يطرح مصطلح "المجتمع الإعلامي"، في تصور الكاتب أكثر من تساؤل وأكثر من ملاحظة لا على المستوى القطري (الأقطار المتقدمة بالخصوص) فحسب، ولكن فيما يخص محاولات تعميمه ليشمل "المجتمع الكوني أيضا".
+ الملاحظة الأولى، وتتعلق باختلال العلاقة بين العرض التكنولوجي ومستويات الطلب المتوافرة لدرجة يصدق معها القول بوجود محددات تكنولوجية للعملية الإعلامية والاتصالاتية ترسم وتنمط أساليب الاستهلاك والاستعمال وتوجه معالمه وهياكله.
+ الملاحظة الثانية، وتكمن في كون "الانخراط" في هذا المجتمع الإعلامي ليس في متناول كل الشرائح الاجتماعية بحكم تعقيداته (حتى وإن سلمنا بفرضية توافر الشروط المادية لاقتحامه)، ناهيك عن صعوبة مسايرته.
+ الملاحظة الثالثة، وتتمثل في تراجع الفكر والإنتاج الفكري الهادئ والمعمق. فحتى وإن مكنت أوتوستراد الإعلام والاتصال (والإنترنت جيلها الأول بامتياز) من الاطلاع على كبريات الموسوعات وأمهات الكتب، فإنها لا تعدو كونها جزءا من "الزمن العالمي" المهووس بالسرعة والآنية، وضمنيا بالإنتاجية والربحية.
أما مفهوم "المجتمع الإعلامي الكوكبي" الذي يروج له رعاة "النظام العالمي الجديد"، فيبقى هو الآخر مفهوما مركبا ومحملا بإيديولوجية ضمنية تثير تساؤلات المؤلف على أكثر من مستوى وتفرض مجموعة ملاحظات:
+ الملاحظة الأولى، وتكمن في القول بأن "المجتمع الإعلامي الكوكبي" لا يعدو كونه طرحا إيديولوجيا خالصا وضربا من ضروب المزايدات "الفكرية العقيمة". إذ كيف نفسر انتماء حول العالم الثالث إلى هذا المجتمع الإعلامي ومعظمها لا تتوافر فيها الطرق ناهيك عن الأوتوسترادات.
+ الملاحظة الثانية، وتتعلق بما يسمى "دمقرطة" تكنولوجيا الإعلام والاتصال للعلاقات الدولية وداخل الدولة الواحدة بحكم شعار تعايش الدول والشعوب داخل مجتمع كوكبي واحد موحد، وبدليل ما رأيناه من تعرية هذه التكنولوجيا لديكتاتوريات أبادت شعوبها وأخرى ما زالت تجتهد في إبادتها.
إلا أن الإحساس بالتعايش في إطار "المجتمع الإعلامي الكوكبي" إنما هو شعور كاذب. إذ تهتم الشركات المتبنية لهذا الخطاب (ودولها الأم) بدمقرطة العلاقات داخل الدول وفيما بينها بقدر ما تهتم بتوسيع فضاء إنتاجها وربحيتها على غرار ما فعلته البعثات الدينية في عهود سابقة لتكريس نمط العيش والاستهلاك والتفكير الغربي.
+++ عولمة تكنولوجيا الإعلام والمسألة الثقافية
بحسب الكاتب، تم الترويج لخطاب عولمة تكنولوجيا الإعلام والاتصال والمسألة الثقافية لظاهرتين أساسيتين اثنتين:
تتجلى الظاهرة الأولى في وجود ثقافة عالمية موحدة ومهيمنة تتعامل بها وفي إطارها جل دول العالم الثالث في ظل العولمة، وأنه لا مجال، على هذا الأساس، للحديث عن ثقافات وطنية أو عن خصوصيات ثقافية. أما الظاهرة الثانية، فتتمثل في ما دار ويدور حول أطروحة الغزو والاختراق اللذين تتعرض لهما "الثقافات المتدنية" ويعنى بها ثقافات دول العالم الثالث، وإلى حد ما ثقافات بعض الدول المتقدمة.
ينطلق الطرح المتبني لوجود ثقافة عالمية موحدة من مفهومي العولمة والشمولية، وهما محض مصطلحات اقتصادية تعني أن فضاء الإنتاج والتسويق قد توسع تدريجيا. والمقصود أن ما يسمى بالخصوصية الثقافية لم يعد، في ظل العولمة والشمولية، فضاء مستقلا بذاته بقدر ما أصبح جزءا من سوق عالمي يتحكم فيه منطق رأس المال المتعدد الجنسيات، وتتكرس في عمقه أطروحة الأحادية الثقافية، وهو ما يعمل على تمريره باستمرار ما يسمون ب" أسياد العالم"، كما نقرأ في مضمون تصريح صادر عن والتر ريستون، المدير السابق لبنك ستيكورب، مفاده أن السوق المالي الدولي لن يعود أبدا إلى حدوده الوطنية القديمة، فالمال والأفكار تتخطى الحدود بطريقة وبسرعة لم يسبق لهما مثيل، وهي هجمة على سيادة سلطة الحكومات".
كما نقرأ لنعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان في مؤلفهما المرجعي "صناعة الإذعان": "إن نظام وسائل الاتصال الجماهيرية يمكن من نقل الأخبار والرموز إلى الجمهور العريض. فوظيفة هذه الوسائل هي تسلية الأفراد وإخبارهم، وأيضا إقحام هؤلاء الأفراد في القيم والمعتقدات ونظم التصرفات الكفيلة بإدماجهم في الهياكل المؤسساتية للمجتمع الواسع. وكي يستقيم هذا الدور في عالم تتركز فيه الخيرات وتشتد فيه الصراعات بين الطبقات، يجب انتهاج سياسية تشهير واسعة".
إن اعتبارات القوة هي التي بدأت إذن، وبعمق، في تحديد الإنتاج الثقافي، سواء تعلق الأمر بإبداع وإذاعة الأفلام والبرامج التلفزيونية، أو التقاط وتوزيع الأخبار، وإلى حد ما الإبداع الأدبي ونشره. وهكذا، على الرغم من كون الفضاء الثقافي العالمي لم يخضع كله لمنطق العولمة والشمولية، فهناك إحساس عميق بتجدر "جو عام مطابق لاحتياجات النظام".
وعلى غرار قطبية الاقتصاد العالمي، ولنقل تعدد قطبيته "عولمة الاقتصاد" يشير الكاتب إلى أننا نلاحظ نفس القطبية، أو تعددها، في الميدان الإعلامي والثقافي. ف"التلفزة والسينما والكابل والصحافة وبنوك المعلومات وبرامج المعلوميات تتجمع داخل وحدات أعمال عملاقة تمتلكها حفنة من الشركات لا تعير كبير اهتمام للتمييز بين عالم الأعمال وأعمال العالم". فهي تمهد وتمأسس للعولمة والشمولية، وتعمل ببساطة وفق منطق ومعايير حددتها بنفسها للسوق الدولي (الواحد) وللمستهلك الواحد (الموحد).
+++ مواجهة "الثقافات المتدنية" للثقافة العالمية الواحدة
يكاد بعض المهتمين بالعلاقات الدولية يعتقد بأن مسألة الثقافة، في ظل العولمة والشمولية والثورة التكنولوجية، لم تطرح بجدية كبيرة إلا أثناء الإعداد لإنشاء "المنظمة العالمية للتجارة" (WTO) لكونها تزامنت مع مطالبة أغلب دول العالم، ولا سيما ذات الثقافات "المهددة"، بضرورة استثناء هذه المسألة، نظرا لدقتها وحيوتها وحساسية الظرف الذي طرحت فيه، وكذلك خطورة المصير الذي من الوارد أو من المقرر أن "تخضع له"، لتبزغ أسئلة قلقة يتقدمها سؤال مصير "الثقافات القطرية"، أو باستفسار المؤلف: هل انتهت أو تراجعت السيادة الثقافية بتقدم وهيمنة "الثقافة العالمية"؟ وهل سلمت الدول والشعوب بأطروحة أن الثقافة إنما هي صناعة تنتج سلعا وخدمات مثلها في ذلك مثل باقي الصناعات؟
ثمة خمس ملاحظات هامة جدا، يوردها المؤلف في سبيل وضع الأرضية للإجابة عن هذا السؤال:
الملاحظة الأولى تتعلق بمكانة الثقافة في "فلسفة" واستراتيجيات شركات الإعلام والاتصال الكبرى (وهي في معظمها أمريكية) في عصر أهم خصائصه: العولمة والشمولية وتعدد القطبية الاقتصادية، ونحن لا نعتقد مع المؤلف أن هذه الشركات تعير الثقافة كبير أهمية. فهي لا تتعامل معها إلا بالقدر الذي يخدم أهدافها وتطلعاتها في خلق مجتمع استهلاكي عالمي موحد ونمط تفكير – ولنقل "رؤية" تقدس السلعة والمبادرة الحرة "وديموقراطية" السوق. وبالتالي، فالثقافات الأخرى إنما توظف وتكيف "وتنمط" لخدمة مصالح العولمة والشمولية ومن ورائهما الروحية والإنتاجية وتوسيع الأسواق.
والملاحظة الثانية ترتبط بما سمعناه وقرأناه قبل وخلال وبعد حفل توقيع "ميثاق" المنظمة العالمية للتجارة من خطاب حول مسألة "الاستثناء الثقافي". وهو الطرح الذي تبنته أوروبا الغربية بزعامة فرنسا، باعتبار أن المسالة الثقافية لا يمكن أن تطبق عليها المعايير والقوانين التي تخضع لها السلع والخدمات بحكم خصوصيتها وارتباطها بقضايا السيادة والهوية والحق في التميز.
الملاحظة الثالثة تكمن في التهميش شبه المطلق لدول العالم الثالث، والتعامل معها لا كخصوصيات ثقافية لها ما يميزها، ولكن كجزء من مجتمع استهلاكي عالمي تحدد فلسفة وتوجهاته انطلاقا من ثقافتين:
- الثقافة الأنجلوساكسونية المهيمنة على وسائل الإنتاج والتوزيع المعرفي بحكم امتلاكها ل" التكنولوجيا الثقافية" عتادا وبرامج، وقدراتها على التصرف في مكونات وخصوصيات ما يعرف ب"الثقافات المتدنية" وفي مقدمتها ثقافات العالم الثالث.
- والثقافات الجهوية (الفرنكوفونية بالنسبة لإفريقيا، الإيبيرية لأمريكا اللاتينية) التي خلقت لنفسها متنفسا أو سبيلا لدرء مخاطر المنافس الأمريكي لدى الشعوب وأمم أفقدتها الحروب والأزمات آدميتها فكم بالأحرى ثقافتها.
الملاحظة الرابعة تنطلق من الاعتقاد التالي: منذ بداية هذا القرن لم تعد الثقافة هي صانعة الاقتصاد (باستثناء اليابان ربما)، بل أصبح الاقتصاد والمال هما صانعي الثقافة. بمعنى أن القوة الاقتصادية والمالية للأمم هي التي تمكنها من فرض ثقافتها وتهميش "الثقافات التابعة" باتجاه السيطرة عليها لا نفيها.
الملاحظة الخامسة تتمثل أساسا في محدودية مصطلحات "الغزو الثقافي" أو "الاختراق الثقافي" أو "الاستعمار الثقافي" المستعملة لكشف ما تمارسه الشركات المتعددة الجنسيات. فهي، في اعتقاد المؤلف، لا تمارس الغزو ولا الاختراق من أجل الاختراق ـ لأن عصر الاستعمار المباشر انتهى بحكم انفصامه عن "المنطق وفلسفة الجديد" ـ بل توظفه في ما يتراءى لها في عصر العلم والمعرفة متطابقا وفلسفة عولمة الاقتصاد ورأس المال. بالتالي، فالغزو والاختراق لا يوظفان كهدف بقدر ما يتخذان وسيلة لتوسيع فضاء رأس المال ومجالا لترويج السلع داخله.
+++ العولمة وإشكالية الغزو الثقافي
تعتبر تكنولوجيا الإعلام والاتصال، فضلا عن تنامي خطاب العولمة والشمولية، إحدى وسائل تنميط وتأطير الأفراد والجماعات لا على مستوى الإنتاج المادي "والمعرفي" فحسب، بل وعلى مستوى استهلاك "المادة الإعلامية والاتصالاتية" كذلك، ودرجة فعلها في هياكل الاقتصاد ومدى تأثيرها في تشكل البنى الاجتماعية والاقتصادية.
من هنا، فالحديث عن الغزو في العلاقة مع الآخر (مع الغرب) قديم قدم العلاقة نفسها: الغزو العسكري في مرحلة تكوين الإمبراطوريات، والغزو الاقتصادي في مرحلة الصراع على الأسواق. ولعل هما أشهر ما عرف التاريخ وأعنف ما عانت منه الشعوب والأمم المغلوب على أمرها. لئن كان اشتداد هذين النوعين من الغزو قد خف مع تراجع التوتاليتاريات (الكليانيات) العسكرية، وتراجع أهمية الأسواق الخارجية باعتبارها مصدرا للمواد الأولية واليد العاملة لا باعتبارها منافذ ذات أهمية استهلاكية، فإن المفهوم نفسه ما كان له إلا أن يتكيف مع تطور العلاقات الدولية. وبالتالي، ففي زمن العولمة والشمولية وانتصار القطبية، أصبح من المسلم به أن ظاهرة الغزو لم تندثر ولم تتراجع بقدر ما غيرت لبوسها لتتلاءم وواقع العصر الجديد.
ليس الغزو الثقافي حسب المؤلف أو الاختراق الثقافي (بتعبير محمد عابد الجابري) إلا مرحلة غزو واختراق للنفوس بعدما غزت القوة الأبدان والأجساد. والهدف من إخضاع النفوس إنما هو "غزو العقل، تكييف المنطق، توجيه الخيال، صنع الأذواق، ترسيخ نوع معين من القيم، تكريس إيديولوجيا خاصة، إيديولوجيا الاختراق"، كمرحلة لا مناص منها لتوسيع الفضاء الإنتاجي وتكريس نموذج "النظام الاستهلاكي" المهيمن، أي النظام الاستهلاكي الغربي المقدس للسلعة وللمستهلك. وهكذا نقرأ لجاك ديلكور: "إن ما يميز العصر الراهن هو ظهور نوع جديد من الغزاة: المجموعات المالية والاقتصادية عوض الدول "المحلية". هؤلاء الغزاة الجدد لا يتبنون نشر حضارة أو دين أو ثقافة أمة من الأمم، بقدر ما يعترفون بأن عملهم إنما هو غزو لا أقل ولا أكثر، مدللين على ذلك بالقول: إذ لم نفعله نحن فسيفعله غيرنا".
قد يكون وراء الاستهداف الثقافي الغربي تصفية حسابات ضيقة مع حضارات أبانت عن دينامية كبيرة طوال مدة لا يستهان بها من التاريخ كالحضارة العربية – الإسلامية. وقد يكون الهدف من وراء ذلك "الإجهاز على ما تبقى منها كثافة للحيلولة دون أخطار انبعاثها من جديد" حسب الجابري.
قد يجوز هذا الطرح نظرا لما تتعرض له هذه الحضارة من شتى أوجه التشنيع والتمييع. وقد لا يجوز على ضوء الهيمنة المطلقة ل"النظام / العالم" (وهو رأسمالي بطبيعته)، والتي لا تترك فرصة لظهور قوى منافسة أو مناقضة. إلا أن الكاتب يعتقد أنه بغض النظر عن كل هذا وذلك، فليس ثمة غزو من أجل الغزو، وليس ثمة استهداف من أجل الاستهداف، لأنه حتى لو سلمنا جدلا بحنين بعض العقليات إلى عصور الحروب الصليبية، فإن مرحلة ما بعد انتصار الرأسمالية والليبرالية إنما تعمل وفق منطق المصالح والربحية لا على أساس الصراعات ذات المسببات الفردية أو النعرات الشخصية.
وحاصل القول في ثنائية العولمة والغزو الثقافي، أن هذا الأخير يبقى في زمن العولمة والشمولية وثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال مجرد شرط مسبق لغزو أهم وأفيد، ويعني به الكاتب الغزو الاقتصادي والمالي والتكنولوجي.
جريدة أخبار العرب الإماراتية، يومية، أبو ظبي 13 دجنبر 2002 (قراءة منتصر حمادة، كاتب من المغرب)