هبة زووم – الرباط
لم تمض سوى ساعات على تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، حتى ارتفع سقف الانتظارات والرسائل الموجهة إلى رئيسة الحكومة المكلفة، وفي مقدمتها تدوينة جديدة للباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي، دعا فيها إلى القطيعة مع منطق توزيع الحقائب الوزارية على أساس الولاءات الحزبية والترضيات، واعتماد حكومة مصغرة يعتبرها “حكومة إنقاذ” تقوم على الكفاءة والنزاهة والقدرة الفعلية على تدبير القطاعات.
اليحياوي لم يتعامل مع تشكيل الحكومة الجديدة باعتباره مجرد عملية لتوزيع الحقائب بين الأحزاب المشاركة، وإنما وضع أمام المنصوري ما يشبه دفتر شروط سياسي وأخلاقي: وزراء ذوو كفاءة حقيقية، نظيفو الذمة، يمتلكون معرفة ميدانية بقطاعاتهم، وقادرون على اتخاذ القرار وتدبير المؤسسات، بعيداً عن منطق “الكوطا” والترضيات والحسابات الحزبية.
وتأتي هذه الدعوة في لحظة سياسية مختلفة عن بداية الولاية الحكومية السابقة، بعدما أفرزت الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 نتائج تصدر فيها حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً والاستقلال بـ65 مقعداً، قبل أن يتم تعيين المنصوري، المنسقة للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة.
وفي قراءة اليحياوي، فإن أول اختبار حقيقي للمنصوري لن يكون في عدد الأحزاب التي ستدخل الحكومة، ولا في عدد الحقائب التي سيحصل عليها كل حزب، وإنما في نوعية الأشخاص الذين سيجلسون حول طاولة المجلس الحكومي، فالوزارة، وفق هذا التصور، ليست مكافأة حزبية ولا امتيازاً سياسياً، وإنما مسؤولية عمومية تحتاج إلى مؤهلات محددة.
ويذهب اليحياوي إلى تقديم أمثلة صادمة، متسائلاً عن جدوى إسناد حقيبة التعليم إلى شخص لا يمتلك تجربة حقيقية في القطاع، أو حقيبة الثقافة إلى شخصية لا علاقة لها بالمجال الثقافي، أو الفلاحة إلى مسؤول يفتقر إلى المعرفة العملية بخصوصيات القطاع، أو الصحة إلى شخص لا يمتلك تكويناً وخبرة مناسبين لتدبير منظومة صحية شديدة التعقيد.
ورغم أن هذه الأوصاف جاءت في سياق نقد اليحياوي لأداء حكومي سابق، فإن الرسالة التي تحملها تتجاوز أسماء بعينها لتطرح سؤالاً مؤسساتياً أوسع: هل يتم اختيار الوزراء بناءً على الكفاءة المرتبطة بالقطاع، أم بناءً على التوازنات السياسية والحسابات الحزبية؟
ذلك أن السيرة الذاتية، مهما كانت طويلة ومزينة بالمناصب والشهادات، لا تكفي وحدها لتحديد قدرة شخص ما على إدارة وزارة استراتيجية.
فالوزير، في نهاية المطاف، لا يعمل داخل مكتب معزول، بل يقود جهازاً إدارياً ضخماً، ويتحمل مسؤولية سياسات عمومية تمس ملايين المواطنين، ويتعامل مع ميزانيات ومؤسسات ومصالح مركزية وترابية، ويُفترض فيه أن يكون قادراً على فهم تفاصيل القطاع واتخاذ قرارات مبنية على المعرفة وليس على الارتجال.
ومن هنا يطالب اليحياوي بأن يتجاوز التدقيق في المرشحين مجرد فحص السير الذاتية، ليشمل ما يسميه “المواصفات المعرفية والعملية والإنسانية”، وهي نقطة تفتح بدورها نقاشاً حول المعايير التي ينبغي أن تحكم التعيين الوزاري.
فالكفاءة التقنية وحدها قد لا تكون كافية، كما أن الانتماء الحزبي وحده لا ينبغي أن يكون معياراً حاسماً. وبينهما تبرز الحاجة إلى شخصية تمتلك المعرفة، والخبرة، والقدرة على التواصل، والنزاهة، والقدرة على تحمل المسؤولية، وفهم طبيعة الوظيفة العمومية وحدودها.
اليحياوي يذهب أبعد من ذلك حين يدعو إلى استبعاد جزء من الوزراء المنتهية ولايتهم، مستنداً إلى مجموعة من الاعتبارات التي طرحها في تدوينته، من بينها ما يعتبره ضعفاً في الأداء، أو إثارة للجدل، أو سلوكيات اعتبرها غير مقبولة، أو عدم تحقيق النتائج المنتظرة.
وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً: هل ستكون الحكومة الجديدة حكومة استمرار، أم حكومة مراجعة؟ فالرئيسة الجديدة للحكومة ورثت واقعاً سياسياً أفرزته انتخابات جديدة، فيما تشير النتائج الرسمية إلى أن البرلمان المقبل سيكون موزعاً على عدد كبير من الأحزاب، ما يجعل عملية بناء الأغلبية والتوافق حول البرنامج الحكومي جزءاً أساسياً من مهمة تشكيل الحكومة.
لكن التوافق السياسي لا يعني بالضرورة أن يصبح كل قطاع رهينة للتوازنات الحزبية، وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط حساسية في رسالة اليحياوي: يمكن للأحزاب أن تتفاوض على البرنامج والأولويات، لكن هل ينبغي أن تكون الحقيبة الوزارية نفسها ثمناً للتفاوض؟
السؤال ليس موجهاً إلى المنصوري وحدها، وإنما إلى جميع الأحزاب التي ستشارك في تشكيل الحكومة الجديدة، فإذا كان المغرب مقبلاً على مرحلة جديدة، فإن الرهان لن يكون فقط على تغيير رئيس الحكومة أو تغيير أسماء بعض الوزراء، بل على تغيير طريقة صناعة القرار الحكومي نفسها.
المواطن لا يهمه بالضرورة من أي حزب جاء الوزير بقدر ما يهمه ماذا سيفعل داخل الوزارة، في التعليم، يريد نتائج ملموسة، وفي الصحة، يريد خدمات عمومية فعالة. وفي الفلاحة، يريد سياسة قادرة على التعامل مع تحديات الماء والأسعار والإنتاج والأمن الغذائي. وفي الثقافة، يريد مؤسسة ترى في الثقافة رافعة للمجتمع، لا مجرد حقيبة هامشية ضمن الهندسة الحكومية.
ولهذا فإن عبارة «حكومة إنقاذ» التي استخدمها اليحياوي ليست مجرد وصف سياسي، وإنما تختزل سؤالاً أكبر: هل تستطيع الحكومة الجديدة أن تقدم نفسها باعتبارها حكومة كفاءات ومسؤوليات، أم ستعيد إنتاج الطريقة التقليدية نفسها في توزيع المناصب؟
الاختبار الحقيقي للمنصوري سيبدأ من الأسماء التي ستقترحها، لكنه لن ينتهي عندها، فبعد الإعلان عن الحكومة، سيأتي الاختبار الأصعب: البرنامج، التنفيذ، النتائج، والقدرة على تحمل المسؤولية أمام البرلمان والرأي العام.
وبين حكومة تقوم على “كوطا” الأحزاب وحكومة تختار الوزراء على أساس الكفاءة، تضع تدوينة اليحياوي المنصوري أمام سؤال سياسي واضح: هل تكون الحكومة الجديدة مجرد تغيير في الوجوه، أم بداية تغيير في قواعد اختيار من يتولى تدبير القطاعات الحيوية للدولة؟
فالمرحلة المقبلة، كما توحي نتائج الانتخابات وتكليف رئيسة الحكومة الجديدة، ليست مرحلة لتجميل الصورة، بل مرحلة يفترض أن تضع الكفاءة والنزاهة والنتائج والمحاسبة في قلب النقاش حول السلطة التنفيذية.
هيبازوم، 1 أكتوبر 2026
https://www.hibazoom.com/article-215173/