ويتعلق الأمر، على هذا الأساس، بشبكات الاتصالات والمعلوماتية (فيما يخص الصوت والمعطى وإلى حد ما الصورة) وبشبكات البث والإرسال السمعي والبصري فيما يتعلق بالأخبار والصورة والصوت مجتمعة.
ولما كانت الثورة الرقمية قد دفعت بهذه الشبكات إلى حدود الاندغام، فإن المعلومة لم تعد لصيقة بهذا القطاع التكنولوجي أو ذاك، بهذه البنية التحتية أو تلك، بل أضحت تقتنيها مجتمعة دونما قدرة للمرء معها أن يميز بين الحامل (الشبكات) والمحمول أي المعلومات بمختلف أشكالها وأحجامها.
لا تتحدد المعلومة بجانبها التقني الخالص فحسب (التقنو/اقتصادي يقول البعض)، بل وأيضا بنوعيتها والجهة الصادرة عنها خامة كانت أم معطى صافيا. فالمعلومة القانونية تتأتى من الجهاز القضائي والمعلومة الاقتصادية والمالية تأتي من مؤسسات المال والأعمال، والمعلومة الجبائية والثقافية والدينية تتأتى من الجهات القائمة على هذه المستويات وهكذا.
والمعلومة تتحدد أيضا وبالأساس على خلفية الغاية من إنتاجها ومن ترويجها أو حجبها، ومن الوظيفة المناطة بها، أهي موجهة للبحث العلمي الصرف والمعرفة الخالصة أم للمساهمة إذا لم يكن في صياغة القرار فعلى الأقل في إضاءة جوانب الغموض بصلبه وهكذا دواليك.
ليس المقصود بالتصنيف إياه التركيز على التراتبية التي تطبع أهمية المعلومة أو تحدد "مقامها"، بل للتدليل على أن النفاذ إليها إنما يتحدد، بداية وبنهاية المطاف، قياسا إلى هذا التصنيف وبمعرفة القائم على مصدر هذه المعلومة أو تلك، المالك لقرار حجبها أو ترويجها. إذ إذا كان من الهين النفاذ إلى معلومات بعض المرافق العامة ذات الوظيفة "العديمة الحساسية" نسبيا، فإنه من المتعذر لدرجة الاستحالة النفاذ إلى معطيات العديد من المرافق الأخرى المصنفة ضمن "المرافق الحساسة" المحذور الاقتراب من مقراتها حتى .
لاا يكمن الإشكال، بهذه النقطة تحديدا، في النفاذ إلى المعلومات لهذا الغرض أو ذاك، بقدر ما يكمن قبليا في البلوغ إلى البنيات والوصول إلى الشبكات، إذ يبدو مبدأ البلوغ هنا أهم من النفاذ، بل يبدو الأول ولكأنه شرط الثاني وقاعدته المادية.
ومعنى هذا أن لا سبيل للنفاذ إلى المعلومات إذا لم تتوفر، قبليا على ذلك، البنية التحتية (من شبكات ومبدلات وحواسيب وموديمات وخدومات وما إلى ذلك) التي تبني للبلوغ والتي تمهد لسبل تداول المعطيات والمعلومات أو الإبحار في بنوك وقواعد البيانات بصرف النظر عما تتضمنه ذات البنوك والقواعد وتحتويه.
يبدو إذن أن الدولة بالمغرب قد أدركت مبكرا (أواسط تسعينات القرن الماضي تحديدا) أن إشكال النفاذ إلى المعلومات إنما يمر قبليا وبالأساس عبر حل إشكالية البلوغ والوصول، فعمدت على أساس هذا الاعتبار (كما بالاحتكام إلى اعتبارات أخرى) إلى سلك سبيل تحرير القاعدة المادية الضامنة للبلوغ (قطاع الاتصالات تحديدا) اعتبارا من لدنها (على أساس من بعض التجارب الأجنبية المتوفرة) أن الاحتكار لا يضمن البلوغ الجماهيري الواسع للشبكات فما بالك لو كان ذات البلوغ شرطا ضروريا لضمان وتوكيد مبدأ النفاذ للمعلومات.
وإذا كانت إشكالية البلوغ (بلوغ شبكة الاتصالات الهاتفية أساسا) قد غدت أمرا محسوما وإلى حد بعيد، فإن ذات الإشكالية تبقى قائمة وضاغطة فيما يتعلق ببلوغ الشبكات الألكترونية سيما شبكة الإنترنيت التي لا تزال نخبوية الطبيعة، محصورة الأفق. إذ على الرغم من تحرير سوق الحواسيب والمطارف ومزودي الخدمات والارتباطات ونزوع العديد من الخدمات بجهة انخفاض الأسعار، فإن بلوغ ذات الشبكة يبقى متعذرا لاعتبارات اقتصادية (ضعف القوة الشرائية) أو اجتماعية (طغيان طبيعة الاتصال الهاتفية) أو ثقافية (هيمنة الشفوي على المكتوب فما بالك بالافتراضي) وهكذا.
بالسياق ذاته، تم إلغاء قانون 1924 المكرس لاحتكار الدولة وصيغ مشروع قانون تحرير القطاع السمعي- البصري على خلفية ذات الإلغاء وأنشئت هيئة عليا في الاتصال السمعي-البصري وبصلبها مجلسا لتقنين ذات الفضاء وهكذا.
وبصرف النظر عن موقفنا من هذا الاختيار أو ذاك، فإن الثابت فيما نعتقد إنما تركيز الترسانة التشريعية بالمغرب، على إشكالية النفاذ إلى المعلومات من الزاوية المؤسساتية الخالصة، ففتحت المجال في ذلك إلى سبل البلوغ وأدوات تحقيق ذات البلوغ دونما أن يطال فعلها مباشرة الحقوق أو المضامين أو يذهب إلى حد توسيع مجال الحقوق والحريات.
وحتى بالجانب الأول لوحظ أن معظم النصوص التشريعية المرتبطة بالبلوغ للشبكات الاتصالاتية والمعلوماتية والإعلامية (والمحيلة حتما على النفاذ) إنما طاولها غياب الشفافية وتغييب النقاش العام حولها واستبعاد معظم القوى الاقتراحية التي تشتغل بهذا المجال أو تهتم بتبعاته على الأفراد أو الجماعات:
+ فقانون الاتصالات (القانون 24-96) صيغت بنوده في سرية مطبقة وشبه مطلقة اعتيد في صياغتها بمصالح البنك الدولي وبيوت الخبرة العالمية دونما استشارة الفرقاء الاجتماعيين أو استئناس بذوي الخبرة من أهل البلد. ولما تسنى لهذه الاستشارة أن تتم (مع النقابات تحديدا) لم يؤخذ بآرائها ولا " بتوصياتها" ولا بتخوفاتها من مكامن الخطر التي يمكن أن يكون خلفها هذا المشروع على سيادة البلد أو على مستقبل العاملين به.
وعلى الرغم من ذلك، فقد مرر البرلمان المشروع في ظرفية أثارت (ولا زالت تثير كسابقة حقيقية) الكثير من نقط التساؤل والاستفهام.
+ والظهير المنشأ للهيئة العليا للاتصال السمعي- البصري (على الرغم من ديباجته الجميلة) صيغت مواده على خلفية من استحضار الفصل التاسع عشر الذي لرئيس الدولة بموجبه الحق في إعلان حالة الاستثناء والحرب...وعين بمجلسه الأعلى أعضاء لا تربطهم بالميدان إلا مجرد مرورهم بهذه القناة أو تلك.
+ ومشروع قانون الاتصال السمعي والبصري، على تجاوز بعض من إيجابياته، يبقى صنيعة وزارة الاتصال لم يستشر في صياغته الفرقاء الموجودون بل تم الأخذ باستشارة بعضهم (النقابة الوطنية للصحافة المغربية) من باب الإجراء الشكلي غير الملزم شأنها في ذلك شأن ما تم على هامش المشروع من لقاءات وندوات وما سوى ذلك من ضروب النزوع إلى "شرعنة" النص والتحايل على الرأي المخالف لمواده.
الحاصل إذن، بغض الطرف عما سبق من قول، إنما حقيقة اختزال النفاذ إلى المعلومات بالمغرب في جانب البلوغ أو اعتبار أمر الأول (النفاذ أعني) محسوما لمجرد توفر أدوات ووسائل وإمكانات الثاني...وهو ما تنقصه الحجة والدقة:
+ فبلوغ الشبكات لا يضمن تلقائيا وأوتوماتيكيا النفاذ إلى ما يروج بها من معلومات ومعطيات وبيانات. إذ يبقى إشكال القدرة على النفاذ وتوفر الإمكانات لذلك هو المحك بنهاية المطاف.
ومعنى هذا أن مشروع "المغرب الألكتروني" مثلا لا يتم التعامل معه من منطلق الوسيلة بقدر ما ينظر إليه كهدف في حد ذاته "افترضت" الظروف اعتماده حتى بضعف الحاجة إليه نظرا لضعف وهشاشة البنية الاقتصادية والاجتماعية وتدني مستوى العلائق بين الفاعلين المختلفين.
+ والتركيز على الأدوات والأعتدة، دونما اعتبار كبير لجانب المضامين والمحتويات، لا يضمن موطنة ذات الأدوات ولا النجاعة في توظيفها، إذ إذا كان للعديد من الإدارات والمؤسسات العمومية والوزارات مواقع بشبكة الإنترنيت فإنها تبقى، في الغالب الأعم فارغة اللهم إلا من عناوين الوحدات إياها ورقم مبدلات هواتفها وفي أحسن الأحوال بعض النصوص القانونية العامة التي تبرز هيكلة ذات الوحدات وبعض من إنجازاتها.
بالتالي، فلو سلم المرء جدلا أن لا حاجز اليوم أمام البلوغ اللهم إلا حاجز الإمكانات وغياب الحاجة إلى ذلك، ولو سلم أيضا أن لا عائق من الناحية التقنية أمام النفاذ إلى المعلومات أكانت على شكل معطى أم بيان أم صور أم أشرطة صوتية أم مغناطيسية أم كانت غير ذلك...فإنه لا يستطيع التجاوز على إكراهات أخرى لا تكريس للبلوغ أو للنفاذ في غيابها:
°°- الإكراه الأول ويتمثل في غياب المنظومة القانونية التي تكفل الحق في الإعلام والاتصال للأفراد كما للجماعات، للمدن كما للقرى، للقادر كما للذي لا قدرة له تذكر. وأولى معايير ذات الحق إنما تكمن في حق هؤلاء في الحصول على المعلومات دونما قيد أو شرط اللهم إلا ما يدخل في سيادة الدولة والأمن العام بمعناهما الدقيق والواضح لا بالمعنى المضبب والممطط والقابل لشتى أشكال التأويل والتوظيف.
ومنظومة الحق في الإعلام الملمح إليها هنا إنما يجب أن تصاغ في إطار ترسانة خاصة بها وليس بالإحالة على فصول من هذا القانون أو ذاك، على مادة من هذه الترسانة أو تلك.
°°- أما الإكراه الثاني فيكمن في غياب التشريعات الواضحة التي تجبر الإدارة خصوصا والحكومة بوجه عام، على توفير المعطيات والمعلومات والبيانات وجعلها متاحة للأفراد والجماعات وضمان النفاذ إليها دونما قيد أو حاجز أو إعاقة.
ومعنى هذا، بالمغرب على الأقل، أن منطق التكتم والسرية وغياب الشفافية هو السائد (بل أضحى ثقافة) ليس فقط بحكم غياب منظومة ناظمة لمبادئ الحق في الإعلام والاتصال أو لتعذر البلوغ إلى بنوك المعطيات وقواعدها، بل أيضا وبالأساس على اعتبار تغول الدولة على المجتمع واستئساد السلطة على الفرد والجماعة في حقوقه كما في الواجبات.
°°- الإكراه الثالث ويخال لنا كامنا في غياب هيأة عليا يكون من صلاحياتها الأساسية السهر على مبدأ النفاذ إلى المعلومات بعدما تكون قد ضمنت الحق في بلوغها والحرية في تصريفها وتوظيفها.
ولعل أهم الأهداف التي من المفروض أن توكل إليها إنما العمل على التحسيس بضرورة سن "قانون للنفاذ إلى المعلومات" تكون مرتكزاته الأساسية الدفع بالمبادئ الكبرى لذات النفاذ أو تطويع وتبيئة ما تسنى لتجارب متقدمة عديدة سنه تشريعا وتنظيما:
°- تحديد مبدأ النفاذ إلى المعلومات... الحر ضمنه كما المؤدى عنه،
°- الدفع بمسلمة أن كل المعلومات والوثائق والبيانات بمختلف أشكالها وأنواعها والمتوفرة لدى الأجهزة الرسمية أو ما سواها، قابلة للنفاذ دون تأويل،
°- العمل على سن مبدأ إجبارية النشر من لدن المستويات الرسمية،
°- الدفع بضرورة تجذير مبدأ الشفافية الإدارية والحكومية من خلال التربية ومواجهة ثقافة الكتمان والتكتم على المعلومات،
°- العمل على تحديد نظام الاستثناءات بما في ذلك حصر المعايير المحددة " للضرر" و "المصلحة العامة" و"الأمن الداخلي" وما سواها بدقة ووضوح،
°- تحديد آليات النفاذ إلى المعلومات دونما تقييد أو تأخير مع ضمان الحق في اللجوء إلى القضاء في حال المنازعات بهذا الشأن.
وعلى هذا الأساس فالمطالب به، في حالة المغرب تحديدا، إنما تجاوز المعطى المؤسساتي المرتكز على مبدأ البلوغ إلى مزجه بمبدأ النفاذ الذي لا قيمة للأول بدونه تذكر. والمزج المتحدث فيه هنا إنما يرتكز على ضرورة السمو بمبدأ النفاذ إلى مستوى الحق من الحقوق الأساسية الكبرى تعلن بالدستور وتكون مرتكزاتها:
+ إلزامية نشر المعلومات والبيانات والوثائق من لدن المؤسسات العمومية وفي مقدمتها الإدارة.
+ تضييق فضاء ما توافق منذ مدة على اعتباره " نظام الاستثناء" ليضحو هذا الأخير حقا الاستثناء عوض أن يبقى القاعدة التي لا يعلى عليها.
+ وإعلاء مكانة القضاء في حال عدم انصياع هذه الجهة أو تلك لمبادئ البلوغ والنفاذ المنصوص عليها.
جريدة العلم، 14 يوليوز 2004