكية لا تحصل ضمنها مصر إلا على 77 براءة (170 للسعودية) في حين تصل 16328 لكوريا و7652 لإسرائيل. بالمحصلة فنواتج البحث العلمي متدنية إلى حد كبير.
+ ثانيا: مدخلات البحث والتطوير التقاني. ماذا يلاحظ التقرير؟
يلاحظ قلة نسبة الملتحقين بالفروع العلمية بالجامعات في الدول العربية: 20 بالمائة لكوريا الجنوبية مقابل 2 بالمائة لمصر، 3 بالمائة للمغرب وتونس وهكذا.
يلاحظ أن عدد العلماء والمهندسين العاملين بالبحث والتطوير (لكل مليون من السكان) في الفترة من 1990 إلى 2000 لا يصل 500 عالم ومهندس في حين يصل الحجم إلى 4000 بأمريكا الشمالية وأكثر من 3000 بأوروبا.
+ ثالثا: الإنفاق على البحث والتطوير بالمنطقة العربيةلا يتجاوز 0،2 بالمائة من الناتج القومي، 90 بالمائة منه حكومية...3 بالمائة فقط تأتي من قطاعات الإنتاج (تبلغ هذه النسبة 50 بالمائة بالدول المتقدمة)...90 بالمائة من هذه ال90 بالمائة الحكومية تذهب لتغطية رواتب العاملين... ناهيك عن العدد المحدود لمراكز البحوث وضعف الميزانية المخصصة لها.
2-2- في فصول أخرى يتحدث التقرير عن مجموعة من السياقات لعل "السياق التنظيمي لاكتساب المعرفة (الفصل الخامس) هو الذي يدخل في صلب هذه المداخلة مباشرة. عم يتحدث هذا الفصل؟
+ أولا "نسق الابتكار والتقانة" على اعتبار أن الابتكار هو القدرة على "إدارة المعرفة على نحو خلاق استجابة لمتطلبات الأسواق وحاجات المجتمع".
عبارة "النسق" هنا يروم التقرير من خلالها إيضاح أن إنتاج ونشر وتوزيع المعرفة تعتمد على أداء المؤسسات ومراكز البحوث بل وأيضا على نسقية تواصلها ودرجة تفاعل بعضها البعض. لا يحدد التقرير مكامن الخلل هنا بل يطرح السؤال بالصفحة 98 : "أين البلدان العربية من مثل منظومة الابتكار هذه ودورها الحيوي في اقتصاد المعرفة؟".
+ ثانيا: يتحدث التقرير عن "نقل التقانة وإدارتها وتوطينها في الوطن العربي" ويعتبر أن معظم دول المنطقة العربية ارتكنت إلى سياسات "النقل التكنولوجي" ولم تعمد للسيطرة عليها أو توطينها...مما أفرز ما أسماه التقرير بالصفحة 99 ب"اتساع الفجوة التقانية بين البلدان العربية والدول الصناعية"...وتردي البنى الأساسية بدليل يقول التقرير، عطفا على دراسات لأنطوان زحلان، أنه ما بين 1980 و 1997 استثمر العرب ما يناهز 2500 مليار دولار في تكوين رأس المال الثابت الإجمالي، لكن متوسط الناتج المحلي الإجمالي للفرد انخفض خلال هذه الفترة.
+ ثالثا: يعتبر التقرير أن غياب الروابط التنظيمية لترويج نواتج البحث العلمي إنما سببه ضعف دور المؤسسات الوسيطة والمنظم الإبداعي وكذا حاضنات التقانة...وهو أمر يبذر الجهد والمال.
+ رابعا: الاستثمار الأجنبي. يشير التقرير بهذا الخصوص أن الدول العربية لم تنجح في استقطاب الاستثمارات الأجنبية بدليل أنه ولا دولة عربية واحدة توجد ضمن الدول النامية العشر الأكثر جذبا للاستثمار اللهم إلا يقول التقرير ال 2،1 مليار دولار التي درتها خوصصة جزء من رأسمال الفاعل الأساسي بالاتصالات في المغرب.
+ خامسا: يؤكد التقرير على ضرورة تحديد دور الدولة وصياغة سياسات العلوم والتقانة يكون بإمكانها توظيف التقانة المنقولة مع العمل على دعم مصادر تمويل البحث والتطوير عبر إنشاء صناديق عربية متخصصة قطرية وقومية...الخ.
2-3- في الفصل التاسع يتحدث التقرير عن "رؤية استراتيجية" من خمسة أضلع ضمنها مطالبته بضرورة "توطين العلم وبناء قدرة ذاتية في البحث والتطوير التقاني في جميع الأنشطة المجتمعية" ويقول بالصفحة 169 بأن "المطلوب هو نسق عربي للابتكار يتمركز قطريا متخللا النسيج المجتمعي بالكامل، تكمله امتدادات عربية ودولية قوية".
هذه باختصار شديد هي المفاصل الكبرى للفصول المرتبطة بجانب البحث والتطوير بهذا التقرير. وهي مكامن الخلل التي أحصاها التقرير.
3- بالتالي، فلما كان التقرير كثيفا ومتشعبا بهذا الجانب، فإن تقييمه بدقة يتطلب بعض الوقت وهو ما سأفرده له في الصيغة النهائية لهذه الورقة.
بالمقابل، أعتقد أنه لو تسنى للمرء الوقوف عند بعض نقط القصور في التقرير بخصوص هذا الجانب لوقف إجمالا عند مجموعة نقط كبرى سأسردها هنا دونما إعمال لمبدأ التمييز بين الشكل والمضمون:
+ أول نقطة (أول ملاحظة) تتعلق بالزعم (زعمي الخاص على الأقل) بأن التقرير لم يأت بجديد اللهم إلا جهد التوثيق وجمع الإحصاءات وتوظيفها...سوى ذلك فواقع الحال معروف وحال الجامعة و"مؤسسات البحث والتطوير" معروف وكذا ظروف اشتغال الباحثين وكذا دور الدولة وتقصير سياساتها وهكذا.
المفارقة هو أن التقرير، على الرغم من الحوصلة السوداوية لواقع الحال، يستعمل عبارة "نحو" في العنوان. أنا صراحة لم أعرف الاتجاه المقصود. ناهيك عن خطاب الينبغيات الذي نلمسه بهذا الجانب كما بكل التقرير.
+ ثاني ملاحظة:هناك ضبابية في تحديد مصطلح المعرفة لا يدري المرء معها هل هي المعلومة أم الفكر أم التراث أم الثقافة أم العلم أم ما سواها.
لا نعرف بالتالي أن تبدأ المعرفة وأين تنتهي؟ هل لها فضاء قائم أم هي تجاوز لكل الفضاءات؟ هل الشعر والرواية وما سواهما لهما نفس الحمولة المعرفية قياسا إلى الأبحاث العلمية والتطويرات التكنولوجية؟ هل البحث في التراث بنفس القيمة كالبحث في الفيزياء النووية وقس على ذلك؟ هذه إشكالات حقيقية فيما أعتقد لكنها لا تبرز جليا بالتقرير في سياق بناء "مجتمع المعرفة".
+ النقطة الثالثة وتكمن في التساؤل: هل من المجدي حقا بداية هذا القرن إقامة بنى للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي ليس فقط لأنها غاية في الكلفة ومستهلكة لأجيال من الزمن وليس فقط لأن سبق الغرب أضحى مستحيل البلوغ ولكن بالأساس لأن مخرجات هذا البحث والتطوير غالبا ما تعرض بالسوق وتغدو بالنهاية ملكا عاما للبشرية؟
ما الفائدة إذن من تضياع الوقت والجهد والمال في عملية غير مضمونة النتائج ومرهقة التكاليف..؟ هذه معادلة خطيرة لم يجب عنها التقرير ولم يطرحها حتى: ما الفائدة من البدء من الصفر لو كان بالإمكان "حرق المراحل"؟
+ النقطة الرابعة وهي امتداد للثالثة: يتحدث التقرير عن توطين للعلم ولا يقول كيف، ويتحدث عن بناء قدرة ذاتية ويبقى على مستوى الينبغيات.
أنا أتساءل: كيف يمكن المزاوجة بين هذين المستويين في ظل العولمة وتزايد هيمنة الشركات المتعددة الجنسيات وعدم السماح لأية دولة بإقامة بنى تحتية للبحث والتطوير (مفاعل تموز العراقي وما جرى للبلد بعد ذلك من تخريب وتدمير).
هذا يشي في اعتقادي بأحد من أمرين:
- إما أن التقرير استبعد هذا الجانب لحساسيته
- وإما أنه لم يستطع ضبط جدلية الخارجي والداخلي بدقة فبقي على مستوى الطرح في حين أن المطلوب منه كان الحل أو بعضا من بوادر الحل.
+ النقطة الخامسة: أنا حقيقة لم أستطع معرفة لمن هو موجه التقرير: هل هو موجه للاستهلاك العام؟ أم للنخب المثقفة؟ أم للنخب الحاكمة؟ لست أدري.
لماذا هذا التساؤل؟
لأنه لو كان موجها خصيصا للنخب الحاكمة (وهو الأمر المرجح) فإنه يتجاهل أن التخلف بالمنطقة العربية أضحى منظومة حكم وليس فقط لأن هذه النخب لا مصلحة لها تذكر بالتنمية، ولكن أيضا لأن مصلحتها هي إلى حد بعيد من مصلحة الغرب عموما (سياسات استيراد الأسلحة ضمن أمور أخرى).
أنا أزعم أن الدول التي أفردت للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي قيمة كبرى هي دول تعاملت معها كأدوات للتنمية الشاملة وليس ترفا أو مصدرا لتهديد هذه المصلحة القائمة أو تلك، هذه الطبقة المتحكمة أو تلك.
+ النقطة السادسة والأخيرة وتتمثل في افتقاد التقرير لأدوات تصريف خطابه ومقترحاته. فهو لم يحدد كلفة توطين العلم والتكنولوجيا عندما يتم "استيرادها". ولم يحدد التكلفة التي من شأنها أن تترتب عن إقامة بنية علمية وتكنولوجية ذاتية ولا حدد لهما معا جدولا زمنيا.
أزعم بهذه النقطة أيضا أن التقرير وإن برع في تقييم واقع الحال، فإنه سرعان ما تقهقر فيما يخص تصريف الحلول على أرض الواقع.
يقال من لدن القائمين على التقريرين معا إن التقرير ليس برنامج عمل، هو بحث في مفاصل القصور. أنا أقول بأننا اليوم بحاجة إلى دراسات أكاديمية من هذا القبيل لكن حاجتنا أكبر إلى أن تتضمن برامج عمل يكون بالإمكان تجسيدها على أرض الواقع.
مداخلة باليوم الدراسي "التنمية الإنسانية العربية في 2003: اللغة العربية والبحث العلمي"، معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، جامعة محمد الخامس، الرباط، 23 أبريل 2004.