تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

اليحياوي عن مشاريع المغرب الرقمي: هي استراتيجيات تعيد الفشل

news-details

الصباح: وضعت الحكومات المتعاقبة استراتيجيات ومخططات للتحول الرقمي، رصدت لها ميزانيات ضخمة.  ما هي حصيلة هذه الاستراتيجية على مستوى الأهداف المحققة؟

يحيى اليحياوي: منذ 2005، عمد المغرب إلى إطلاق استراتيجيات رقمية بتسميات مختلفة، على الرغم من كونها تنهل من معين واحد: التطور الرقمي. رصدت لها ميزانيات ضخمة تقدر بعشرات الملايير من الدراهم. نحن اليوم بإزاء الاستراتيجية الخامسة فيما أظن، مع انطلاق استراتيجية المغرب الرقمي 2030. الهدف الأساس لكل هذه الاستراتيجيات يمكن أن يختزل في التالي: توفير الارتباط الواسع بالتقنيات الرقمية بغرض الحد من الفجوة الرقمية بين الأفراد، ثم بين الجهات، وضمان تموقع جهوي وعالمي للمغرب في هذا المجال. كان الرهان على تبسيط المساطر، وقد شمل العديد من المرافق، لا سيما تلك الحيوية مثل مصالح وزارة المالية والمحافظة العقارية والتعليم والإدارة العمومية. لكنها بقيت محصورة ووقعها على الأرض لا يعتد به كثيرا. أي أنها لم تضمن تحولا رقميا لهذه المصالح، لأن التحول يستوجب أن نذهب أبعد من ربط المؤسسات أو توفير هذه الخدمة عن بعد أو تلك. وهذا ما جعل الهوة الرقمية تزداد، لأن رهان التحول لم يطل المناطق البعيدة ولا الجماعات الترابية المحلية. ثمة هوة في الارتباط والنفاذ وثمة هوة بين المناطق.

أما مسألة التموقع الجهوي والدولي، فهو طموح غير مؤسس له، على الرغم من خلق بعض الرافعات أو استقطاب بعض مراكز التخزين السحابي. الخيط الناظم لكل هذه الاستراتيجيات أنها مشتتة المحاور وغير واقعية في تحديد العديد من أهدافها.

الصباح: لماذا فشلت المشاريع المختلفة في إنجاح التحول الرقمي، هل لعطب في التصورات، أم في جيوب المقاومة داخل الإدارة المغربية؟

يحيى اليحياوي: لا يمكن أن نقارب إشكالية التحول الرقمي من زاوية النجاح والفشل. التحول الرقمي مسلسل طويل المدى، تعتمل بداخله عناصر تقنية واجتماعية واقتصادية وثقافية وغيرها. بيد أننا نستطيع القول بأن ما أنجزته هذه الاستراتيجيات هو أقل بكثير مما تمت المراهنة عليه. مجلس الحسابات فصل في هذه الجوانب ولا مجال هنا للعودة إليه. بالمقابل، لو نتحدث عن الأعطاب، لقلنا بأنها أعطاب في التصور وفي الخلفية الناظمة لهذه الاستراتيجيات. الذين صاغوها انطلقوا من تصور أن توفير الأجهزة والأعتدة والتقنيات كفيل بضمان التحول. وهذا قصر في النظر، إذ التقنية ليست هدفا. هي وسيلة لخدمة تصور. ثانيا، غياب آليات التنسيق. كل مرفق حصل على نصيبه من الميزانية وذهب ليشتغل دون التقائية ما مع باقي القطاعات. وقد أشرت على فريق العدالة والتنمية بالبرلمان في نهاية حكومة بنكيران، بضرورة خلق مؤسسة مرتبطة بالوزير الأول تتكفل بالتنسيق. قدمت لهم تصورا شاملا، وضمنت تقريري الرسالة التي يجب إرسالها لرئيس الحكومة للموافقة. إذا بي أفاجأ يوما وعن طريق الصحافة، في عهد حكومة العثماني، بأنها أنشئت وتم تعيين مدير عام لها، دون أن يطلب رأيي في الأمر ولو أخلاقيا، لأنني صاحب الفكرة.  ثالثا: غياب عنصر الحكامة. غياب الحكامة ليس ملازما لمكونات الاستراتيجيات فحسب. إنه يتجاوزها لدرجة أننا نعيد إنتاج الفشل. والدليل أننا نشرع في الاستراتيجية الموالية دون تقييم السابقة، ودون الإفادة من الإخفاقات التي تم تسجيلها من لدن جهات رسمية. الغريب أنه بوشر في تفعيل استراتيجية المغرب 2030، والاستراتيجية السابقة لها لا تزال جارية. هذا يعطيك صورة بأن الذين يصوغون هذه الاستراتيجيات لا يفيدون من أعطابهم بالمرة، ولكأن تفعيل استراتيجية ما هو عربون ضمان نجاحها.

الصباح: هل يمكن تصور التحول الرقمي في ظل استمرار مستويات مرتفعة من الأمية التكنولوجية، وعدم التقدم في الانتقال إلى مجتمع المعرفة؟

يحيى اليحياوي: هذا سؤال إشكالي كبير. إحدى سبل التحايل عليه هو القول بأن التحول الرقمي هو أداة لمواجهة الأمية الرقمية، لكن شريطة أن توضع برامج لذلك وأن يتم الرهان على التكوين وعلى المشاركة. إدماج الرافعة الرقمية في المدارس والجامعات أساسي، لكن لتطوير الأداء والتفاعلية وليس من باب الموضة العابرة. والدليل أن العديد من المنصات الجامعية مثلا، لا تتضمن إلا أخبارا عامة وبرامج للامتحانات وسبل الحصول على بعض الوثائق والنقاط المحصل عليها. ليس ثمة منصات تفاعلية، تكون موادها مكملة للتحصيل عن قرب. من جهة أخرى، أتصور أننا لا نعاني من أمية تكنولوجية، بدليل الانتشار الواسع للهواتف النقالة مثلا، بقدر ما نعاني من أمية معرفية، بدليل أن الهاتف النقال ليس عند الغالبية العظمى منا إلا أداة تسلية وترفيه، وليس وسيط معرفة.

الصباح: يلاحظ أن ورش الرقمنة سجل تقدما في قطاعات دون غيرها، هل لخطأ في تحديد الأولويات أم لأسباب لوجيستية؟

يحيى اليحياوي: هذا صحيح. إذ ألاحظ أن كل المصالح التي تذر مداخيل للدولة قد قطعت أشواطا كبيرة في مجال رقمنة مصالحها. وهو ما نلاحظه في مجالات تحصيل الضرائب والقيمة المضافة والجمارك والضمان الاجتماعي والمحافظة العقارية وقس على ذلك في الأبناك وشركات التأمين. في حين نجد أن قطاعات كالتعليم والصحة لا تزال في المؤخرة. الذي يجب أن يكون هو ما أسميته في إحدى كتبي ب"الدولة/المنصة"، حيث كل الخدمات عن بعد، من شهادة الميلاد إلا وثيقة الوفاة. ولدينا في ذلك العديد من التجارب الرائدة، كأستونيا مثلا. لا نزال نشتغل في المغرب بمنطق الأولويات، في حين أن التوجه بجهة الدولة/المنصة يجعل كل خدمة أولوية في حد ذاتها.

السؤال الخامس: أخضع المجلس الأعلى للحسابات، الاستراتيجية الرقمية للتقييم، وأقر بفشلها في تخفيف الهوة الرقمية. ما هي في رأيك الأعطاب الكبرى التي واجهت مختلف المخططات، رغم كلفتها الباهظة؟

يحيى اليحياوي: تقارير المجلس الأعلى للحسابات كانت جلدا حقيقيا لبعض من هذه الاستراتيجيات. لقد وقف على اختلالات بمرتبة جرائم حقيقية، لا سيما بخصوص الاستراتيجية الأولى والثانية. لقد تم إنفاق ملايير الدراهم، لكن بعضها لم يتم تحديد نقط صرفها، وأخرى تم تبذيرها بدون وجه حق، وثالثة لم يعثر المجلس على أثر لها يذكر. ثم إن الذين يصيغون هذه الاستراتيجيات غالبا ما يعتمدون على مكاتب دراسات أجنبية يحددون لهم التوجهات والمحاور والآماد الزمنية، فتكون هذه الأهداف متعذرة المنال أو غير مستدامة دائما.

ليس هناك تصور ناظم لهذه الاستراتيجيات. يبدو لي أننا نبني الاستراتيجيات اللاحقة دون معرفة نقط قصور اللاحقة. وأنا أتأمل محاور استراتيجية المغرب الرقمي 2030 مثلا، بدا لي الأمر ولكأنها لم تكن مسبوقة باستراتيجيات أخرى. ليس هناك تقييم دقيق للسابق، معاينة لنقط القصور فيه ومحاولة تجاوزها.

استجواب، جريدة الصباح، 22-23 فبراير 2025

أجرى الاستجواب: برحو بوزياني

قراءة المقال

يمكنكم مشاركة هذا المقال