تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"في مسألة المنافسة الإعلامية بالشبكات الافتراضية"

news-details

تختلف المنافسة بالشبكات الافتراضية عن مثيلاتها ب"الشبكات" الإعلامية الواقعية، إذا لم يكن بجهة الطبيعة والحدة، فعلى الأقل من وجهة نظر تعددية الفاعلين الرافعين للواء ذات الممارسة، المتواجدين بالشبكة أو المتهيئين لركوب ناصيتها.

إن المنافسة التي تواجه المنابر الإعلامية "التقليدية"، والتي اعتمدت خيار ولوج شبكات التواصل، هي منافسة عنيفة، وفاعلوها لا يحتكمون لنفس مقاييس القوة والضعف، إذ هي تضع وجها لوجه، البوابات العامة، ذات الصيت الذائع، ومحركات البحث الضخمة، والفاعلين "الهواة"، الذين يشتغلون بأفق بيع خدماتهم وبرامجهم، وملايين المواقع غير التجارية والشخصية، التي يثوي خلفها أفراد عاديون، أو مؤسسات غير ذات وزن كبير بالسوق، لكنها متواجدة وتراهن على الشبكة كأفق في الخيار وكاستراتيجية في الاستثمار.

كل هؤلاء "الفاعلون الرقميون" يقدمون عروضا معلوماتية ميزتها الوفرة والتنوع، لا قبل لمؤسسات الإعلام التقليدية، حتى الأقوى ضمنها، لا قبل لها بمنافستها، أو مجاراتها، أو مسايرتها، أو مضاهاتها، أو السير وفق وتائرها، أو المراهنة على التميز بوجودها. إنها عروض متنوعة، تفاعلية، آنية التحيين وتنشد القرب في تقديم ذوات العروض.

ثم إن المنافسين الجدد، لا سيما الصغار ضمنهم، ليس لديهم تكاليف باهظة المفروض استرجاعها، أو فواتير تصميم تنتظر السداد، أو طواقم تحريرية تستوجب التغطية الاجتماعية، وما سوى ذلك. إنهم يفعلون في فضاء شاسع ومفتوح، قد تصل به السلوكات والأفعال لحد تحالف الكل مع الكل ضد الكل. المنافسة الممارسة على المنابر التقليدية، والمكتوبة منها تحديدا، إنما هي إذن على أشدها، وستزداد حدة مع مرور الزمن. إنها منافسة من نوع جديد، تضع وجها لوجه "عتاة" الإعلام التقليدي والجديد ورواد الإعلام "البديل" حتى وإن كانوا مجرد أشخاصا ذاتيين، تنقصهم التجربة وينتفي التمرس من بين ظهرانيهم.

بصلب كل ذلك، ثمة منافسين اثنين آخرين، لا يقلان عن المنافسين الآخرين قوة وشراسة، ويتعلق الأمر بمنافسة الإذاعة من جهة والتلفزة من جهة أخر، واللتان انتابهما الطموح منذ اليوم الأول لولوج عالم الشبكات الرقمية، والتموقع به بالتدريج وبالحذر الضروريين.

هناك اعتباران اثنان يجعلان من الإذاعة والتلفزة عاملي منافسة قوية لباقي المنابر، على شبكة الإنترنيت وبكل الشبكات الرقمية الأخرى:

°°- الاعتبار الأول، لأن هاتين الوسيلتين تتمتعان بصورة ومصداقية كبيرين، لا سيما في زمن لا يزال فيها للصورة وقع محوري كبير. ما يزيد هذا الاعتبار قوة وتمظهرا هو ظهور ثم انتشار التلفزيونات المقتنية للسواتل والعابرة للحدود الجغرافية التقليدية.

°°- أما الاعتبار الثاني، فلأنه بمقدور هاتين الوسيلتين، وعلى عكس المنابر المكتوبة، تقديم خدمات هي من صلب نشاطهما، وبالمجان فضلا عن ذلك (كما الحال مع الصورة والفيديو)، حيث لهما البنية الإنتاجية، والكوادر البشرية القادرة والمتمكنة، ناهيك عن السيولة المالية التي يتمتعان بها، وتمنحهما الحد الأدنى من الأمان أمام المنافسين الجدد.

بالتالي، وعلى الرغم من اشتداد المنافسة بالشبكات الرقمية، وصعوبة التنبؤ بما قد يترتب عنها على المدى المنظور، فإن وضع ولربما مستقبل، كل منبر إنما يتحدد بالقياس إلى مصادر القوة المتوفرة لديه، إلى درجة تهيؤه لمواجهة تحديات "الوافد الجديد"، وكذلك إلى استراتيجيات التموقع أو التحالف أو الاندماج، التي يعمد إليها مع هذا الفاعل "المجاور" أو ذاك.

ويبدو بهذه النقطة أن التقنية الرقمية، التي استطاعت خلق لغة موحدة لقطاعات الإعلام والمعلومات والاتصال، فدفعت بالعديد من روافدها للانصهار الجزئي أو الكامل، هذه التقنية بدأت تدفع وبقوة، بجهة تكامل هذه الروافد، بزاوية إنتاج المضامين وترويجها، عوض الاقتصار على التكامل التقني بين البنى والشبكات والمطارف.

جريدة الاتحاد، 20 شتنبر 2016

يمكنكم مشاركة هذا المقال