هبة زووم – الرباط
عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى إثارة الجدل مجدداً، بعد نشره تدوينة لاذعة، اختار من خلالها هذه المرة الغوص في عمق ما يسميه "الغرب المنسي"، حيث قضى عطلة العيد بعيداً عن صخب المدن وضجيج النخب، ليعود بصورة مغايرة تماماً لما يُروّج في الخطابات الرسمية والتحليلات "الخبيرة".
اليحياوي لم يكتفِ بوصف المشهد الطبيعي الأخّاذ، بل ركّز على ما هو أعمق: وعي الناس البسطاء، فهناك، في البادية، لم يسمع – كما يقول – شكوى من الفيضانات الأخيرة ولا حديثاً عن تقاعس الدولة، ليس لأن الجراح التأمت، بل لأن الثقة في الوعود الرسمية تآكلت منذ زمن، منذ تجارب سابقة وصفها بـ"الدعم الماسخ" الذي لا يصل إلا إلى فئات محددة، تاركاً الهامش يواجه مصيره بصمت.
لكن المفارقة التي التقطها الباحث تكمن في انشغال هؤلاء البسطاء بقضايا دولية معقدة، وعلى رأسها العدوان على غزة والتوترات الإقليمية، حيث يرصد وعياً فطرياً يتجاوز، في نظره، الكثير من التحليلات الأكاديمية الجاهزة، فهؤلاء، رغم بساطة عيشهم، لا يقرؤون الأحداث بقدر ما يستوعبون خلاصاتها، ويستنبطون منها مواقف واضحة وحاسمة.
ووفق ما أورده اليحياوي، فإن النقاشات التي خاضها مع ساكنة "الغرب المنسي" كشفت عن شبه إجماع على دعم إيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، باعتبارها – في تصورهم – تمثل ردّاً على ما يتعرض له الفلسطينيون من معاناة، كما سجل غياباً لافتاً للخطابات الطائفية أو العرقية، مقابل حضور قوي لفكرة "وحدة المصير" داخل العالم الإسلامي.
في المقابل، عبّر المتحدثون عن مواقف سلبية تجاه بعض الأنظمة العربية، خاصة في الخليج، متهمين إياها بالتواطؤ أو العجز، في قراءة سياسية صادمة تصدر عن فئات لا تُحسب عادة ضمن دوائر التأثير أو التحليل.
الأكثر إثارة في تدوينة اليحياوي، هو ما اعتبره "شروطاً شعبية" لوقف أي مواجهة عسكرية، صاغها هؤلاء البسطاء بعفوية: من الاعتراف بحق الدول في تطوير برامجها، إلى ضرورة التعويض عن الأضرار، وضمانات بعدم تكرار الاعتداءات، وصولاً إلى رفض الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة، شروط، وإن بدت بسيطة في صياغتها، إلا أنها تعكس تصوراً سياسياً متماسكاً من حيث المبدأ.
وفي خلاصة تدوينته، يوجه اليحياوي نقداً مبطناً للنخب، معتبراً أن “الخبرة الحقيقية” قد لا تُقاس دائماً بالشهادات الجامعية، بل أحياناً بالحس السليم والتجربة اليومية، في إشارة إلى فجوة متزايدة بين خطاب النخب ووعي الشارع.
هكذا، تتحول رحلة عابرة إلى البادية إلى مرآة عاكسة لاختلالات عميقة: دولة تتأخر في الاستجابة، ونخب تغرق في التنظير، وهامش صامت… لكنه حين يتكلم، يقول الكثير.
هيبازوم، 26 مارس 2026
hibazoom.com/article-203588/