تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"البحث العلمي والعولمة"

العولمة ظاهرة جديدة وحديثة العهد تماماً كالطفرة التكنولوجية التي طالت ميدان الإعلام والاتصال، في حين أن البحث العلمي هو سابق لهما، وتكنولوجيا المعلومات والإعلام والاتصال هي إفراز لهذا البحث العلمي سواء تعلق الأمر بالبحوث حول المبدلات أو نظم الاتصالات أو بروتوكولات التحويل أو غيرهما.

هذه نقطة مركزية لا مجال للمزايدة بشأنها: البحث العلمي عملية سابقة على طفرة التكنولوجيا وتقدم ظاهرة العولمة المتكرسة منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي.

الملاحظة الثانية تتمثل في أن تطور وسائل الإعلام والمعلومات والاتصال سهل حركية فاعلي العولمة، ومكن من توسيع فضاء البحوث العلمية.

لهذا السبب يجري الحديث يوماً بعد يوم عن البحث العلمي عن بعد وتبادل التجارب والخبرات عن بعد أو "البحث العلمي الشبكي" الذي لا يتطلب من الباحثين التواجد في مكان محدد.

فانفتاح الفضاءات الجغرافية جراء تكرس ظاهرة العولمة وتقدم وسائل الاتصال والتواصل جعل من انتقال البحوث والمعارف العلمية عملية ممكنة من خلال العامل الشبكي ومن خلال الاشتغال المشترك عن بعد، والمقصود هو أن انتقال المعارف وتداولها وتبادلها أصبح أمراً واقعاً في زمن العولمة.

الملاحظة الثالثة: في زمن العولمة وتطور وسائل الإعلام والتواصل والاتصال، استباح البحث العلمي كل شيء، أي انه لم يعد هناك مجال محرم على البحث العلمي أو حكراً على تمثل من التمثلات الدينية أو الأخلاقية أو غيرها، والتلميح هنا يطال البحوث حول العناصر المحولة جينياً والبحوث المتسارعة لاستنساخ الجنس البشري وغيرها، وبالتالي فكل شيء أصبح قابلاً للخضوع للتشريح العلمي والبحث التكنولوجي بصرف النظر عن الاعتبارات الدينية أو الأخلاقية أو غيرهما.

الملاحظة الرابعة: هو أن البحث العلمي والتطور التكنولوجي والإبداع لم تعد في زمن العولمة وتطور تكنولوجيا الإعلام والاتصال ترفاً أو سلوكاً فردياً مستقلاً بقدر ما أصبح اختياراً سياسياً على أعلى مستوى، فالدولة إذا لم تكن هي التي تتكفل بميزانيات البحث العلمي والتطور التكنولوجي، فإنها على الأقل تتكفل بضمان منح للشركات وللمقاولات التي تشتغل في هذا الميدان.

البحث العلمي أضحى رهاناً وطنياً لا يتزايد بشأنه لا أهل اليمين ولا أهل اليسار ولا من هم بينهما، إذ الحقيقة المركزية هي أنه في زمن العولمة وتطور تكنولوجيا الاتصالات المعلوماتية والسمعي البصري وغيرها لم يعد البحث العلمي والتكنولوجي ترفاً فردياً ولا اختياراً مستقلاً بل أصبح اختياراً وطنياً ولربما أيضاً سياسياً خالصاً.

جريدة الخليج الإماراتية، 16 غشت 2008

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال