تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

يحيى اليحياوي: السينما صناعة وثقافة وتربية وأخلاق

يحيى اليحياوي:

السينما صناعة وثقافة وتربية وأخلاق

أثارت الصورة واللغة، التي انبنت عليها بعض الأفلام المغربية، جدلا كبيرا، بين المتتبعين لهذا الجنوح نحو الواقعية، إذ اعتبرها البعض أمرا حاصلا مادامت تعبيرا صريحا عن الواقع المغربي، فيما صنفها الرافضون ضمن خانة الترويج للفن الهابط الذي يبحث عن الربح السريع لا غير.

"المغربية" حملت ثلاثة أسئلة إلى يحيى اليحياوي، أستاذ باحث في الإعلام والاتصال، حول الصورة واللغة المستعملة حاليا في السينما المغربية، ومدى تأثير ذلك على المتفرج المغربي، فكان اللقاء التالي:

ما رأيك في جنوح بعض الأفلام المغربية نحو الصور الجريئة والمشاهد الجنسية؟

أتصور أن السينما أو الأفلام التي يحيل عليها التساؤل، وأنا رأيت بعضها، هي بالأصل مصاغة للغرب، وليست مصاغة للمغاربة. وأتصور أيضا أن العديد من المخرجين المغاربة، هم ذوو تكوين ومرجعيات وخلفيات غربية، حتى أننا لا نستطيع، في بعض الأحيان، أن نميزهم بلباسهم ولحاهم المتناثرة، عن بعض المخرجين الأوروبيين أو الأميركيين. بالتالي، فصياغة السيناريو لديهم غالبا ما يجري على هذا الأساس، ويكون القصد من هذه الأفلام "التباري" بها في المهرجانات، أو الملتقيات هنا وهناك.

التفسير الذي غالبا ما يقدم، هو القول إن هذه الأفلام هي أفلام واقعية، أي تعكس واقع الحال كما هو بقبحه وجماله، بغثه وسمينه كما يقال. وأنا لست ضد الواقعية، ولا ممن يدفع بمصادرة حق هؤلاء في ركوب هذه الموجة أو تلك. لكني أقول التالي، من موقع المواطن المتفرج، لا من باب التخصص في الميدان:

- الواقعية بالسينما ليست بالضرورة عكس الواقع كما هو، أو كما يراه العديد ضمننا. إنها أيضا عكس الواقع ذاته دونما فظاظة أو فجاجة أو غلاظة أو خشونة، بل صياغته بطرق فنية توصل الرسالة، لكن دونما أن تصدم هذا أو ذاك. السينما ليست عملا تصويريا، إنها التقاط لتفاصيل الحياة، وتقديمها للمشاهد بصيغة جمالية، ترفع من منسوب ذوقه ووعيه، أو تدخل الفرجة إلى نفسه. إن الواقع نراه ونشاهده ونعيشه يوميا، ما قيمة عمل فني إذا اكتفى بإعادة تصويره، وإعادة إنتاجه صوتا وصورة كما هو؟ أين القيمة المضافة للمخرج هنا؟
ثم إذا كانت الواقعية هي المحك، فلم لا يصور لنا هؤلاء ما هو أهم وأقوى تأثيرا، كتصوير أفلام عن سنوات الرصاص، أو عن الفساد المستشري هنا وهناك، أو عن مآسي السكان في هذه المنطقة من المغرب أو تلك؟ القصد هنا هو القول إن الحديث في ظواهر جانبية، حتى وإن كانت حقيقية، لا تعبر عن ظواهر بقدر ما تعبر عن حالات، وهذه أمور لا يمكن البناء عليها.

- التعبير المباشر ليس دائما ناجعا ومفيدا، حتى وإن كانت الرسالة نبيلة وسامية. إنه قد يفرز ردود فعل غير منتظرة، توازي في المفعول والمنسوب الرسالة نفسها. بل حتى في علوم الباليستيك، لا يمكنك أن تصيب هدفا محددا، إذا صوبت عليه، ولم تحسب حسابا لعناصر التشويش كالرياح، أو دهاء الهدف المراد إصابته وهكذا. بالتالي، فاستخدام الأداة السينمائية للتعبير مثلا عن محتجبة تمارس الجنس خارج مؤسسة الزواج، لا يبدو لي معبرا عن واقع عام، بقدر ما يكون تعبيرا عن حالات شاذة متأتية من كبت مجتمع، أو من حالات نفسية، لا يمكن البناء عليها والتعميم على المجتمع.

- إن المفروض في رجل السينما هو أن يكون صاحب مشروع، يدفع به بالصوت والصورة، ويكون بعيد المدى، لا أن ينتقل من موضوع إلى موضوع، وفق نزواته، أو جهة التمويل، التي تملي عليه هذا الموضوع أو ذاك، لهذا الاعتبار أو ذاك، وتحوله إلى مرتزق بالسيناريو والكاميرا. المفروض فيه أيضا أن يكون ضابطا لإيقاع المجتمع، في بناه التحتية الحقيقية، وفي قيمه ورموزه وتمثلاته، لا قارئا له من فوق، أو عبر بعض الكتابات، أو الروايات أو المحكيات أو المشاهدات العابرة. أعتقد أن ذلك من شأنه أن يدفع السينمائي للتعامل مع الواقع، لا مع مظاهره أو القشور السطحية التي تغطيه.

وماذا عن اللغة، التي انفتحت على ألفاظ وكلمات سوقية، لايمكن استساغتها في الواقع فبالأحرى، في عمل فني؟

أتصور أن اللغة بالسينما كما بغيرها، ليست أداة اتصال وتواصل فحسب. إنها وعاء رمزي، يمرر القيم والصور، والمترسب من السلوكات النفسية. ثم إن اللغة بالسينما هي الشكل الجمالي الذي تمرر الرسالة من خلاله. فإذا كانت سوقية وخشنة ومستفزة في عنف الكلمات التي تقدم، فإنها تغطي على مضمون الرسالة، ولربما تقتل ذات المضمون، حتى وإن كان هذا الأخير هادفا أو ملتزما أو متضمنا لفكرة جوهرية.

بهذا الجانب أيضا، يطلع علينا البعض بالقول بأن هذا هو الواقع، وهذه هي "اللغة" التي نتعامل بها فيما بيننا، فلم المكابرة واستخدام لغة عالمة، قد لا يفهمها كل الناس؟ قد لا يكون ذلك مجانبا للحقيقة برمتها، لكني أعتقد أن اللغة العربية، والدارجة أيضا، تتضمنان تعبيرات راقية وسامية، ويتضمنان إيحاءات مكثفة وكثيرة، ومجازا وغيره. وهما مفهومان معا من لدن الجمهور، وليس ثمة أدنى تحفظ منهما. يبدو لي أن استعمال السوقي من الكلام، هو دليل على أن هؤلاء المخرجين لا يدركون جيدا اللغة، ولا يحتكمون على ناصيتها، فتراهم يتكلمون الفرنسية بطلاقة، لكن لا يستطيعون التفوه بكلمة عربية أو عبارة دارجة إلا بعسر كبير.

هل في ذلك تأثير على المتفرج، وفي كيفية تجاوبه مع العمل الذي يشاهده؟

بجانب تأثير كل ذلك على المتفرج، نحن هنا أيضا بإزاء طرح "الواقعيين" (أو "الحداثيين" بمنطق البعض)، الذين يرون أن عكس الواقع كما هو، هو الأقوى سينمائيا، حتى وإن كان خشنا وعنيفا ومستفزا. ويرون أيضا أن "اللغة" المستعملة هي إفراز الواقع ذاته، والذي قد يبدو ميوعة أو ألفاظا سوقية، هو آت من الواقع ذاته، لا من صنع خيالهم. وهذا حقهم في التعبير، لا يمكن أن نزايد عليهم فيه قيد أنملة.

وهناك موقف آخر، يرى أن عكس الواقع كما هو، إنما هو تشويه له ومبالغة فيه. ويرى أيضا أن هذا المسلك لا يمكن أن يرقى بخاصيات الجمال والذوق، المفروض أن تكون خلف كل عمل سينمائي. ويرى فضلا عن ذلك، أن الصورة بقدر ما تكون موغلة في المبالغة، فإنها قد تؤدي إلى الفتنة في مجتمع محافظ، والمجتمع المغربي مجتمع محافظ بكل المقاييس. وهذا حقهم في القراءة والتأويل لا يمكن أن نزايد عليه أيضا.

أنا أزعم، لاختزال كل ذلك، أن السينما هي صناعة وثقافة، وهي جمال وفن، لكنها بالآن ذاته تربية وأخلاق وقيم وسمو بالذوق العام، في مضمونه وشكله، واللغة المنتقاة لذلك. والأخلاق والقيم المقصودة هنا، هي ما تعارفت الجماعة على كونه كذلك، في زمن ما، ومكان ما وبسياق محدد، أي كل ما تتقاسمه ذاتها الجماعة وترتضيه إلى حين...

جريدة المغربية، 28 فبراير 2009

يمكنكم مشاركة هذا المقال