تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"حظر ارتداء العباءة"

مجلس الدولة، أعلى محكمة إدارية في فرنسا، يصدر قراره بخصوص حظر ارتداء العباءة في المدارس الرسمية، ويقر بأن الحظر "لا يشكل تمييزا ضد المسلمين". هو القرار الذي أتى بعد تظلم إحدى الجمعيات الإسلامية من تفعيل قرار الحكومة الفرنسية منع ارتداء العباءة في مدارس الدولة، فمنعت بموجبه ولوج المدارس للفتيات التي يضعنه.

الحكومة الفرنسية استندت في قرارها على مبدأ علمانية الدولة المكرس دستوريا، ثم ارتكزت على قانون العام 2004، الذي يمنع وضع الرموز الدينية في المدارس العمومية. هو قانون يعني كل الديانات، لكن "مسلمي فرنسا" اعتبروا قرار الحكومة، كما قانون العام 2004، تمييزا ضدهم وضد ديانتهم، التي يعتبرونها ثاني ديانة في البلاد.

ليس مهما هنا العودة لحيثيات الحكم ولا لمسوغاته، فهو واضح ومباشر وواجب الإعمال من باب سلطة القضاء وسيادة القانون. بيد أن الإشكال، وإن حسم على مستوى القضاء، فهو باق وسيبقى على أرض الواقع، باعتباره قانونا تمييزيا من وجهة نظر العديدين، لا سيما المنظمات الإسلامية التي تعمل في فرنسا، ناهيك عن المسلمين العاديين الذين يشعرون بالتضييق.

إن المسألة لا تتعلق بقانون هنا أو هناك. إنها تتعلق بإشكالية الاندماج التي لم تنجح فرنسا في استنباتها لسنين عدة. تم الدفع في البدايات الأولى بالإدماج، أي إخراج قوانين وتدابير ذات طبيعة اقتصادية واجتماعية، يكون من شأنها رفع أشكال الإقصاء والتهميش التي تتعرض لها هذه الشريحة من المجتمع.

بيد أن هذا التوجه لم يفلح، كونه راهن على الإدماج بصيغتي الصهر والتذويب في النسيج الاجتماعي العام، بصرف النظر عن المعتقد أو اللغة أو الثقافة أو منظومة القيم الناظمة لسلوك هذه "الأقلية". لم تؤد سياسة الإدماج تلك إلا إلى ازدياد منسوب التقوقع والانكفاء حول الذات. سادت القناعة حينها أن القصد هو تحييد المختلف حوله، بغرض تثمين ما هو مشترك. وبما أن المختلف حوله يحيل على الدين والهوية، فقد اصطدم توجه الإدماج برفض مبطن، تم التعبير عنه في الفضاء العام باستمرار التشبث بالخاص.

أما سياسة الاندماج، فلم تحمل بعدا قسريا مباشرا كما الحال مع الإدماج. لقد ركبت ناصية الإقناع والمرونة في "تطويع" منظومات القيم كي تتساوق مع سياقات العلمانية التي لا مناص من الاشتغال في ظلها وتحت سقفها. لكن البادرة لم تلق النجاح هي الأخرى، بسبب تمنع الأطراف وتعذر مسالك الإقناع، واستمرار التشبث بالمعتقد الخاص أيضا.

العديد من المنظمات الإسلامية، على اختلاف مشاربها وجهات انتماءاتها، لم تتبن هي الأخرى هذه التوجهات، بل كانت تراهن على القبول بالاندماج لكن في ظل التمايز. إذ الغالبية العظمى من مسلمي فرنسا هم مواطنون بالصفة، ومن حقهم، أو هكذا يقال، أن يعيشوا اختلافهم وتنوعهم في ظل الوحدة.

وبصرف النظر عن هذه الطروحات، فلا بد من أن نعترف بأن إشكالية الإسلام في فرنسا، وفي الغرب بوجه عام، إنما تكمن بالبداية وبالمحصلة النهائية، في تصادمه المباشر مع العلمانية. العلمانية فصل للدين عن الدولة، أي تحييد الدين من الحياة العامة، وإخضاع هذه الأخيرة لما يرتضيه الناس فقط، بصرف النظر عن معتقدهم. أما الإسلام فهو دين ودولة، أو هكذا ما يراه المسلمون ويعتقدون به، سواء ببلدانهم/الأصل أو ببلدان المهجر. لذلك، فهم يرون في استبعاده تمييزا لهم، لا سيما وأنه هو الناظم الأساس لحياتهم ولعلاقاتهم ببعضهم البعض وبالآخرين.

صحيح أنهم لا يمانعون في أن يكون المعتقد ضمن القضايا الخاصة، لكنهم يرفضون ألا يأخذ ذلك تعبيرات بالشارع، لا سيما لو كانت مرتبطة بالملبس والمأكل وممارسة العديد من الشعائر والطقوس الأخرى.

يبدو بالتالي، أن قرار الحكومة الفرنسية ثم مجلس الدولة، لا يجب أن يختزل في حظر ارتداء العباءة أو الحجاب أو ما سواهما. هو أبعد من ذلك بكثير، لأنه يطرح إشكالية كيفية وأدوات التوفيق بين الإسلام والعلمانية في بلدان أوروبا، وفي الغرب بوجه عام.

نافذة "رأي في الشأن الجاري"

4 شتنبر 2023

يمكنكم مشاركة هذا المقال