Aller au contenu principal

"صور المثقف" لإدوارد سعيد

إدوارد سعيد (ترجمة غسان غصن)، دار النهار للنشر، بيروت، 1996، 122 ص.

بمقدمة هذا الكتاب، وهو تجميع لسلسلة محاضرات لفائدة هيئة الإذاعة البريطانية في يوليوز 1993)، يقول إدوارد سعيد: "لا شيء يشوه الأداء العلني للمثقف أكثر من تغيير الآراء تبعا للظروف، والتزام الصمت الحذر والتبجح الوطني والردة المتأخرة التي تصور نفسها بأسلوب مسرحي". ويتابع: "في كل يوم، تتعمق الهوة في الغرب وفي العالم العربي على السواء، بين الموسر والمعوز، كاشفة لدى المثقفين في مراكز السلطة لامبالاة متعالية تثير الاشمئزاز حقا...".

ويلاحظ الكاتب أن "المثقفين الذين لا مناصب لهم يحمونها، ولا مناطق نفوذ يعززونها ويحرسونها...فإن الصراحة تغلب عندهم على المراوغة والمواربة". إلا أن الأفكار التي يمثلونها "لن تجعلهم أصدقاء لذوي المراكز الرفيعة، ولن تكسبهم الحفاوة والتكريم من الرسميين...إنها حالة من الوحدانية المتوحشة، لكنها دائما أفضل من تحمل الأمور على علاتها رغبة في مسايرة الجموع".

لن أقف عند النصوص الخمسة التي تؤثث هذه "السلسلة من المحاضرات"، لأن المقام لا يسمح هنا بذلك. سأقف عند النص الذي اعتبره نصا موحدا لكل تلك النصوص.

في "صور المثقف" (وهو أقوى نص بالكتاب) يتساءل الكاتب "هل المثقفون فئة كبيرة جدا من الناس، أم نخبة رفيعة المستوى وضئيلة العدد إلى أبعد حد؟".

يقف الكاتب هنا عند موقف الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي، الذي يرى بأن "كل الناس مثقفون، لكن ليس لهم كلهم أن يؤدوا وظيفة المثقفين في المجتمع". غرامشي بنى هذا الموقف من واقعه هو، باعتباره عالما متخصصا في فقه اللغة، لكنه كان منظم الطبقة العاملة الإيطالية أيضا، لا بل إن هدف غرامشي لم يكن إنشاء حركة اجتماعية فحسب، بل أيضا "تشييد بنية ثقافية كاملة مرتبطة بهذه الحركة".

يميز غرامشي، حسب إدوارد سعيد، بين المثقف التقليدي من قبيل المعلم ورجل الدين والإداري، وبين المثقف العضوي المرتبط بنحو مباشر أو غير مباشر بالمؤسسات التجارية، التي تستخدم المثقفين لتنظيم المصالح واكتساب المزيد من القوة وزيادة السيطرة.

يقول غرامشي: "إن منظم الأعمال الرأسمالي يخلق إلى جانبه التقني الصناعي والاقتصادي في الاقتصاد السياسي، ومسؤولين لإنشاء ثقافة جديدة أو نظام قانوني جديد إلى ما هنالك".

بالتالي، فإن غرامشي، بنظر سعيد، إنما يعتبر خبير الإعلان أو العلاقات العامة "الذي يستنبط أساليب تضمن لمسحوق غسيل أو شركة طيران حصة أكبر من السوق، مثقفا عضويا".

المثقف العضوي هنا هو إنسان يتحرك باستمرار لاستقطاب الزبناء، لتغيير مواقفهم وتوسيع الأسواق. فالمثقفون العضويون هم "دائمو التنقل، دائمو التشكل، على عكس المعلمين والكهنة، الذين يبدون وكأنهم باقون في أماكنهم، يؤدون نوع العمل ذاته عاما بعد عام".

بيد أن إدوار سعيد لا يتماهى كثيرا مع هذا الطرح، طرح تحويل المثقف إلى مجرد مهني لا وجه له، أو عضو كفؤ في طبقة ما لا يهتم إلا بأداء عمله.

يقول الكاتب: "فالحقيقة المركزية بالنسبة إلي كما أعتقد، هي أن المثقف وهب ملكة عقلية لتوضيح رسالة أو وجهة نظر أو موقف أو فلسفة أو رأي أو تجسيد أي من هذا، أو تبيانها بألفاظ واضحة، لجمهور ما وأيضا نيابة عنه".

بيد أنه يلاحظ أن لهذا الدور محاذيره، إذ "لا يمكن القيام به دون شعور المرء بأنه إنسان مهمته أن يطرح علنا للمناقشة أسئلة محرجة"، ويجابه المعتقد التقليدي والتصلب العقائدي بدل أن ينتجها. ويكون شخصا ليس  من السهل على الحكومات أو الشركات استيعابه".

من جهة أخرى، يلاحظ المؤلف أنه ليس ثمة مثقف خاص "لأنك تدخل العالم العام منذ اللحظة التي تكتب فيها كلماتك ثم تنشرها".

ويخلص الكاتب إلى القول بأن المثقف ليس "عنصر تهدئة ولا هو خالق إجماع. وإنما إنسان يراهن بكينونته كلها على حس نقدي، على الإحساس بأنه على غير استعداد للقبول بالصيغ السهلة أو الأفكار المبتذلة الجاهزة، أو التأكيدات المتملقة والدائمة المجاملة، لما يريده الأقوياء...ولما يفعلونه".

نافذة "قرأت لكم"، 14 يوليوز 2022  

Vous pouvez partager ce contenu