هبة زووم – الرباط
يواصل الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي تفكيك السرديات المرافقة للحرب الأخيرة التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، من خلال تدوينات تخرج عن منطق المجاملة السياسية، وتضع اليد مباشرة على الجرح، كاشفاً الخلفيات الإيديولوجية العميقة للصراع، وانعكاساته الكارثية على دول الخليج، التي تبدو – بحسب قراءته – الخاسر الأكبر في معركة لم تخترها، لكنها تؤدي كلفتها كاملة.
اليحياوي لا يناقش الحرب من زاوية عسكرية تقنية، بل يذهب إلى جوهر الخطاب المؤسس لها، مستحضراً تصريحات وكتابات بيت هيغسيت، وزير الدفاع الأميركي الحالي والمقرّب فكرياً من دونالد ترامب، باعتبارها مرآة صريحة لما يُدار في العمق، بعيداً عن لغة الدبلوماسية وواجهات “التسامح” و"حوار الحضارات".
ينقل اليحياوي مقتطفات صادمة من خطاب هيغسيت، الذي يصف إيران بأنها “نظام مجنون مهووس بأوهام نبوية إسلامية”، ويؤكد أنه “لا يمكن للإسلاميين المتطرفين امتلاك سلاح نووي”، ليس باعتباره تهديداً جيوسياسياً فقط، بل خطراً وجودياً على “العالم” كما يراه.
الأخطر، في نظر اليحياوي، ليس فقط توصيف إيران، بل الحمولة الدينية الصريحة التي يحملها هذا الخطاب، حين يصف قيام إسرائيل سنة 1948 بـ”المعجزة”، وحرب 1967 بـ”المعجزة”، وإعلان القدس عاصمة لإسرائيل سنة 2017 بـ”المعجزة”، قبل أن يذهب أبعد من ذلك بالحديث عن “إمكانية معجزة إعادة بناء الهيكل".
هنا، يطرح اليحياوي السؤال الذي يحاول الخطاب الرسمي الغربي تفاديه: هل ما يجري صراع مصالح فقط، أم حرب بعقيدة دينية واضحة؟
ويستحضر الباحث كتاب هيغسيت الصادر سنة 2020 بعنوان “الصليبية الأميركية”، حيث يقدم الكاتب تصوراً للعالم من منظور ثنائي صارم: الولايات المتحدة وجيشها باعتباره “الجيش الوحيد المؤيد للحرية والمسيحية وإسرائيل” في مواجهة الصين الشيوعية وأوروبا “المستسلمة” و”الإسلاميين” الذين يُقدَّمون كخطر ديموغرافي وثقافي وسياسي يهدد الغرب.
في هذا السياق، لا تُطرح إسرائيل كدولة حليفة فقط، بل كـواجب إيماني، إذ يقول هيغسيت بوضوح: "إذا كنت تحب رجال الحروب الصليبية، فتعلم أن تحب دولة إسرائيل".
بالنسبة لليحياوي، هذا الخطاب لا يترك مجالاً للبس: نحن أمام تصور صراعي ديني مقنّع بلغة الأمن العالمي.
اللافت، كما يشير اليحياوي، هو نظرة هذا الخطاب إلى حلفاء واشنطن العرب، خاصة في الخليج، فبدلاً من اعتبارهم شركاء استراتيجيين، يصفهم هيغسيت بأنهم “مترددون، متلعثمون، يلوحون بأيديهم قلقاً ويتمسكون بلآلئهم”، مقابل "إسرائيل الشريك المقتدر".
قراءة كهذه، يضيف اليحياوي، تكشف أن دول الخليج ليست سوى ساحة، لا شريكاً، ودرعاً مكشوفاً في حرب لا تخدم إلا المصالح الأميركية والإسرائيلية، بينما تُترك المنطقة لتتحمل التبعات الاقتصادية والأمنية والسياسية.
في خاتمة تدوينته، يلجأ اليحياوي إلى سخرية سوداء، حين يتساءل: هل هي حرب دينية؟ ليجيب بمرارة: لا، إنها فقط “حوار أديان” على الطريقة الجديدة: كنيس بجانب كنيسة بجانب مسجد، وربما دمج الجميع في “معبد واحد”، وفق وصفة “الديانة الإبراهيمية” التي تُسوَّق كخطاب سلام، بينما تُدار الحروب بعقلية صليبية قديمة.
ما يقدمه اليحياوي ليس موقفاً عاطفياً ولا اصطفافاً أيديولوجياً، بل تفكيكاً لوهم كبير: وهم أن ما يجري مجرد صراع مصالح، أو دفاع عن الأمن، أو حرب وقائية.
إنها، في العمق، حرب بسردية دينية صلبة، تُستخدم فيها القيم حين تخدم القوة، وتُسحق حين تعيقها، فيما يبقى السؤال معلقاً: كم من الوقت ستحتاج النخب العربية، خصوصاً في الخليج، لاكتشاف موقعها الحقيقي في هذه المعادلة؟
هيبازوم، 5 مارس 2026
https://www.hibazoom.com/article-202369/