ما يسمى بالدخول الثقافي هو بالأصل استنساخ في التسمية عن الدخول السياسي، حينما يعود الفاعلون السياسيون من العطلة، ويباشرون مهامهم من جديد.
المقصود بالدخول الثقافي لا يختلف عن ذلك بالدول ذات التقاليد بهذا الجانب:
+ إذ تدشن دور النشر الموسم الجديد بإصداراتها الجديدة، وتضع بالفضاء العام ما استجد لديها من كتب أكاديمية، أو روايات، أو موسوعات أو ما سواها، كل بمجال اشتغاله.
+ ويعمد إلى تنظيم ملتقيات وندوات ومهرجانات للقراءاة، وحفلات إمضاء، ولقاءات مع الجمهور ومع النقاد وغيرهم.
+ وتتم مواكبة ذلك بحركية إعلامية، تغطي المستجدات من الإصدارات بالتغطية المباشرة، أو بالقراءة في المهم منها، أو استضافة الكتاب المتميزين.
+ ويتم تقييم حوصلة الموسم الماضي، والوقوف على التراكم المحقق أو جوانب الإخفاق والتقصير بهذا الجانب أو ذاك.
هي مسألة تحولت إلى تقليد منتظم، إلى طقس اجتماعي سنوي، يمتزج به العنصر الثقافي بالبعد التجاري الترويجي، تكون كل أضلاع العملية رابحة، أعني الكاتب والناشر والقارئ والناقد والعملية الثقافية برمتها. هذا على الأقل ما عهدته عندما كنت أتابع دراستي بباريس أواخر ثمانينات القرن الماضي.
لو حاولنا أن نقيس ما يجري من بين ظهرانينا بالمغرب، ماذا عسانا نجد؟
+ دور نشر باهتة، لا تراهن على الكتاب بقدر مراهنتها على المطبوع المدرسي، والوثائق والتقارير الإدارية، والمنشورات التجارية الخالصة. ومن لا يزال يشتغل ببعض من النشر، فغالبا ما يشترط تحمل الكاتب لنفقة العملية، دونما إجهاد للنفس من لدنه.
+ الكتاب غالبا ما لا تطبع منه إلا بضع مئات من النسخ، يتمركز توزيعها بالمدن الكبرى، وتمر السنون دونما أن يقتنيها أحد، فتكون عملية المعاودة غير ذات جدوى بالنسبة للكاتب.
+ كتاب لا يراهنون على دخول ثقافي محدد المكان والزمان، بل ينشرون حالما توفرت لديهم المادة، وسنحت لهم الظروف المادية بذلك.
+ اللقاءات مع الجمهور أو عن طريق النقاد شبه مفقودة، بغياب الأطر الكفيلة بذلك، سيما اتحاد كتاب المغرب الذي يعيش موتا سريريا منذ وفاة المرحوم عزيز لحبابي.
+ الإعلام العام أو "المتخصص" ضعيف للغاية، ولا يواكب ما ينشر على هزالة عدده، إما لاعتباره أن الثقافة باتت سلعة كاسدة، أو لأنه يشتغل بمجالات أخرى يكون البعد الثقافي بها آخر المفكر به.
+ مؤسسات حاضنة شبه غائبة على المستوى الرسمي، كما على مستوى القطاع الخاص.
بالمحصلة إذن، أتصور أنه من التجاوز حقا الحديث عن دخول ثقافي بالمغرب. المسألة مسألة تقليد ومسألة وعي، ومسألة مجتمع لا يزال لا يعير الجانب الثقافي أدنى اهتمام.
جريدة بيان اليوم، 13-14 أكتوبر 2007.