تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"مرتزقة الموت بالعراق"

news-details

لن يدخل جورج بوش الإبن، تاريخ القرن الحادي والعشرين كونه زج بمئات الآلاف من الجنود لتدمير مقومات دولة قائمة السيادة، وتدمير حضارة توالت على حكمها دول وإمبراطوريات، وتشريد ملايين من البشر، بعدما باتوا كالطرائد، تتلقفهم الميليشيات وفرق الموت، بل سيدخله كأول من عمد إلى "تطعيم" جيشه النظامي بآلاف المرتزقة، مهمتهم الأساس التكفل بأعمال قذرة، تبدأ باستفزاز المواطنين بالشارع العام، وتنتهي بإبادة أحياء ومدن بكاملها، مرورا بتعقب هذا العالم أو ذاك السياسي أو غيرهما، بغرض تصفيته أو ابتزازه ليركن للصمت أو في أحسن الأحوال، مراقبة حله وترحاله بداخل العراق كما بخارجه.

والواقع أن حجم هؤلاء (المرتزقة أقصد) كما نوعيتهم، كما وظيفتهم، كما طبيعة السلاح المتوفر لديهم، كما المهام الموكلة لهم، إنما تشي بالقطع أنهم ليسوا قوة إسناد ثانوية للجيش الأمريكي والبريطاني بالعراق، بقدر ما هم مكون أساس من مكونات ذات الجيش، محكومين مثله بنفس الوظيفة، ولا عامل تميز من بين ظهرانيهم مع جنود المارينز مثلا، إلا العقيدة العسكرية، أو "الثقافة القتالية"، أو جهة الانتماء.

هم ليسوا أفرادا مستقلين أو ذواتا قائمة القرار. هم مستخدمون، وموظفون، وعمال منتظمون بشركات تصنف بهويتها كما بحساباتها، باعتبارها "شركات أمن خاصة" أو شركات "متعاقدة"، أو "شركات تعاقد عسكري من القطاع الخاص"، أو "مقاولات أمنية"، لا يميزها عما سواها من شركات عادية، إلا طبيعة النشاط وخصوصية الوظيفة.

وعلى هذا الأساس، فمهمتهم (كما مهمة الشركات الثاوية خلفهم)، إنما تنفيذ بنود العقدة التي تربطهم بمؤسسة الجيش، بناء على دفتر تحملات يكون الطرفان قد حددا مضمونه وميزانيته، واتفقا على المدى الزمني الذي ينصص على "آجال التسليم" وتفاصيله.

وعلى الرغم من ندرة الإحصاءات المتوفرة حول عدد هؤلاء المرتزقة بالعراق، وعدد الشركات القائمة عليهم، وطبيعة المهمات الموكلة لهم بالتدقيق، ومستوى ما يتلقونه من إيرادات، فإن الرائج من معلومات يبين:

+ أن عدد هؤلاء يتجاوز العشرين ألف نفر، ضمن تواجد عسكري أمريكي يتجاوز ال 150 ألف جندي، و41 ألف ضمن الجيش البريطاني العامل بجنوب العراق، بما معناه (في الحالة البريطانية) أن 85 بالمائة من الجنود المتواجدين ببلاد الرافدين هم مرتزقة، بنسبة 1 نظامي إلى 6 مرتزق.

+ وأن هؤلاء المرتزقة يؤتى بهم من شتى بلدان المعمور، لكنهم يأتون تحديدا من دول كان للعسكر بها أو لا يزال، زمام السلطة كالشيلي والبيرو والهندوراس والإكوادور والنيبال والبوسنة ومقدونيا وكولومبيا وغيرها، أو من بلدان كجنوب إفريقيا، تمرس البيض بظل نظامها العنصري، على المطاردة والقتل والاختطاف.

+ وأن مستخدمهم شركات "أمن خاصة" يديرها جنرالات متقاعدون وخبراء عسكريون، كانت قائمة أو أنشئت لذات الغرض، ضمنها من تصل قوته لحد امتلاكه أسطولا من الطائرات، وضمنها من يموسط لنشاطه ببورصات العالم الكبرى كأية شركة أخرى. ولعل أشهر هذه الشركات على الإطلاق، شركة "إيجيز ديفنس سرفيس" التي يديرها الجنرال البريطاني تيم سبيسر، وشركة "أرمور كروب"، الحاصلة على عقود ببغداد والبصرة (وبكابول الأفغانية أيضا)، وشركة "كنترول ريسك كروب" وغيرها... ناهيك عن العديد منها الذي يعمل في الخفاء، كالشركات الإسرائيلية، والشركات الإيرانية، والشركات التي أقامها حلفاء أمريكا "العراقيون" عندما أتوا مع الاحتلال، ممتطين ظهور ذباباته.

+ وأن هذه الشركات تتحصل على "أرقام معاملات" ضخمة، قدرت بأكثر من 100 مليار دولار مقابل عملها بالعراق (وأفغانستان أيضا). وأن شركة كشركة "كنترول ريسك كروب" مثلا، تحصلت لوحدها على أرباح تتجاوز ال 150 مليون دولار في العام 2004 لوحده، وأن بريطانيا تلجأ للعديد منها وتصرف لفائدتهم حوالي مليوني دولار أسبوعيا، مقابل ضمان حماية دبلوماسييها ومسئوليها الكبار هناك.

+ وأن هؤلاء المرتزقة (والشركات الثاوية خلفهم) ليسوا طرفا ولم يكونوا يوما، طرفا في حرب على العراق، لا تزال رحاها دائرة لحد الآن. وليست لديهم به قضية يدافعون عنها، أو يدفعون بها، بقدر ما هم أداة تنفيذ ل"مهمات" يتلقون بانتهائها مقابلا ماديا، يكون الوازع الأخلاقي والحساب السياسي آخر المفكر فيه، وهم مقبلون على التنفيذ.

ولما كانوا كذلك وأكثر، فهم يأتمرون بأوامر المستخدم/الدافع فقط، يطلب منهم حراسة منشآته الحساسة (وأولها المنطقة الخضراء) فيمتثلوا، يأمرهم بمرافقة قوافل التموين والإمداد فينصاعوا، يشار إليهم باستجواب هذا السجين أو ذاك، فيعمدوا إلى استخراج المعلومات منه طواعية، وإلا فتحت التعذيب والإهانة والابتزاز بالكرامة، يكلفونهم ب"تطهير" مدينة من "الإرهابيين"، فيدمرونها من على رؤوس أصحابها جملة وتفصيلا إن تطلب الأمر ذلك (كما وقع بالفلوجة والرمادي وتلعفر وحديثة وسامراء وما سواها)... وهكذا.

هم (كما الشركات المستخدمة لهم) مستثنين من المتابعة القضائية أمام "محاكم العراق الجديد"، ومحميين ضد المتابعات العسكرية (بحكم قانون برايمر للعام 2004)، وغير خاضعين للمساءلة من لدن قانون دولي، لم يتسن له بعد تجريم ممارسات هذه الشركات، ولا انتهاكات العاملين من بين ظهرانيها.

لذلك، فبمقدورهم ارتكاب أفظع البشاعات والمجازر (وقد ارتكبوها فعلا، ولا يزالوا على سلوكهم ثابتين) دونما خشية من مساءلة أو مقاضاة، أو تخوف من عقاب...أو رادع أخلاقي ينهيهم عما يرتكبون، سيما بالنسبة لضعاف النفوس من العراقيين، الذين تم تجنيدهم ضمن فرق الموت، أو كقناصة من على المباني والطرقات، أو كقطاع طرق ممتهنين، أو كحماة لبيوت الدعارة والرذيلة، أو كمؤتمنين على طرقات بيع النفط والمخدرت، أو كحماة لمحلات الخمر، بل ولا يتوانوا في استفزاز العراقيين وشتمهم، عندما يتقاطعون بنقط مرور، لا يكون بها لسياراتهم المصفحة أسبقية المرور.

إن الذي يقوم به المرتزقة من فظائع وجرائم ضد البشر في العراق، لا يمكن فهمه، بصرف النظر عن حجمه، إلا في سياق ثلاثة معطيات أساس، ستحكم حتما ما قد تقدم عليه الدول الكبرى من حروب مستقبلية ضد أعدائها، الحقيقيين منهم كما الافتراضيين:

°- معطى خوصصة الحروب، الذي لا يتغيأ فقط استئجار المرتزقة "للقيام بالمهمات القذرة" مع انسحاب الآمر بذلك من الصورة، بل وتعفي هذا الأخير من تكاليف الحروب البشرية التي تذهب بأرواح تؤجج نعوشها العواطف، وتتحول إلى وسيلة ضغط، ثم إلى أداة قصوى لابتزاز "القائد الأعلى للقوات المسلحة" بالبلد المعني.

لهذا السبب ولغيره، عمدت أمريكا وبريطانيا (بالعراق وأفغانستان، كما بالصومال) إلى البقاء في الظل، فأوكلت مهمة القتال (أو إشعال فتيله) لشركات، يقدم المرتزق بمجرد موافقته على مضمون العقد، يقدم روحه قربانا لدولارات معدودة، من شأنها بالمقابل تدمير مدن وحواضر، جراء سلوك فرد وشركة ليس لأهل البلد معهما، حرب أو ثأر، أو نزاع.

°- ومعطى الحرب بالوكالة، حيث تعمد الدولة الآمرة (كما بالحال مع أثيوبيا، في حربها بالصومال وكالة عن الأمريكان) لانتداب طرف ثالث، يقوم بدور الدولة/المرتزقة، ينفذ بالمهمة وفق الاتفاق، ويتقاضى بانتهائها، "أتعابه" جزاء لما قام به، أو تعويضا لمن ذهب أبناؤهم بجريرة ذلك.

بهذه الحالة، تكون الدولة الآمرة قد أدركت أهدافها عن بعد، دونما أن تظهر بالصورة، أو تتكبد خسائر مباشرة، وتكون الدولة/المرتزقة قد تحصلت غنيمة عبر جنود لها خانعين، مستسلمين، أو بالثكنات قابعين.

°- ومعطى خلق أسواق جديدة لشركات تستسهل الربح السريع، فتستجلب فقراء من هنا وهناك، تكونهم على استخدام السلاح، تدججهم بما استجد لديها من عتاد وتقنية، وتدفعهم لميدان الوغى بمقابل معتبر (بالنسبة للمتمرسين ضمنهم)، أو بأجر زهيد بالنسبة للمبتدئين، فيندفعوا جميعا بذات "الحافز"، لتدمير الأخضر واليابس تمهيدا لصياغة تقرير الشركة مفاده أن "المهمة أنجزت".

وعلى هذا الأساس، فإن الذي يقوم به المرتزقة بالعراق المحتل، لا يحيل فقط على الخوصصة المتزايدة لأدوات القتل، ولا على طبيعة الحروب المستقبلية، بل ويدلل أيضا على المنزلق الأخلاقي الخطير الذي ابتدعته الرأسمالية العالمية بداية هذا القرن: منزلق يتخذ من دم البشر فضاء للممارسة والاشتغال، أعني مجالا للربح المباشر والسريع...

إنها حقا "براغماتية" الرأسمالية الأمريكية في أبشع صورها.

* "مرتزقة الموت بالعراق"، التجديد العربي، 10 ماي 2007. موقع التحالف الوطني العراقي، 10 ماي 2007. شبكة الرافدين، 11 ماي 2007. موقع شباب المغرب، 13 ناي 2007. جريدة التجديد، الرباط، 14 ماي 2007. منتديات الجزيرة توك، 15 ماي 2007. منبر دنيا الوطن، 18 ماي 2007. القدس العربي، 18 ماي 2007. موقع هيئة علماء المسلمين في العراق، 19 ماي 2007. منتدى طالب واي، 16 ماي 2007. موقع المواطنة العراقية، 18 ماي 2007. موقع البصائر، 20 ماي 2007.

 

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال