تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

فضائية "الحرة"

news-details

أطلقت الخارجية الأمريكية، أواسط شهر فبراير الماضي، محطة فضائية موشومة باسم "الحرة"، قام على إنشائها إعلامي لبناني-أمريكي الجنسية، بميزانية سنوية تتعدى الستين مليون دولار للسنة 2004 لوحدها، تبث بشروط تفضيلية على القمرين "العربيين" نايلسات وعربسات وتتخذ من ولاية فرجينيا (بضع دقائق من البيت الأبيض) مقرا مركزيا لإدارتها.

ولما كان خطاب ذات المحطة مقصورا حصريا على المنطقة العربية، فإن لغتها حتما هي العربية كما أن معظم العاملين بها من الصحفيين إنما هم عرب مستعربة شأنهم في ذلك شأن العاملين بهيئة الإذاعة البريطانية أو بصوت أمريكا أو بالمحطات الأجنبية الأخرى الناسجة على منوالهما...لا تمييز كبير بينها مجتمعة إلا طبيعة الرسالة ووسائل تبليغها والغاية المتوخاة منها.

هي محطة فضائية حكومية بامتياز حتى وإن كانت ممولة من مخصصات الكونغرس أو تضم في مجلس أمنائها جمهوريين وديموقراطيين على حد سواء. وهي كذلك أيضا ليس فقط بوجود وزير الخارجية الأمريكي في ذات المجلس ولكن أيضا بالخلفية والفلسفة الثاوية وراء إنشائها في هذا الظرف بالتحديد لا بسواه:

+ فالخلفية التي حكمت إنشاء "الحرة" إنما استنبتها واقع تزايد الكره بإزاء سلوك أمبراطورية تجاوزت في خطاباتها وممارساتها كل قيم القانون والأخلاق المتعارف عليها ودهست بقوتها وجبروتها حقوق الآخر وخصوصياته دونما قوة ردع مضادة تذكر.

+ والفلسفة الموجهة لسياسة ذات المحطة إنما تنبع، في تصور القائمين عليها إنشاء وتسييرا، من "ضرورة خلق أجيال جديدة بالمنطقة العربية تكون أكثر تفهما للسياسات الأمريكية بالعالم العربي"... بعدما "عانت ذات السياسات من سوء الفهم من لدن أبناء المنطقة أو من تغييب سبل مد الجسور من لدن حكامها".

+ وأداة التخاطب لديها مزيج من العربية الفصحى ومن اللهجات العربية المحلية يعمل على تكريسها صحفيون "عرب" تم انتقاؤهم بدقة وتكوينهم للغاية هاته بعدما تم التأكد من ولائهم للقناة وتوفر القابلية لديهم على خدمة خطها التحريري دونما تساؤل أو استفهام أو تردد.

+ والهدف الأكبر من إطلاقها الآن إنما تأتى من القناعة بضرورة تقليص "حجم الضرر" الكبير الذي ألحقته بالإدارة الأمريكية بعض من الفضائيات العربية التي اتضح مع مرور الوقت أن سقف الحرية بصلبها قد ارتفع نسبيا إذا لم يكن في المطلق فعلى الأقل قياسا إلى القنوات العربية الرسمية الجامدة والعقيمة والعديمة الجدوى وما إلى ذلك.

فضائية "الحرة" الحكومية الأمريكية أتت إذن لتتميم رزمانة المشروع الإعلامي الأمريكي الموجه للمنطقة العربية والذي انطلق مع "راديو سوا" ومجلة "هاي" والذي ستتكرس مفاصله الأساسية مع برامج إعادة تشكيل المنظومة التعليمية والتربوية للمنطقة العربية برمتها عبر تغيير المناهج المتعلقة بها شكلا كما في المضامين.

هي فضائية عامة لا تكترث شبكتها البرامجية كثيرا بتفاصيل الأمور ولا بعمق النظرة إليها...هي، لو كان للمرء أن يبحث عن مقابل لها مباشر، قناة رسمية تماما كالتي عهدناها ونعهدها اليوم في جل فضائياتنا الرسمية المبجلة للسلطان، المادحة لأولي الأمر، النافية لشتى أشكال الغبن والقهر والطغيان السائدة من بين ظهرانينا ولأكثر من خمسة عقود مضت ولربما قبل ذلك بكثير.

بالتالي فتوظيف أدوات " تحليل المضامين" لاستقراء أدائها أو إعمال المناهج لسبر نبرات الخطاب المتضمن لبعض من برامجها وتعاليقها لن يجدي كثيرا في هذه الحالة مادام تدشين إرسالها قد انطلق باستجواب للرئيس الأمريكي ذاته حدد لها إثره "مفاصل الكلمة والصورة"، أثنى عليها كونها " تقوم بعمل جيد" ورسم لها بالتالي المنهج والمسلكية و"الطريق القويم".

هي فضائية ترفع أمريكا من خلالها (بجهة المنطقة العربية) شعار الحلم والحرية تماما كما رفعه من ذي قبل  صوت "أوروبا الحرة" و"راديو الحرة" عندما كانت الحرب الباردة المعلنة على المعسكر الشرقي في أشدها وعلى كل المستويات سيما الإعلامي ضمنها.

إنها قناة موجهة بامتياز  ليس فقط على اعتبار الغاية من إنشائها (" تعميم الحرية والديموقراطية" كما أشيع ويشاع) ولا بحكم الخلفية والفلسفة الحاكمتان لصيرورتها، ولكن أيضا بحكم طبيعة الخطاب الذي تمرره وستمرره والذي لن يخرج، بأي حال من الأحوال، عما تتبناه الإدارة الأمريكية وتبني له بالقول والسياسة والفعل.

لن يكون من الموضوعي في شيء أن يزايد المرء على الإدارة الأمريكية حقها في إنشاء إذاعة أو فضائية أو ما سواها، فالسماوات أضحت مفتوحة إلى حد بعيد (وللتكنولوجيا الأمريكية ومنتجاتها التلفزيونية والسينمائية الفضل الأوفر في تكريس ذات الانقتاح).

وليس من الموضوعي أيضا أن يفترض المرء توافر شروط ما لدى هذه الفضائية أو تلك حتى يرضى عنها أو ترضي هي ذوقه...إذ القائم الثابت أن كل وسيلة إعلام هي صوت هذه الجهة أو تلك، بهذه الطريقة أو تلك، بهذه الصيغة أو تلك. لكن الشاذ حقا والمثير للدهشة أيضا، في حالة "الحرة"، إنما صيغ التبرير المقدمة وطبيعة المسوغات المدفوع بها والتي لا قدرة لها على الصمود عند وضعها على محك الملاحظة والتحليل:

+ ففضائية "الحرة" أنشئت على خلفية من اعتقاد الإدارة الأمريكية بأن أداء بعض من الفضائيات العربية " قد أضر بصورتها" سيما بعد غزوتي أفغانستان والعراق واحتلالها لهما أرضا ودولة وشعبا.

وهو اعتقاد قد لا يجانبه الصواب كثيرا إذ التميز النسبي لأداء بعض من هذه القنوات العربية (في ذبول عطاء س.ن.ن أساسا) قد ساهم وإلى حد كبير في فضح السلوك الأمريكي وتبيان تحيزه وطغيان فصيل متطرف ومتصهين تم تداول "أعضائه" بالإسم والصفة والسجل التاريخي.

لكن ذات الاعتقاد (على حقيقته النسبية) إنما يشي بأن لا اختراق هناك يذكر للإعلام العربي (أو بعضا منه على الأقل) من لدن المؤسسة الحاكمة بأمريكا...وهو أمر غير صحيح إذ جزء من ذات الفضائيات إنما هو مكمن اختراق من لدن المؤسسة إياها إذا لم يكن اختراقا مباشرا، فهو بالتأكيد بالتأثير المضمر.

لا يروم التلميح هنا القول بجموح هذه الفضائية أو تلك  في تبرير السلوك الأمريكي، لكن ذات الجموح  يبرز بطرق ناعمة من خلال شتى أشكال الاختراق السيميائي الذي قد لا يستشعره المرء آنيا لكنه سرعان ما يفعل في مخياله مع الزمن...وللذين يصعب إقناعهم أن ينظروا كيف تحولت، بالعديد من الفضائيات العربية، عبارة العمليات الاستشهادية إلى عمليات فدائية ثم إلى عمليات انتحارية كي لا نقول تخريية كما تذهب إلى ذلك أمريكا وإسرائيل في حال المقاومة بالعراق كما في حال فلسطين وأفغانستان.

+ وفضائية "الحرة" تدفع بأطروحة "خلق أجيال جديدة تكون أكثر تفهما للسياسة الأمريكية بالعالم العربي..." تماما كما لو كان الأمر (ولا يزال) مجرد سوء فهم من الممكن مداواته عبر "ربط جسور من التواصل" و"مد خيوط للتقارب بين العالمين".

لكن الحاصل أن الأجيال العربية الحاضرة ولربما أكثر القادمة، لا مركب نقص لديها مع أمريكا ولا مع الثقافة الأمريكية ولا مع مظاهر التقدم والرقي بأمريكا...فهذه الأخيرة قد بلغت ذلك بالعمل والاجتهاد وبفتح سبل التنافس والإبداع لأبنائها.

إن الذي يخلق الضغينة لدى هذه الأجيال (والكراهية السوداء عند الأجيال المقبلة) إنما السلوك الأمبراطوري الذي عمدته الإدارة الأمريكية الحالية بدوسها على حقوق الدول والشعوب، على كرامة الأفراد والجماعات لمجرد أن حقوقهم تتعارض مع حقوقها أو تتنافى مع ما تراه ذات الإدارة مصالحها أو مكمن رفاهيتها.

لن تستطيع "الحرة" بالصورة، ولا " سوا" بالصوت ولا "هاي" بالكلمة، لن يستطيعا  بذات الأدوات إصلاح ما عمد على إفساده ساسة يمينيون، متطرفون، متصهينون...بالتالي، فلن تكون الوسائل هاته إلا أدوات لعكس سلوك ذات الساسة وإشاعة الإيديولوجيا المتشبعين بها، الممررين لمفاصلها على أرض الواقع.

+ وفضائية "الحرة" تمرر بالصورة لفضائل الحرية ومزاياها بالنسبة للفرد والجماعة بالعالم العربي...ونحن ننشدها قلبا منذ الصغر. لكن القالب المصاغة بصلبه إنما يثير التساؤل والاستفهام: هل الرسالة موجهة لنا نحن الذين ننشد الحرية أم للذين سلبوها ويسلبونها منا يوما بعد يوم تحت هذا المسوغ أو ذاك؟

إذا كان مضمون الرسالة موجها لنا فنحن دعاة حرية قبلها. وإذا كان موجها لأولي الأمر من بين ظهرانينا فلكأني بها تدعونا للانتفاض عليهم بغاية انتزاعها؟

ثم لو سلم المرء بصدقية ائتمان أمريكا على مبدأ الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان...فأينها بالعراق وفلسطين وأفغانستان حيث تزهق الأرواح بسادية ندر مثيلها في التاريخ وتنتهك الأعراض وتسلب الممتلكات وتشرد العائلات وتدهم البيوت وتدمر فوق رؤوس أصحابها...عن أية حرية ستدافع "الحرة" يا ترى؟

لا تنتابنا أدنى ذرة شك، تماما كما لم تنتبنا من ذي قبل عندما كتبنا عن شقيقتها "سوا"، بأن فضائية "الحرة" إنما هي ماكينة بروبغندا أنشأتها إدارة توفرت للقائمين عليها شتى ضروب القوة العسكرية والتكنولوجية والإعلامية لتغدو جبروت العصر بامتياز إذا أمكن ذلك بالسلطة الناعمة فذاك وإلا فبقوة النار والحديد...

إنها إدارة مكارثية جديدة تستهجن الاختلاف والتعدد ولا معرفة لديها تذكر بما هي منظومات القيم الأخرى وعقائدها...إذا لم تكن أداة بروبغندا فلماذا لا تبث بداخل أمريكا حيث يمنع القانون وسائل الإعلام الناطقة على أساس هذه الخلفية؟

إنها فضائية عدوانية تماما كما هي عدوانية الإدارة المشرفة عليها...إذا لم يكن الأمر كذلك، فما السر في وصفها لأعمال المقاومة بالعراق بكونها أعمال تخريبية تماما كما يعتقد بذلك بوش ووزراؤه ومستشاروه؟

وإذا لم يكن الأمر كذلك وأكثر فما تفسير التعتيم الذي تنهجه في تغاضيها عما يقوم به جنود الاحتلال بالعراق من قتل وتدمير ودهم ومصادرة ومحاصرة وتقطيع لأوصال الأحياء والمدن بنقط التفتيش وحواجز المراقبة تماما كما تقوم بذلك إسرائيل مع سكان الأرض الأصليين بفلسطين؟

إنها فضائية عنصرية بامتياز ليس فقط لأنها تقدم الأمريكي في كونه "العنصر المحرر " أو "المضحي بروحه من أجل الحرية"، وليس فقط لأنها تدفع بحقوق الإنسان والديموقراطية بهذه المنطقة من العالم أو تلك، ولكن أساسا لأنها تدافع عن تصور واحد وموحد دون الدول والشعوب ودون اعتماده الحصار والضغط والتشويه والمقاطعة...إنها نموذج الفكر الواحد الذي تعمل الإدارة الأمريكية على ترجمته بالصورة بعدما تسنى لها تكريسه بالسلوك والممارسة.

تبدو فضائية "الحرة" إذن، بمقاييس المصداقية، فضائية تافهة إذ لا تعدو بالمحصلة سوى كونها أداة لأمبراطورية بدأ عدها العكسي في الاحتساب مذ بدأت تضرب أشباه الدول وتنكل بدول متعبة بالحصار ما كان لأمبراطورية مثلها أن تستعرض مستجداتها الفائقة بأجساد مواطني ذات الدول الحفاة، العراة والجوعى...

وهي فضائية، بمقياس المهنية، تافهة أيضا ليس فقط بالاحتكام إلى ضعف شبكتها البرامجية وتدني عطاء صحفييها، بل وأيضا احتكاما إلى السطحية التي تطبع تناولها للقضايا المطروحة، وكذا ضعف مؤطريها لذات القضايا.

إنها، في اعتقادنا، مولود ميت كما هو حال شقيقتها بالصوت ورفيقتها بالكلمة...إنهم مجتمعين أدوات منظومة في التجبر والاستكبار واحتقار الآخر وإهانته واستصغار منظومة قيمه...ولما كانت كذلك وأكثر، فإنها لن تستأثر إلا بمشاهدين (ومستمعين وقراء) شاذين، تافهين، غير مدركين...فليسعدوا بحرية "الحرة" ولتسعد بهم...

جريدة العلم، 30 مارس 2004

يمكنكم مشاركة هذا المقال