يحيى اليحياوي لجريدة المساء: "ميزة اليوتوب أنه يحمل الدليل بالصوت والصورة معا"
المساء: تتناول عينة من الشباب المغاربة عمل الوزراء (عباس الفاسي، ثوريا جبران، ياسمينة بادو، مزوار..) في موقع يوتوب بشكل ينتقد مواقفهم وحصيلتهم. كيف ترصدون هذه الظاهرة؟
يحيى اليحياوي: الشباب بالمغرب غير متمرس على الكتابة الصحفية، لكنه متقن وإلى حد بعيد، لوظائف وتقنيات الكاميرا والهاتف النقال. هو يتعامل معها بعفوية ومن باب الهواية، لكنه في السنين الأخيرة، بدأ يوظفها كأداة للتعبير عن الواقع المحيط به، فوجد في شبكة الإنترنيت فضاء لتمريرها، والترويج لها من خلال بعض المواقع والمدونات، ولكن بالأساس من خلال موقعي يوتوب ودالي موشيون. ولعل الصور الحية التي التقطها قناص تارغيست لبعض عناصر الدرك الملكي، وأيضا الصور التي بثها الموقع عن أحداث سيدي إفني، تدل قطعا على اللجوء المتزايد لهذه المواقع.
الظاهرة في حد ذاتها شكل جديد من أشكال التعبير، تتجاوز على المكتوب والمقروء، الذي غالبا ما لا ينصف هؤلاء الشباب، أو يفرض عليهم رقابة، أو لا يستطيع بحكم طبيعة الصحيفة، تمرير ما ينتجه هؤلاء بالصوت والصورة. بالتالي، فهم عندما يكشفون عن سلوك أو ممارسات أو تجاوزات هذا المسؤول أو ذاك، فهم يعلمون أن الأمر لن يمر بسلام عليه كما يقال.
ثم إن الظاهرة تبين نضجا خاصا لدى شباب هم منا بالمحصلة، لكننا لا نعلم بالتحديد مواصفاتهم، ومطالبهم أو الفلسفة التي يشتغلون وفقها. كل ما نعرفه أنهم شباب لا يراهنون على الإعلام المحلي، يعلمون أن صورهم وأفلامهم تتجول بكل دول العالم، ولربما يدركون أيضا أن الضغط لا يؤتي ثماره بالمغرب إلا إذا أتى من الخارج.
المساء: عكس العديد من الدول، لا توجد في المغرب مساحة للتناول الإعلامي لعمل الحكومة في وسائل الإعلام المرئية (مثل les guignols بفرنسا). ما الذي يجده الشباب المغاربة في يوتوب، ولا توفره الوسائل التقنية الأخرى؟
يحيى اليحياوي: أتصور أن الممارسة السياسية بالمغرب لم تفرز لحد الساعة نضجا سياسيا بالدرجة المطلوبة. بالتالي، فإن تشخيص "زعيم" سياسي أو "قائد" نقابي أو "فاعل" جمعوي، غالبا ما يقرأ من لدنهم ويؤول على أنه مس بشخصه، أو شتم أو قذف أو تجاوز على الأخلاق، أو "قلة أدب" في بعض الأحيان. وهو أمر نحسه ببعض صور الكاريكاتير التي تمررها الصحافة المكتوبة هنا أو هناك. للتذكير فقط فالراحل الحسن الثاني ذاته، رفض رفضا قاطعا أن يشخص بصيغة الكاريكاتير، أو تموسط صورته بالإعلام، بما يلمح إلى سخرية ما منه. ونعلم أيضا ما كان مصير مجلة علي المرابط، عندما تجرأت ورسمت الملك محمد السادس كاريكاتيريا في أحد أعدادها، وهكذا.
المواقع الحية بالإنترنيت، ويوتوب ودايلي موشيون تحديدا، تتجاوز على هذه الموانع، وتذهب لحد تصوير الملك في رحلات صيده أو زياراته بالخارج أو ما سوى ذلك. وتذهب لحد تمييع الوزراء والمسؤولين، كما وقع مع هفوة عباس الفاسي، عندما ذهب من مدة لحد تأنيث إسم رئيس الوزراء الإسباني.
إن المجتمع الذي لا يستطيع أن يسخر من واقعه ومن مسؤوليه، على مختلف مراتبهم ومستوياتهم، هو مجتمع خوف بامتياز، ويستحق بالتالي واقعه وأكثر.
المساء: ما هي أشكال التأثير التي من المنتظر أن تضيفها هذه الممارسة التكنولوجية الجديدة في إدراك المغاربة لعمل المسؤولين المغاربة في مراكز المسؤولية؟
يحيى اليحياوي: ميزة هذه الممارسة هي أنها تحمل الحجة والدليل في أحشائها. فقناص تارغيست صور عناصر الدرك بالمباشر الحي، وهم يتلقون الرشاوى من لدن السائقين، كما أن صور أحداث سيدي إفني أبانت عن حجم تجاوزات الأمن مع المواطنين.
بالتالي، فقد بات اليوم لكل من لديه كاميرا صغيرة، أو هاتف محمول بمواصفات بسيطة، أن يترصد مسؤولا محليا يبتز الناس، أو يقتنص "مقاولا" يسرق الرمال ويحول مجاري الماء لسقي ضيعته دون مقابل، أو أن "يصطاد" مهربا كبيرا تغاضت السلطة عن سلوكه، وهكذا.
هي أداة مراقبة ورقابة جديدة، حتى وإن كان مجالها وأثرها لا يزال محدودا ومحصورا، لكنها سيف حاد وناجع وقاتل في أحايين عديدة، لدرجة أن البعض بدأ يتحدث عن هذه الممارسة، باعتبارها "سلطة خامسة".
جريدة المساء، 26 فبراير 2009