من دونها لا برق يومض في سماء العرب
تمجيد المعرفة أم ممارستها؟
يحتفل العرب في السنة الجارية بعبقرية علمية عالمية قدمت للمعرفة الانسانية أول منهج علمي في قراءة ظاهرة الدولة والارتقاء والانحدار في عالم العمران والحضارة، أقصد العلامة عبدالرحمن بن خلدون. وفي مطلع الشهر المقبل تنظم مؤسسة السعيد للعلوم والثقافة في اليمن ندوة موسعة حول البحث العلمي ومشكلاته بحضور باحثين وأكاديميين بارزين.
وتنظم مكتبة الاسكندرية في نهاية الشهر الجاري ندوة موجهة للشباب تتناول الثقافة العلمية والتفكير العلمي. هل يعني هذا أن الجهات المعنية في الوطن العربي بدأت تولي المعرفة العلمية مكانتها في البنية التعليمية والاجتماعية؟ وهل التخلف الفكري الذي يعيشه المجتمع العربي يمكن أن تنجو من ظاهرته وآثاره القيم المؤسساتية التي من المفترض أن تدير دفة النهضة؟ ما الذي يجب فعله حتى يتحرك قطار العرب نحو الغد بقيمه العلمية والانسانية الرحبة؟ وما هي السبل المفروض طرقها لتنفض الأمة عنها غبار التاريخ وتنخرط في أسئلة الراهن والمستقبل خارج دائرة التردد والخوف والنكوص؟
وكيف يمكن أن يخوض المجتمع العربي معركة اصلاح التعليم وهو يرزح تحت أثقال الفقر والتخلف الفكري والدوران حول الاجابات والأسئلة والقضايا الصغيرة والكبيرة نفسها منذ قرون، وإن اختلفت أشكالها وألوانها وامتداداتها؟
العرب متخلفون في حقل البحث العلمي والأكاديمي وفي الصناعة التكنولوجية، هل هذه الحقيقة التي لا يماري فيها أحد يمكن أن تسمح للعرب بالانتقال من حالهم المزري الرازح على صدورهم وأنفاسهم الى حال جديد ذي أفق مستقبلي حداثي؟ وهل يمكن لأجيال العرب غدا أن تكون سوى تابعة للعقل الغربي المبدع والمتحرر؟
من هم العرب سوى نحن؟ نحن الذين يسيل دمنا في فلسطين والعراق، ويسيل عرقنا في بلاد الله الواسعة، وتسيل كرامتنا في مطارات العالم، ويسيل زمننا الثمين ببطء حلزوني مقرف في الادارات بألوانها المتباينة، ومع ذلك مطلوب منا أن يكون لنا عقل يفكر وينتج أفكارا معرفية وعلمية قابلة للتنفيذ.
هل يعني هذا أن التبعية قدرنا؟ ان القيم المعلقة في الفضاء لا تفعل شيئا، وحده الفعل قادر على الانتقال بالانسان من طور بائس الى طور أقل بؤسا؟ ولماذا العقل العربي يصبح مبدعا في مؤسسات الآخرين في بلاد الغرب؟ ماذا يوفرون له هناك؟ لماذا يشعر بكرامته وبرغبته الجامحة في العطاء والابداع هناك، وفقط هناك، ما الذي يعكر صفو الحياة هنا؟
هل فعلاً إسهامهم فيها يقتصر على إنتاج الكوارث؟
العرب والعولمة.. علاقة معقدة
قال أحد المشاركين في ندوة للمعهد الفرنسي للشرق الأوسط، عقدت أخيراً في الأردن: “إن العرب لا يشاركون في العولمة إلا عبر إنتاجهم للأزمات والكوارث فقط”. من جهة أخرى، ورد في نشرة “أخبار الساعة”، الصادرة عن مركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبوظبي في 2 يناير/ كانون الثاني الجاري: “إن العرب يقعون خارج مضمار السباق العلمي والتكنولوجي في عصر العولمة، حيث أصبحت الساحة العربية ساحة استهلاك لما ينتجه الآخرون من أفكار وتكنولوجيا، لا ساحة إنتاج وابتكار”. وأضافت: “ما زال العرب مستغرقين في سجالات ثقافية عقيمة تتصل بالعلاقة بين الحداثة والتراث، أو بين العلم والدين، وما زالت مناهج التعليم في دولهم مثقلة بكل ما لا يشجع على الإبداع، وكل ما يعوق التفكير العلمي الصحيح”. في ما يلي آراء ووجهات نظر عدد من المثقفين والكتاب والباحثين العرب حول هذا الموضوع:
بيروت فارس زبيب - الرباط حسن الوزاني - القاهرة ذكريات محمود
يقول عباس بيضون: تختلف العولمة عن التطور الرأسمالي التقليدي بأنها لا تستلحق المجتمعات كلها، فهناك مجتمعات قد تبقى خارجها، بمعنى أنها لا تؤثر بنيويا في اقتصاد واجتماع كل بلد على حدة، وتجتذبه بذلك إلى مدارها. ثم ان العولمة قد تخترق بعض المجتمعات اختراقا، وقد تمتد في قطاعات محدودة منها، تاركة باقي المجتمع، خارجها. مثل على ذلك الهند، التي تخترق العولمة قطاعها المصرفي والكمبيوتري والصيدلاني، لكن مئات الملايين من الجياع، والأميين، والمهانين، بسبب نظام الطبقات النجسة والطاهرة، يبقون خارجها. د تنخرط المجتمعات في عملية العولمة، في جانبها السلبي، كتلك المجتمعات التي تقدم يدا عاملة رخيصة.
هكذا يكون في وسعنا أن نجد مصانع عملاقة في الفلبين مثلا، من دون أن يعني ذلك انخراط الفلبين، كمجتمع وكاقتصاد، في العملية نفسها. باق العولمة اذن ليس عالميا بالمعنى الذي حققته الرأسمالية في أطوارها التي سبقته. ماذا لدى العرب ليقدموه للعولمة؟ ينوب السؤال عنا في تقرير أمور أجدها صحيحة. ويكفي ان أوافق عليها. يصدّرون الكوارث ويعجزون عن اللحاق بالركب التكنولوجي والعلمي، ويغرقون في سجالات ما قبل رأسمالية. هذا صحيح. يمكنني أن أزيد عليه أننا لا نجد في المجتمعات العربية قطاعات يمكن للعولمة أن تستقطبها بحيث تمر العولمة، على الأقل، في هامش مجتمعاتنا. ا نملك مثلاً قطاعاً متقدما للكمبيوتر كالهند، ولا نملك قطاعات علمية واقتصادية متقدمة كما في الصين أو كوريا على سبيل المثال. لا نجد قطاعات ثقافية متقدمة كما هو الحال في أمريكا اللاتينية. العولمة إذن، يمكنها أن لا تمر بتاتا في بلادنا. بل الأرجح أن هذا الأمر بات معلوما تماما منا، وتقوم استراتيجياتنا كلها على أساسه. اذ الواضح أن سباقنا مع العصر والتكنولوجيات قد انتهى بالتأكيد إلى تسليم كامل باستحالته. وإن علينا من الآن فصاعدا أن نقيم تاريخنا على أساس آخر. لذلك يبدو أن المجتمعات العربية سيكون لها في التاريخ، مع ذلك كله ورغم ذلك كله، دور حاسم هو دور الممانعة الكبرى ضد العولمة. يخوض العرب الآن حربا ضد العولمة وهي حرب تستقطب آخرين حولهم.
لأن العولمة ليست بالنسبة لأغلب الدنيا شيئا مستحبا. إنها بالنسبة للأغلبية رعب حقيقي. إنها المرحلة التي لا رحمة فيها على الإطلاق من النمو الرأسمالي. فهي الطور الذي يترك فيه الجهلة لجهلهم والموتى لموتهم، ويداس الموتى والجرحى بالأقدام، وتمضي المسيرة، لا تنظر إلى الخلف ولا تهتم بمن بقي وراءها.
مشروع مؤجل
يرى حسن داوود أن رفاعة الطهطاوي كان قد بدأ شيئا في الثلاثينات من القرن التاسع عشر، هذا الشيء الذي ما زالت المجتمعات العربية مقيمة عليه، سلوكا، وطموحا، على رغم عدم تسليمها به، قصدت تنظيم الحياة والعيش على النسق الحديث الغربي. وقد بدأ الكواكبي بداية حاسمة هو أيضا، حين أشار إلى الاستبداد الذي رغم “حداثتنا” لا أرى أننا خرجنا من طغيانه وظلماته بعد.
حين نعود الآن إلى قراءة الكواكبي بعد ما يزيد قليلا على المائة سنة من وفاته، نجد، ويا للمفاجأة، أننا نقرأ عن سلطاتنا الراهنة، وعن مجتمعاتنا التي ما زلنا نعيش فيها. لم نحقق تقدما، كأن الزمن يسير تاركا إيانا خلفه. بل أرى اننا نتراجع أحيانا عن تقدم كنا قد بلغناه. أضف إلى ذلك التراجع الذي تشهده أنظمة التعليم في العالم العربي، حيث إننا بتنا أقل قدرة من ذي قبل على المواءمة، بين التعليم وحاجات العصر. ربما كان تلامذتنا السابقون أكثر كفاءة منا الآن وذلك ما قد نجده في نتاجنا الثقافي الذي بات أقل جدية مما كان في السنوات التي تلت عقد الأربعينات.يقول شوقي الدويهي: لست هنا لأعدد مخاطر العولمة ومنافعها بالنسبة لبلدان شبيهة ببلادنا. وقد أكون على هذا الصعيد أقرب إلى الحركات المناهضة لها، التي لم تترك مناسبة إلا وعبرت فيها عن هذه المخاطر (غريب كيف أننا لم نشهد حركات مماثلة في عالمنا العربي). ولي في هذا المجال أكثر من سبب قد يكون أهمها ما يتعرض له موقع الدولة، ومآلها في الفكر الذي تقف وراءه العولمة ومنظروها، وهو فكر يهمش دور الدولة الراعية على أكثر من صعيد، لمصلحة ما يسمى بالسوق وأولوياته.كل هذا صحيح. وكل هذا يقضّ مضاجع العديد من الشعوب. لكن فيما يعنينا نحن، السؤال المطروح هو بأي عدة، ومن أي منطلق، وعبر أي لغة نتعامل مع هذه الظاهرة التي نتصدى لها، على ما يبدو، لا فكاك منها. فمن يراجع ما يكتب عن هذا الموضوع، لا بد من أن يلاحظ أن الكلام الطاغي في هذا المجال هو كلام يتمحور حول التضاد بين العولمة والهوية كجوهرين ثابتين لا يزولان.
إذن، نخاف العولمة لأننا نخاف على هويتنا.قد لا أكون بحاجة إلى التذكير بأننا، منذ أمد بعيد، نحن في قلب العولمة كسائر شعوب الأرض، أقله منذ أن عممت الرأسمالية نمطها. وما نشهده اليوم ليس سوى استكمال لهذا التعميم بوتيرة اسرع، وبحجم اكبر. نحن إذن إزاء مسار اطلق عليه شيخ المؤرخين فرنان بروديل اسم “الاقتصاد والعالم”، يوم تكلم عن اقتصادات البحر الأبيض المتوسط في القرن السادس عشر.
أما في ما يتعلق بالهوية، التي قلت اننا نتعامل معها كجوهر لا تاريخ له، أو بكلام آخر عصيّة على التحولات التاريخية، أعتقد ان لب مشكلتنا يكمن هنا. فاذا نظرنا اليها على انها نتاج تراكم، وهي كذلك بالفعل، تضافرت في تشكلها عوامل عديدة، منها ما يعود الى حقبات ماضية، ومنها ما نتلقاه كل يوم، استطيع ان أقول من دون تردد: إن هويتنا، بالمعنى الثقافي العام، هي بمثابة وعاء يستقبل كما يلفظ ما يسكب فيه. وبالتالي فهي عرضة للتحول. وكل كلام آخر هو كلام ايديولوجي يصلح فقط للخطب من على المنابر. ماذا نأكل، وماذا نشرب، وماذا نلبس، وما التقنيات التي نستخدمها، وما العلوم التي نتعلمها؟ أليس هذا هو النتاج الذي تكلمت عنه للتو؟
عالم بلا خرائط
الباحث الإعلامي المغربي يحيى اليحياوي يرى أن التصريحات من هذا القبيل هي ذات طبيعة استفزازية ولا تهدف لرصد الحالة أو تحليلها موضوعيا. ثم هي مبتورة من سياقها العام، والسياق هو إذا لم يكن أهم من المعنى فهو بالتأكيد يفضي إليه وإلى حد كبير. لكن هذا القول بالمحصلة ليس خالياً من صواب على الأقل بالاحتكام إلى وقائع الوضع العربي الراهن. فالعرب لا يسهمون إيجابا في حركية العولمة ولا في تحديد آفاقها المستقبلية كدول أو كمجموعة.
لكنهم، على النقيض من ذلك، مساهمون كبار فيها بالجانب السلبي أو لنقل دونما أن يعوا ذلك، فالعرب يستهلكون معظم ما ينتجه فاعلو العولمة الكبار من سلع وخدمات ومعلومات ومعارف وتكنولوجيا وسلاح. ولا أدل على ذلك من صفقة السلاح التي تعاقدت بشأنها أخيراً بعض الدول العربية مع بريطانيا بمبلغ يقدر بعشرات مليارات الدولارات. والبعد الاستهلاكي الذي تمارسه الدول العربية (ولا سيما الغنية منها) أساسي في دورة رأس المال وفي حركية العولمة الرأسمالية المتقدمة وهذا بحد ذاته إسهام في العولمة.
كما ان العرب يساهمون في حركية العولمة بجانب تدوير وتدويل مداخيل النفط ووضعها في كبريات بنوك العالم فتوظف لإقراض دول عربية أخرى أو لتصريفها سلعا لمالكيها أنفسهم. ونحن نعلم أن البعد المالي في حركية العولمة جوهري ومحرك كبير للاقتصادات المتقدمة. والعرب ايضاً يسهمون بحركية العولمة من خلال آلاف الخبراء والكفاءات التي تعمل في الجامعات الغربية وبمراكز الدراسات والبحوث وكبريات الشركات متعددة الجنسيات. وجود الخبراء العرب بهذه المؤسسات هو تطعيم حقيقي لمشاريع البحث العلمي والإبداع التكنولوجي وكل الميادين والحقول المعرفية. وهذا أمر معروف بدليل أن بعض التقارير تشير إلى ان مغادرة العرب والمسلمين للمركز الوطني للبحث العلمي (أكبر مؤسسة بحث في فرنسا) من شأنه إغلاق المركز جملة وتفصيلا وقس على ذلك.
وعن القول: “إن العرب يقعون خارج مضمار السباق العلمي والتكنولوجي في عصر العولمة، حيث أصبحت المنطقة العربية ساحة استهلاك لما ينتجه الآخرون من أفكار وتكنولوجيا لا ساحة إنتاج وابتكار”، أرى ان القول بتدني قدرة العرب على المنافسة في مضمار البحث العلمي والتطوير التكنولوجي هو قول لا يمكن للمرء أن يزايد بشأنه كثيرا، على الأقل بالاحتكام إلى ما يخصصه العرب لهذا الجانب من نواتجهم الداخلية الخام أو ما تخصصه الشركات العربية الخاصة لهذا المجال من أرقام معاملاتها. وهي أمور تحدثت فيها تقارير التنمية الإنسانية العربية الثلاثة بالكثير من التفصيل فوقفت عند تدني نسب البحث العلمي وتركيز البحوث على الجوانب التطبيقية وضعف الحاضنات التكنولوجية وإهدار الكفاءات البشرية وعدم تقدير العلماء العرب وعدم ربط الاستثمار في رأس المال القار بمداخل التنمية (صرفت حوالي 2000 مليار دولار على تكوين هذا الرأسمال ما بين 1975 و 1995 لكنها لم تفرز الكثير على مستوى تحسن مستوى عيش السكان العرب).
وبجانب الاستهلاك أزعم أن النخب هي التي تستهلك في حين أن الجماهير مقصاة من دورة رأس المال. بحالة الانترنت مثلا نحن بإزاء تباين صارخ في وتيرة الارتباط بالشبكة والولوج إلى بنوك المعطيات. هناك توزيع طبقي جديد للتكنولوجيا والمعلومات والمعارف في ما بين الدول العربية وداخل الدولة العربية الواحدة.
أما في ما يتعلق بجانب الإبداع وإنتاج الأفكار فالعرب أضحوا أبعد عن ذلك بكثير. فالبنك العالمي مثلا أو صندوق النقد الدولي يخرجان علينا بانتظام بمصطلحات ومفاهيم (من قبيل التنمية المستدامة أو الحكامة أو غيرها) نستمر في اجترارها في ما بيننا لحين صدور مصطلحات ومفاهيم جديدة. وهذا أمر خطر، إذ الاستلاب السيميائي هو أخطر من التبعية التكنولوجية أو الاستعباد الثقافي أو سواها. معنى هذا اننا لم نساير العصر ولا نزال لا نعير هذا الجانب كبير اهتمام في بداية قرن يزعم الكل أنه سيكون قرن بحث علمي وإبداع تكنولوجي وعمل شبكي ومعلوماتي ومعرفي بنهاية المطاف.
في المحصلة أزعم أننا كجماهير مقصوون من دورة رأس المال المعرفي الجديد إما جراء مصيبة الريع التي لحقت بنا أو بسبب الخوف المتزايد مما قد يترتب عن قيام بنى علمية وتكنولوجية ذاتية قد تدفع بتغيير المنظومة القائمة برمتها ولربما تفجيرها من الداخل. ألم يقل ماركس يوما إن إدخال السكك الحديدية في الهند هو الذي سرع من دخول الرأسمالية إلى هذا البلد؟
وحول القول انه ما زال العرب مستغرقين في سجالات ثقافية عقيمة تتصل بالعلاقة بين الحداثة والتراث أو بين العلم والدين، ومازالت مناهج التعليم في دولهم مثقلة بكل ما لا يشجع على الإبداع، وكل ما يعوق التفكير العلمي الصحيح، أرى أن هذا قول صحيح أيضا أفاضت في الحديث عنه تقارير التنمية الإنسانية العربية الثلاثة ولا سيما بجانب طغيان النظم الأبوية واستبداد التعليم التقليدي وغياب بعد العقلانية في المناهج التعليمية والتربوية العربية وغلبة منطق الحفظ على منطق التعلم والحوار وامتهان حرفة التشكيك المفضية إلى الحقائق. والأخطر من كل هذا وذاك أن جل الدول العربية لم تراهن على التربية والتعليم (بمقاييس ومناهج العصر) قدر مراهنتها على السياحة أو النسيج أو الصناعات الاستخراجية أو ما سواها.
أما عن استمرار الجدليات الكبرى (حداثة/ تقليد، تراث/ معاصرة، دين/ دولة، داخل/ خارج.. الخ) فهي مهمة وأساسية في بلدان لا تزال تتلمس سبيلها للخروج من التخلف. لكن الخطر في المسألة أننا لم نستطع حسمها بطريقة مثلى فبقينا نجترها (ولا نزال) ونهدر الجهود فيها الى درجة أضحى الحديث فيها مصدر استرزاق هنا وهناك. كل هذه القضايا والإشكالات معروفة ومرصودة وموثقة. الإشكال الحقيقي يكمن في صيغة الحل ومداه الزمني وسبل تحقيقه.
ترديد أفكار
ويعتبر محمد مصطفى القباج أنه لا داعي لاجترار الأفكار والتحليلات المتعلّقة بالثورة التكنولوجية والعلمية التي نُماسيها ونُصابحها في مجالات المعرفة والاتصال والإعلام، وما أفرزته من أبناك وقواعد معطيات مشبّكة (إنترنيت)، وما أسفرت عنه من تجاوز للممارسات التقليدية في ميادين التعلّم والتدبير الاقتصادي والإداري. المحصّلة الكبرى أن الحضارة الإنسانية انتقلت من حالٍ كانت تعتمد الجهد الصناعي والآلي تعزيزاً لعضلات الإنسان إلى حال جديدة تعتمد التراكم المعرفي تعزيزاً للعقل وإغناء للخيال. إنها طفرات وراءها الاجتهاد الفكري والمثابرة العلمية للغرب الأوروبي والأمريكي المنتج في كل المجالات المادية والمعنوية، بِغَضِّ الطّرف عن الدرجات القصوى من التحديث وما بعده، ممّا مكّن ذلك الغرب من إقامة الحدود الفاصلة بين مشمولات الوجدان (اعتقاداً دينياً وأحوالاً روحية) ومفاعيل العقل (ممارسة سياسية وبحثاً علمياً).
حظ العرب من هذا الحراك الحضاري يضعهم في مرتبة متدنّية تخلّفاً وتعاسة إلى حدّ المأساة، إنهم أفواه مُستهلكة وليست عضلات أو عقولاً منتجة، بل الأدهى والأمر أن دائرة الاستهلاك تغطي كل الفعاليات بما فيها ثمار التحديث. ونظراً لكون النهوض الحضاري والطفرة الحداثية غير متجذّرين في التربة العربية فإنه بدلاً من الاستيعاب الناجح للحضارة والحداثة تنتصب أمام ذلك حسب رأي عبدالله العروي العوائق التي ترسّخ القدم في مهاوي التقهقر.
وترى نزهة بلخياط وهي باحثة وأكاديمية مغربية أن هناك بالفعل ضعفاً كبيراً للإنتاج العلمي والتقني في الوطن العربي، فإذا ما اعتمدنا الأرقام المتداولة فإننا سنجد أن هذا الإنتاج لا يتجاوز بالفعل 2% من الإنتاج العالمي بالنسبة للعلوم باختلاف ميادينها بما فيها الإنسانية والاجتماعية، وما يقرب من 1% من الإنتاج التقني، في حين أن عدد سكان المنطقة العربية يتجاوز ال5% من سكان العالم. على أن الحديث عن هذا الضعف، وإن لم يكن في الحقيقة جديدا، إلا أنه كثر في مستهل الألفية الثالثة تحت تأثير التقارير حول التنمية البشرية في العالم العربي التي يصدرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبالخصوص منها تقريرا سنة 2002 و،2003 الكل يعلم أن هذه التقارير قد بذلت لإخراجها لحيز الوجود مجهودات فكرية ومادية لا يستهان بها، لكن ذلك لا يمنع من وضع مفاهيمها أو طرق معالجتها للأمور أو النتائج التي خلصت إليها موضع نقاش، ومن جملتها قضية إنتاج المعرفة وما يرتبط بها من إشكاليات خاصة بالكم والكيف، إلخ.
لا شك أن الأرقام المتداولة عن الإنتاج المعرفي للعالم العربي هي أرقام تقريبية إلى حد كبير، ويرجع ذلك لعدة أسباب: أولها: أن جرد الإنتاج العلمي والتقني لا يحدث في دول هذا الوطن بالطريقة العلمية وبالوتيرة والمنهجية المتعارف عليهما من لدن المكتبات ومراكز التوثيق لدول الشمال، والذي يشمل جميع أنواع المطبوعات، بما فيها الكتب والدوريات والمقالات، وجميع مكونات الأدبيات الرمادية، بما فيها التقارير العلمية وملخصات المؤتمرات وبراءات الاختراع والمعايير، فضلا عن مكونات الموروث الثقافي. والتي يتم نشرها جميعها في الببليوغرافيات على اختلاف أنواعها والحوليات والقوائم على تعدد أشكالها وقواعد وأبناك المعطيات على تنوع مشاربها، وهو ما يمكن التأكيد على أنه غير متوفر بالمعنى العلمي للكلمة، وإن اختلفت الظروف قليلا من بلد إلى آخر.
جريدة الخليج، الملحق الثقافي، 30 يناير 2006 (حسن الوزاني، عياش يحياوي)