الأحداث المغربية: ما البرنامج الذي شاهدته هذا الأسبوع وأثار انتباهك من موقعك كمتخصص في مجال الإعلام؟
يحيى اليحياوي: شاهدت يوم الاثنين الماضي برنامج "في الملف" على قناة الجزيرة، وهو برنامج مهم يناقش القضايا في العمق. كان موضوع حلقته الأخيرة، "الشبكات الاجتماعية" ودورها وآثارها في الإنترنيت على الوعي. وكشف الحجاب عن تحكم محركات البحث الكبرى في تشكيل الرأي العام، وبالمحصلة الوعي العام.
أهمية البرنامج لا تكمن فقط في طبيعة المواضيع التي يعالج، وإنما أيضا في طريقة الإخراج والديكور المعتمد ودرجة الإتقان في إعداده والتهييء له. وهو ليس مجرد برنامج عادي يقوم عليه صحفي هاوي أو متمرن، بل يفاجئك أن الصحفي لا يبدو فقط كمقدم أو منسق أو صاحب التصميم العام، ولكن بإلمامه بكل حيثيات الموضوع يغدو جزءا من النقاش، بل إن الصحفي يظهر متمكنا من الموضوع أكثر من الضيوف. وهؤلاء هم عينة من الصحفيين الذين يحتاجهم التلفزيون المغربي، لهم تكوين عالي، متمكنين من حرفة التلفزيون والإعلام، وإلى جانب هذا قادرين على إعداد ملفات برامجهم بمحاوره الكبرى وأسئلته الأساسية، لا أن يكون طرفا محايدا في العملية. مع الأسف، نفتقد برامج بهذا الشكل في القناتين الأولى والثانية دون أن أتحدث عن باقي الأجرام الماسخة.
الأحداث المغربية: إلى ما تعزو غياب مثل هذه البرامج في التلفزيون المغربي؟
يحيى اليحياوي: هناك مجموعة أسباب ومداخل. صحيح أن هناك نقصا ولا أقول غيابا في الأطر والكفاءات والصحفيين المتمرسين، ولكن إلى جانب ذلك، هناك منظومة السمعي.البصري في المغرب التي لا تزال تجتر الرداءة والميوعة، ولا تراهن على ثقافة القرب، ولا تملك خلفية نسب المشاهدة ومحاسبة الجمهور، بل يتم بث برامج على رداءتها دون أن يكون هناك تفكير في مدى تأثير ذلك على الوعي وعلى الرأي العام.
هذه الحسابات هي آخر المفكر فيه، وذلك لاعتبارات سياسية. ولك أن تلاحظ أنه كلما كانت هناك قضية كبرى إلا وحاول التلفزيون المغربي تمييعها وخرج بها عن الطرح الجدي، وهذا أخطر. إذ الأفضل أن تبقى عالقة على أن تطرح في الفضاء العام وتعالج بمنظور متخلف، ومن زوايا غير سليمة ولا دقيقة. وهذا هو الفارق بين الأداء الجيد والأداء الرديء.
الجانب الأساس في العملية كاملة هو الحرية. هي أصل أي عمل إعلامي محكه الحقيق هو محك الحرية. بدونها لا يمكن الإبداع بتاتا وعوض ذلك يتبدد العمل في المحاذير والخطوط الحمراء.
ما يجب التنصيص عليه هنا هو أن التلفزيون حرفة تتطلب المصداقية والتمكن والمهنية مع الاحتكام إلى أخلاقيات لا مناص منها.
الأحداث المغربية: أشرت إلى نسب المشاهدة، ما تعليقك على أرقام ماروك ميتري الدورية والنسب العالية التي تحققها بعض البرامج المغربية؟
يحيى اليحياوي: أنا في الحقيقة لا أطمئن إلى هذه المعايير التي يتم الاحتكام إليها في قياس نسب المشاهدة. أعرف ملفات تطبخ ونسب تضخم ومعطيات إحصائية تحرف. أنا أناقش السياق العام والنظرة الشاملة. صحيح توجد بعض البرامج المغربية لا بأس بها، لكن كم نسبتها في الشبكة البرامجية؟ أغلبية مواد الشبكة البرامجية العنصر الناظم والموحد لها هو عنصر الرداءة والميوعة وعدم تمكن الصحفي من قضايا البرنامج المشرف عليه.
جريدة الأحداث المغربية، 24/25 أبريل 2010 (استقى التصريح: عبد العالي دمياني).