يحيى اليحياوي لجريدة "الرأي المغربية": "لا أومن بما يسمى بالصحافة المستقلة، لأنها مثل باقي المنابر الإعلامية"
طالب الخبير في الإعلام والاتصال يحيى اليحياوي، بسن قانون يمكن الصحافيين والأكاديميين والمؤرخين من الاطلاع على الأرشيفات العمومية لسنوات العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، على اعتبار لأن لكل المواطنين، حسب اليحياوي، الحق في الوصول إلى المعلومة دون حجر أو إكراه أو تكلفة.
وعن قانون الصحافة، قال اليحياوي إنه سيكون من المصفقين الأوائل لقانون الصحافة، إذا سحبت منه البنود السالبة للحريات. ويرى أن إصلاح قطاع السمعي/البصري بالمغرب يستوجب خلق قناتين تلفزيتين عموميتين لا غير، واحدة خاصة بالأخبار والنقاش السياسي، والثانية خاصة بكل ما هو ترفيهي وثقافي وسينمائي.
تفاصيل هذا الحوار مع اليحياوي، الرجل المعروف بمواقفه وجرأته وانتقاداته النافذة إلى العمق.
الرأي المغربية: الحق في الوصول إلى المعلومة عنصر أساسي من عناصر المشاركة السياسية، كيف ذلك؟
يحيى اليحياوي: الحق في بلوغ المعلومات وفي الوصول إلى المعلومات، هو جزء من الحق في الإعلام، على اعتبار أن المعلومة هي أصل الإعلام، وهي مكون أساسي فيه وهي كنهه. وما دام أن المعلومة هي صلب الإعلام وصلب الحق في المعرفة، فمن الطبيعي أن تصب مباشرة في العملية السياسية، لسبب بسيط هو أن حجز المعلومة، أو حجبها، أو منع بلوغ الأفراد والجماعات إليها، يعطي الانطباع بالاقتراب من الأنظمة الشمولية التي كانت تحتكر المعلومة وتحجبها، كالنظام السوفياتي السابق مثلا والدول الرافدة له، حيث كانت هذه الأنظمة تحجب المعلومة عن المواطنين، وتحجب كذلك المعرفة، ولم يكن هناك حق لا في الإعلام، ولا في الاتصال، ولا حق في المعرفة، ولا في النفاذ إلى المعلومات.
في المغرب نفس الشيء. وأقول أن إحدى المداخل الأساسية لتكريس البعد الديمقراطي في العملية السياسية، هو ضمان الحق في البلوغ إلى المعلومات، لأن حجبها يجرد المواطنين من القدرة على الاطلاع على طرق وآليات وأنماط تدبير الشأن العام، الذي هو المحك الذي على أساسه يقاس مستوى الدمقرطة.
الرأي المغربية: ما السبب الذي يجعل الأنظمة مثل النظام في المغرب، يحجب المعلومات؟
يحيى اليحياوي: المعلومة في زمن الحرب وفي زمن السلم، هي أداة جوهرية في ممارسة السلطة، لدرجة أن السلطة بدون معلومة، وبدون مخابرات، أو استخبارات، وبدون آذان صاغية، غالبا ما تكون هيبتها غير مكتملة، بدليل أنه منذ تأسست الدولة/الأمة أو الدولة الوطنية، أنشئت بموازاتها نظم استخبارات ونظم التقاط المعلومات.
فكل استراتيجيات تجهيز التراب الوطني في أوروبا، أو في الولايات المتحدة الأمريكية، أو في إفريقيا في القرن 19 والقرن 20، كانت محكومة بهوس إدماج الساكنة البعيدة، وتحويلها إلى جزء من المنظومة. وهذا ما يفسر في المغرب، التراتبية في وزارة الداخلية، بدءا من الوزير أو الوالي وانتهاء بالمقدم، الشخص الذي يلتقط المعلومة من المصدر. وهو نظام فريد بكل المقاييس.
الرأي المغربية: أتعني بذلك أن دائرة تجول أو انحصار المعلومة تبتدئ من المقدم في اتجاه الوالي أو الوزير لا غير؟
يحيى اليحياوي: المعلومة ليست دائما الخبر، المعلومة قد تكون شهاب نار، قد تكون صوت، و قد تكون حركة.
وقد طرح مطلب البلوغ إلى المعلومة مع بروز الشبكات الإلكترونية، لأن من قبل كان مطروحا الحق في الإعلام، أما الحق في بلوغ المعلومات "Le droit d’accès à l’information" لم يكن مطروحا من قبل.
الرأي المغربية: هل هذا مطلب جديد؟
يحيى اليحياوي: هو مطلب قديم، لكن التحولات التكنولوجية أضفت عليه وظائف جديدة. بمعنى أنه لا يمكن أن تضمن للشخص الحق في الاطلاع على المعلومة، إن لم تكن له إمكانيات في الارتباط بشبكات الإنترنيت مثلا. ولا يمكن لك أن تضمن الحق لشخص ما في الاتصال، أو في الإعلام أو في المعرفة، إذا لم يكن مجهزا بسواطل لاقطة للأخبار. فإذا منعت عن الناس مثلا، سبل امتلاك البارابول كما كان الشأن بالمغرب بالعام 1984 لاعتبارات سياسية أو إيديولوجية، فأنت تحجب المعلومة عن المواطنين، بهدف عزلهم عما يدور في المحيط الخارجي. والحسن الثاني كان يقصد بهذه الطريقة حجب المعلومة عن المواطنين.
الرأي المغربية: ما هي أوجه الاختلاف وأوجه التشابه بين الصحافي والمواطن العادي في مسألة الحق في بلوغ المعلومة؟
يحيى اليحياوي: المصب النهائي للمعلومة هو المواطن، لكن تختلف السبل والطرائق في بلوغ المعلومة بينه وبين الباحث الأكاديمي، أو بينه وبين الصحافي أو المؤرخ أو ما سواهم.
فتح الأرشيفات القديمة المتجاوزة، والتي طالها التقادم ( للتذكير، لا وجود لمنظومة التقادم في المغرب) ومنح إمكانيات البلوغ إلى هذه الأرشيفات، أو الوصول إليها، والذي يعطيك إمكانية اطلاع المواطنين على ما جرى، ويعطيك إمكانية المشاركة في تدبير الشأن العام، وهذا هو الأساسي. وهنا نرجع إلى دائرة: من المعلومة إلى العملية الديمقراطية. في النهاية، فالعملية الديمقراطية هي مشاركة جماعية في الزمن والمكان للمواطنين، في اتخاذ القرار السياسي. والديمقراطية في نهاية المطاف، هي إعطاء الحق لمجموعة من المواطنين، في بلوغ المعلومات المتوفرة بكل أشكالها، المعطى والمسموع والمرئي. هذا كله يمنح المواطنين إمكانيات النقاش في الفضاء العام، وبالتالي المشاركة في الحياة السياسية وفي مراقبة الشأن العام.
الرأي المغربية: كيف تفسر غياب نص قانوني ينظم حق الاطلاع على الأرشيف العمومي في المغرب؟
يحيى اليحياوي: هناك تلميحات في مجموعة من النصوص، كالمحاولات الأخيرة في تقنين المشهد السمعي/البصري وقانون إنشاء الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري. هناك تلميح لهذا الحق كمبدأ عام، ولكن الأدوات غير متوفرة. هناك إذن مجموعة من النصوص، تلمح للحق في البلوغ والنفاذ إلى المعلومات، ولكن أجرأة القرار السياسي غير قائمة. بمعنى أنه لا بد من أجرأة هذا القانون، وسن قانون جديد يقنن الحق في البلوغ إلى المعلومات العمومية تحديدا، لأن المعلومات الخاصة ليست بنفس درجة الأهمية قياسا بالمعلومات العمومية، التي تهم المجال العام والتدبير العام والقرار السياسي كذلك، وتحيل على المشاركة السياسية والديمقراطية.
أنا أطالب بسن هذا القانون لتمكين الصحفيين والمواطنين والأكاديميين والمؤرخين من بلوغ المعلومات. وكل شخص يريد أن يطلع على الأرشيفات العمومية لسنوات العشرينات أو الثلاثينات من القرن الماضي مثلا، يجب أن يكون له الحق في بلوغها دون حجر أو إكراه أو تكلفة، وجانب التكلفة مهم أيضا.
فيما يخص الشبكات الإلكترونية، لابد من ضمان الحق في ولوج الشبكات، ومن بعد ذلك تمكين الشخص من الولوج إلى بنوك المعطيات.
الرأي المغربية: ما هي برأيك مداخل إصلاح المشهد الإعلامي المغربي؟
يحيى اليحياوي: المسألة الأساسية هو أنه في غياب هذا القانون تتكاثر الإشاعات، أي في غياب النص الذي يكرس الحقيقة أو جزء منها تكثر الإشاعات، سن هذا القانون (سيما فيما يتعلق بجانب التقادم وسقوط الأرشيف العمومي في الفضاء العام) سيعطيك إمكانية معرفة هل كانت هناك مقاومة في المغرب مثلا، هل كانت معاهدة إيكس ليبان منصفة للمغرب، من تواطأ على ضرب حركة عبد الكريم الخطابي بالغازات السامة...الخ.
هذه الحقائق التاريخية غير متوفرة، لأنه ليس لدينا قانون ينظم مبدأ التقادم، في الدول الأوروبية قانون التقادم يعمل على إسقاط الوثائق أوتوماتيكيا في الفضاء العام وفي المشاع بعد 40 أو 50 سنة. المغرب لا يتوفر على هذا القانون. المغاربة لا يعرفون ماذا وقع سنة 1920، أو في سنة 1912. لم يطلع المغاربة على وثائق عهد الحماية. و من بين المداخل الأساسية لذلك، سن قانون بهذا الخصوص.
الرأي المغربية: أثار قانون الصحافة الجديد نقاشا في صفوف المهنيين والحقوقيين، كيف ينظر الأستاذ اليحياوي إلى هذا القانون، وما هي زوايا معالجته؟
يحيى اليحياوي: لحد الآن لم أطلع على هذا القانون، ولم يسبق لي أن تعاملت مع النصوص المؤقتة، شخصيا أتعامل مع النص النهائي، اللهم إلا إذا طلب مني رأيي في أمر ما وهو لم يحدث على الإطلاق. العبرة بالنص النهائي.
أتصور أن عملية تغيير القانون، كل ثلاث أو أربع سنوات، هي عملية غير سليمة، والخطير فيها هو إعادة إنتاج الخطوط الحمر، وإعادة إنتاج العقوبات السالبة للحريات، وإعادة إنتاج المفاهيم المغلوطة، كالمس بالأمن العام والمس بالمقدسات. بالمحصلة، لو كان هناك 99 بالمائة من البنود الإيجابية، وكان بند واحد سالب، فالنص في مثل هذا الحال يسقط لأن العبرة ليست بالنقط الإيجابية، العبرة بالنقط السالبة للحريات.
بكل الأحوال، سأكون من بين المصفقين الأوائل لقانون الصحافة، إذا سحبت منه البنود السالبة للحريات.
الرأي المغربية: كيف يفسر الأستاذ اليحياوي السلوك الانتقائي للمصادر في العلاقة مع المنابر الإعلامية؟
يحيى اليحياوي: هذا السؤال يحيل على ما يسمى بالصحافة المستقلة. أنا شخصيا لا أؤمن بوجود صحافة مستقلة. هي صحافة أسبوعية شأنها شأن باقي المنابر الإعلامية.
في المغرب هناك نوعان من الصحافة: صحافة تدور في فلك المخزن بطريقة مباشرة، وتحصل على المعلومات والمعطيات والإشهار بشكل من الأشكال وبسهولة أيضا، ونوع ثاني من الصحافة يدور في فلك رجال الأعمال، ولوبيات المصالح التي تدعم هذا النوع من الصحافة، بالإعلانات الإشهارية والرشاوى أيضا. مع الأسف، هذه الثنائية الصحافية الموجودة تبين على أنه ليس هناك صحافة مستقلة في المغرب.
فإذا كان هناك استقلال نسبي، ونبرة إلى حد ما خشنة بإزاء المخزن للبعض، فهي مخففة وضعيفة وغير مسموعة بالنسبة للمنابر الخاصة.
الرأي المغربية: لا ديمقراطية في الولوج إلى المعلومة في الأوساط الإعلامية، ما تعليقك؟
يحيى اليحياوي: فعلا ليس هناك مساواة أمام المعلومة، وليس هناك مساواة أمام المعرفة وهذه سياسة متعمدة. لا تصل المعلومة، ولا تصل المعرفة إلا إلى للذين رضي عنهم رضاء تاما، وهذه مسألة معروفة في المنطق المخزني من قديم الزمن.
ضرورة سن قانون سيعطي الحق في إمكانية الاطلاع على جميع الوثائق العمومية المتوفرة لدى المؤسسات، من وزارات وجماعات محلية، وسفارات وقنصليات باستثناء المؤسسات ذات الطابع السري الخالص. لو تم تأطير هذا الجانب بضمانات حقيقية سيمكن من مساواة الصحفيين والإعلاميين والمواطنين أمام المعلومة.
إذن في غياب هذا القانون، هناك من يشتغل بالمعلومة اليقين وهناك من يشتغل بالإشاعة، وأعتقد أن 50 أو 60 بالمائة من الصحف المغربية تشتغل بالإشاعة.
أعود وأركز على مسألة سن قانون النفاذ إلى المعلومة، وأضيف أنه يبقى غير كاف ليستقيم الإعلام المغربي، لأن الإعلام هو جزء من منظومة، ولا يستقيم الإعلام لوحده بدون استقامة العديد من المؤسسات الأخرى. المسألة مترابطة ومتكاملة بين كل المجالات.
أستطيع القول بأن المعلومة هي القلب النابض للمخزن، لأنه بها يؤطر وبها يحاسب، وبها يستفز ويبتز.
وعلى هذا الأساس تتوتر العلاقة بين الإعلامي والمعلومة من جهة، وبينهما والمخزن من جهة ثانية، وتصبح العلاقة بين هذه الأطراف الثلاثة، علاقة صراع وعلاقة ممانعة .
الرأي المغربية: يتسم المجال الإعلامي المغربي بندرة المعلومة، كيف تفسر ذلك؟ وما هي المخاطر التي تتهدد المشهد الإعلامي بهذا الخصوص، والصحفي كذلك؟
يحيى اليحياوي: المعلومة لا تقاس بالكم، هي تقاس بالنوع. أنا مثلا لا تهمني جميع المعلومات ما تهمني هي المعلومة التي تمس مجال المشاركة السياسية، والمساهمة في تدبير الشأن العام، ومحاسبة ومراقبة من كانوا خلف تسيير الشأن العام. الوزير الأول مثلا مطالب بإطلاع المغاربة وبالوثائق والمعطيات الدقيقة على ما قام به طيلة المدة التي قضاها بالوزارة الأولى، ليطلع المواطن على جهة وكيفية صرف المال العام، وليطلع كذلك على مآل أموال القرض العقاري والسياحي. هذه المعلومات هي التي تهم الرأي العام، ما عدى ذلك من أخبار مرتبطة بحياة الأشخاص، فهو غير مهم.
الرأي المغربية: ربما هذا النوع من المعلومة له طابع النخبة ومرتبط بفضاء خاص، فضاء السياسيين في غياب المعلومة المرتبطة بالمواطنين العاديين؟
يحيى اليحياوي: فعلا لأنه لم يراهن في يوم ما على إعلام القرب، وهذه سياسة عامة. كل ما هو بعيد عن المركز مهمش، لا في مستوى بلوغه إلى المعلومة ولا في مشاركته السياسية، ولا في استفادته من ثنائية الثروة والسلطة. بالتالي فغياب إعلام القرب، يجعل المنابر تتوجه غالبا للملفات الساخنة لكن العامة.
الرأي المغربية: أين يمكن الأستاذ اليحياوي تأطير المحاكمات التي عرفتها مجموعة من المنابر؟
يحيى اليحياوي: أنا شخصيا آسف على عدم وجود رقابة وهذا موقفي الشخصي، لأن الرقابة تعطي الجودة. فرغم توفر أكثر من 500 عنوان صحفي في السوق، فالقيمة المضافة لهذا كله ضعيفة جدا. هذا الانفتاح المحيل على الفوضى، والذي هو انفتاح من أجل الانفتاح، لابد له من ضابط الجودة والتي هي بالنهاية المحك الحقيقي للحقل الإعلامي.
لنأخذ نموذج القطاع السمعي البصري، فتصوري لإصلاح هذا القطاع هو ببساطة خلق قناتين تلفزيتين عموميتين، واحدة خاصة بالأخبار والنقاش السياسي، والثانية خاصة بكل ما هو ترفيهي وثقافي وموسيقي، عوض هذا التخبط والحذر، واعتبار خلق بعض الفضائيات الماسخة مكسبا للمغاربة. إنني أتحسر لما يجري بالقطاع السمعي/البصري بالمغرب، وأشفق على الخطابات الرسمية التي تعتبر الترقيع إصلاحا.
جريدة "الرأي المغربية، العدد الأول، أسبوعية، 29 يونيو 2007 (حاوره: عزيز أجهبلي)