تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"في القابلية للتحاور الحضاري: البعد الجوهري الغائب"

ملخص الورقة

ثمة ثلاثة طروحات كبرى تشارف على التباين والتنافر، تم تداولها من مدة، ولا تزال تتداول بقوة، بخصوص إشكالية حوار الحضارات، كل وفق معتقدها الخاص، أو مقاربتها، أو زاوية الرؤية التي تبدو لها ناجعة فعالة:

+ الأولى ترى في ذات الإشكالية، إشكالية حوار الحضارات، مجرد إعادة إنتاج ليس إلا، لسلوك الهيمنة والتسلط، الذي غالبا ما ميز موقف "الحضارات الغالبة"، بعدما انحسر مد أشكال الحوارات السابقة، من قبيل الحوار شمال/جنوب، والحوار الإسلامي/الأوروبي، والحوار الإسلامي/المسيحي، وما سواها، فبات الحوار مع "الحضارات الدنيا" مجرد أداة لمحاربة الإرهاب، أو ضمانا للأمن القومي، أو درءا لفتنة قادمة من عالم عربي/إسلامي،  "متعصب، ومتطرف، وغير قادر على استنبات خاصية الحوار والتواصل من بين ظهراني أبنائه".

أطروحة "حوار الحضارات"، وفق هذه الرؤية، لا تعبر عن موقف نظري مبني ومؤسس له، بقدر ما تعبر عن تصور استراتيجي، بنت له مراكز البحوث والدراسات، وبات بأفواه السياسيين، أمرا واقعا، يجب تبنيه بالاعتقاد كما بالممارسة، لفرض الهيمنة على باقي الحضارات، لإدراك هذا المبتغى أو ذاك.

+ الرأي الثاني، وهو امتداد ناعم للرأي الأول، يرى أن غاية الحضارات "الغالبة" لا تخرج عن سياق فهم ما سواها من حضارات، وأن القول بصراعها مع ما سواها، إنما يدخل في خانة المبالغة المحيل على التآمر، وأن المقصود هنا إنما قراءة طبع وطبائع الحضارات الأخرى، بغرض البحث عن سبل الاتصال والتواصل معها، في عالم بات معولما ومنظوما بشبكات رقمية، حولته إلى قرية كونية متواصلة، ومتفاعلة، و"حميمية" في تعاطيها مع ذات الشبكات.

هو رأي مهادن إلى حد بعيد، يؤمن بوجود صراع "طبيعي" ما، لكنه لا يدفع به لدرجة الصدام والتصادم. إنه يدفع به من باب التفاهم والتواصل والتحاور القصير والمتوسط المدى، في حين يضمر على المدى البعيد، في دوافعه وأدواته، غايات لا تخدم بالضرورة مبتغيات التفاهم والتواصل.

+ أما الرأي الثالث، فيرى، بتصور وسطي واضح، أنه ليس من المفروض استعداء الحضارات الأخرى، متقدمة كانت أم "متخلفة"، بل المفروض ربط الجسور معها، بغاية الإفادة مما بلغته من تطور ورقي، مع إمكانية استبعاد ما قد يتنافى مع التصور الحضاري للجهة الدافعة بذات الطرح.

إن أشكال الصراع المقدمة في كونها صراعا حضاريا، إنما هي، برأي هذا الطرح، شكل من أشكال الممانعات الثقافية، ونمطا من أنماط الحركات الاحتجاجية على حضارة "غربية" باتت عالمية بكل المقاييس، لكنها لم تستطع إدراك واستيعاب تنوع العالم، إما بحكم مماهاتها مع مشروع رأسمالي مهيمن، أو تحولها إلى إيديولوجيا سياسية ودينية متطرفة، أو انتفاخ منسوب القوة العسكرية، التي لم تجد فضاء مباشرا لتفريغ منسوبه، ففجرته بوجه دول وشعوب ادعت أن منظومتها الحضارية لا تتساوق مع السائد من منظومات.

بالتالي، فالصراع الدائر على خلفية من صراع الحضارات، إنما هو صراع مصالح واستراتيجيات، على اعتبار أن الحضارات لا تتصارع ولا تتنابذ فيما بينها، بقدر ما تتكامل وتتواصل وتتعارف وتتلاقح. القابلية على التحاور هنا إنما يجب فرضها مع النخب المتنورة والمتفتحة أولا، ثم مع الشعوب، ومع الأطراف المدنية بالتدريج، أي يجب على كل جهة أن تنتقد نفسها ذاتيا، وأن تقبل بالآخر في تنوعاته وتمايزاته وخصوصياته.

إن حوار الحضارات طموح وغاية في الآن معا، يتغيأ تجنب الصدام، ودرء سبل التصادم. لكنه يفترض توافر القابلية القبلية على ذلك، دونما أحكام مسبقة، أو موافق متجمدة ومتصلبة، أي يجب أن تدفع هذه الحضارة أو الثقافة أو تلك إلى الفعل لا إلى ردود الفعل، وذلك دونما خلفيات أو أحكام قائمة وثابتة.

ومصطلح القابلية المقدم هنا، إنما يحيل على مصطلح المقدرة، والذي يتضمن "معاني الاستطاعة والأهلية والقابلية والأحقية والقوة المعنوية والجرأة والإمكان والإجادة، إضافة إلى السلطة". إنها مداخل كبرى لضمان تبادل للآراء والأفكار، للنقد والتعبير، للاتفاق كما للاختلاف، للأخذ كما للعطاء. ثم هي أساس الاختلاف، الذي بدونه لا مجال للتحاور أصلا، سواء تسنى لذلك أن يتم بمؤتمر، أو بقنوات اتصال جماهيرية، أو بأشكال الرموز والتعابير الأخرى، مكتوبة كانت أم مسموعة أم مرئية أم ما سواها.

إن موضوع القابلية على التحاور والتواصل إنما يحيل صوبا على كل ما يتعلق بحوار الحضارات، والتنوع الثقافي واللغوي، وقيم التسامح، والقبول بالآخر، والحق في الاختلاف، وعدم الإقصاء، ومبادئ التضامن بين الأمم والشعوب، واحترام معتقداتها وتمثلاتها ورموزها، وأشكال التعبير التي تتبناها، أو تبني عليها مرجعيتها وهويتها.

وموضوع القابلية لا يمكن أن يقوم إلا وفق مبادئ المساواة، وإيمان طرفي أو أطراف الحوار بهذه المساواة،  وما يترتب عن ذلك من قبول للآخر، والاستعداد للإنصات إليه، دونما عقدة استكبار، أو تطرف في الاعتقاد أو في التفكير.

إن القابلية على التحاور والتواصل هي بالأصل بنية نفسية وذهنية، اجتماعية وسياسية وثقافية، تمتطي ناصيتها الشعوب والأمم، الأفراد والجماعات، بغرض درء مفسدة، أو إدراك منفعة جماعية، على اعتبار أن "انغلاق المجتمعات والثقافات وتصلب العقليات"، إنما من شأنه توسيع مجال التصادم والتنازع، وتأجيج نعرات العنف ذات المرجعية العرقية أو الدينية أو اللغوية أو الثقافية أو المذهبية أو ما سواها.

بالتالي، فليس ثمة من شك كبير في أن العنصر الغائب، الثاوي خلف فشل مشاريع التحاور الحضاري، بكل أشكالها وتلاوينها، إنما يبدو لنا كامنا في غياب القابلية على التحاور والتواصل، وأن السبب في ذلك لا يكمن فقط في سيادة أجندات مضمرة لدى كل طرف من أطراف الحوار، ولكن أيضا بسبب من عدم القدرة على تصريف الاختلاف، واعتباره معطى إيجابيا جوهريا لذات الحوار، لا عنصرا حادا من مداه.

إن استنبات القابلية للتحاور الحضاري مسألة طويلة المدى وتدرجية. إنها مسألة جماهيرية، وليست حكرا على النخب، أو الملتقيات الفنية أو ما سواها. إنها عملية المفروض أن تستنفر من أجلها الأقلام، ووسائل الإعلام، والشبكات الألكترونية، ويجب أن تتجاوز، فضلا عن كل ذلك، الحسابات السياسية، أو المشاريع الجيوستراتيجية التي تدفع بها هذه الدولة الأعظم أو تلك.

نموذج المشاركة في المؤتمر

( يرسل مع الخلاصة )

كلية الآداب – جامعة الإسراء الخاصة

مؤتمر " أبعاد غائبة في حوار الحضارات "

اسم المشارك : _يحيى اليحياوي____________________

________________________________

الجنسية : __مغربي_______________________

المؤهل العلمي : ___دكتوراه__________________

________________________________

مكان العمل : __جامعة محمد الخامس الرباط المملكة المغربية_____________________

________________________________

العنوان البريدي والالكتروني : ____________

________________________________

_____________________elyahyaoui@elyahyaoui.org___________

________________________________

عنوان البحث :  __في القابلية للتحاور الحضاري: البعد الجوهري الغائب____________________

_________________________________

محور البحث : ____المحور الأول___________________

_________________________________

 

      التوقيع                          التاريخ

____________               ___الرباط، 7 أبريل 2009_________

 

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال