Aller au contenu principal

"ثقافتنا في ضوء التاريخ"

عبد الله العروي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1997، 122 ص.

يتعرض عبد الله العروي في هذا الكتاب، لمجموعة من القضايا والمفاهيم الإشكالية الكبرى، سنعرض هنا لأهمها، لا سيما لمفهومي التاريخ والتاريخانية.

يقف الكاتب، في تحديده لمفهوم التاريخ، عند مفارقتين اثنتين: الأولى وتتعلق بالقول بأن الإنسان تاريخي بالتعريف، "بيد أنه لم يع تاريخيته إلا مؤخرا". أما الثانية: أنه "بمجرد ما وعى الإنسان تاريخيته، اتجه إلى نفيها وذلك بالسرد التاريخي نفسه".

عندما يتحدث هنا عن السرد، فإنه يحيل على مسألة العلاقة بين التاريخ والأسطورة، لا سيما وأن هذه الأخيرة "ترتب الأحداث ترتيبا زمنيا". وبهذا، فهي تحتكم لزمان مخالف لزمان السرد التاريخي..."إذ لا تعنى الأسطورة بتتابع الأحداث بقدر ما تهدف إلى الكشف عن الثابت من خلال المتغير العابر. فهي بالتالي وسيلة لتغليب الثابت على المتحول. وبما أن هدفها مختلف عن هدف السرد التاريخي، فإنها لا تختفي مع نشأته، بل تتساكن معه في كثير من الأحيان، دون أن تسلبه خصوصيته".

ويتساءل صاحب الكتاب: هل للعرب فلسفة تاريخ خاصة بهم؟ ويجيب: ..." لا توجد فلسفة تاريخ واحدة في الفكر العربي الإسلامي، بل فلسفات متعددة. نستطيع أن نستخرج من كل قطعة أدبية نظرة إلى المصير: من الشعر الجاهلي، من القرآن، من الحديث، من القصص الشعبي. كما نجد فلسفة تاريخ واعية بذاتها ومفصلة عند كبار فقهاء الباطنية والمتصوفة".

في حديثه عن التاريخ والتاريخانية، يحدد العروي التاريخ بمعناه التقليدي في كونه "التاريخ المكتوب. واختراع الكتابة مرتبط في الشرق الأوسط بالاستقرار والتمدن ونمو التجارة. وكما أن التجارة تشجع على استعمال الحروف والأرقام، فإنها تشجع على المحافظة على العقود".

أما فيما يرتبط بنشأة التأليف التاريخي العربي، فيرى الكاتب "أن القرآن يفرق بين الأخبار وبين الأساطير...". لذلك اعتمد علم التاريخ، علم الرواية والتصنيف، على "أسلوب العقد والشهادة على المتعاقدين".

إذا التزمنا هذا التصور، يتابع الكاتب، ندرك أن "الرواية التاريخية تهدف إلى الكشف عن بدايات الأنظمة السياسية، بخلاف الأسطورة التي تكشف عن بداية الكون".

التاريخ، بنظر الكاتب، هو "مجموعة أدوار ومواقف معروفة ومحدودة، يطلع عليها القارئ ويتقنها ليختار صورته في السجل اللاحق. هل يريد أن يكون مثل علي أو مثل معاوية؟ بجانب يزيد أو بجانب عمر بن عبد العزيز؟".

بالتالي، فإن التاريخ العربي هو هذا "التأليف العربي عن وقائع إنسانية بطولية مأساوية، أي سياسية، بنظرة متميزة عن نظرة الفيلسوف أو المتصوف أو الباطني".

لدى حديثه عن التاريخانية، يلاحظ المؤلف أن المؤرخ إذ يؤرخ، "إنما يعبر عن فلسفة في الحياة لا يتعداها أبدا. هذا هو أساس المذهب التاريخاني...التاريخانية هي فلسفة المؤرخ إذ يؤرخ، كما أن الوضعانية هي فلسفة العالم إذ يعمل في مخبره".

بيد أن الكاتب يستدرك ليدقق: " ليست التاريخانية مذهبا فلسفيا تأمليا، وإنما هي موقف أخلاقي يرى في التاريخ بصفته مجموع الوقائع الإنسانية، مخبرا للأخلاق، وبالتالي للسياسة". ويتابع: "لا يعنى التاريخاني بالحقيقة بقدر ما يعنى بالسلوك، بوقفة الفرد بين الأبطال. التاريخ في نظره هو معرفة عملية أولا وأخيرا".

إن المؤرخ بنظر العروي، "لا يصف الماضي كماض، وإنما يصف الماضي المستحضر في ذهنه. ليس إذن العالم التاريخي عالم أموات، بل عالم مثل متواجدة في ذهن المؤرخ".

Vous pouvez partager ce contenu