تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"في النقد والانتقاد"

يضيق البعض بالنقد. يعتبرونه مصدر إحباط، تثبيطا للهمم، جلدا للذات وبادرة غير ذات جدوى في مجتمعات لا تقبل الانتقاد، فما بالك النقد، وفي بلدان تضيق أنظمتها بالرأي المخالف حد إعمال المضايقات بوجهه، ثم مطاردته، وقد يذهب الأمر حد سجن صاحبه أو اغتياله.

يذهب البعض الآخر، حد اعتبار من ينتقد، شخصا سوداويا، متشائما، لا يرى إلا نصف الكأس الفارغ، أي ذاك الذي لا يتساوق مع واقع الحال، فيبحث في التفاصيل كي يعثر على "ما يفسد الوليمة" على أصحابها، ويعكر صفوهم، ويسفه خطابهم أمام مواليهم وجمهورهم ومن يزين لهم السلوك والممارسة.

هذا صحيح في جزء منه فقط، لأننا مجتمعات لا تطيق كثيرا من ينتقد أو يبالغ في النقد. اشتغلوا على مخيالها العام وعلى ذهنيتها، حتى بلغ بها التنميط درجة بات معها الخطاب الواحد هو "الحق"، وما سواه باطل ومزايدة جوفاء. لذلك، كثر المنافقون والمداهنون والاسترضائيون ومرتزقة الكلمة وبائعو الوهم. فتوسع سوقهم وبات لبضاعتهم "قيمة" في السوق، ولم يعد لها من منافس إلا من ينسج على منوالها.

هذا في باب الانتقاد. وهو باب مقدور عليه، لأن المنتقد لا يحتاج لعلم في النقد كي ينتقد. مجرد أن يتجاوب مع واقعة ظلم، أو حادثة تجاوز، أو ممارسة تسلط، أو سلوك ابتزاز، هو انتقاد في حده الأدنى. قد يكون بالكلمة، بالصوت والصورة، بالريشة وبالنغمة. وقد يجد تعبيراته في الاحتجاج بالشارع أو بالمطالبة برفع مظلمة أو الحد من مفسدة.

هذا حد أدنى، وإلا سنكون بإزاء مجتمعات راكدة، متكلسة، بركة من الماء لا يرتادها لا إنسان ولا حيوان.

للنقد وظيفة أخرى، أقوى وأسمى منزلة. إنه حديث في الجزئيات غير المرئية. فيما يراه الناس "مليانا"، بينما هو فارغ إلا من هواء وبعض من الغبار. هو تجاوز للظاهر ونبش في الخلفيات. ثم هو تعرية للمقاصد الحقيقية، التي لا تعكس بالمرة ما هو رائج ومتموج فوق الماء.

النقد عملية حفر. ثم هو إعادة بناء، حتى وإن تطلب الأمر تقويض ما هو سائد وقائم. لذلك، فهو لا يستكين للرأي الجاري إلا إذا أخضعه للتقليب، فعمد إلى تجزيئه وتقطيعه وربط بعضه ببعض ووضعه في سياقه، حتى يستقيم.

بيد أن النقد يحتاج إلى قدرة فائقة في التفكيك وإعادة التأسيس، وإلا لبقي كلاما لا يعتد به، وحديثا عابرا لا يعار له أي انتباه. لذلك، فهو يتطلب تكوينا رفيعا ومعرفة واسعة بشتى ضروب المعرفة واللغات، ويستوجب دراية دقيقة بالمادة موضع النقد.

يقال إن الناقد أقوى من المادة موضع الانتقاد. وهذا صحيح إلى حد ما. إذ لا يستقيم عمل ناقد سينمائي مثلا إذا لم يكن بمقدوره أن يقف عند عورات السيناريو أو هفوات المخرج. لا يجب أن يكون مجرد منتقد كأي متفرج عادي. يجب أن يتجاوز ما هو معروض، بزاوية تحليله وتقييمه والنظر في طبيعة الرسالة المتضمنة فيه، والإشارات المضمرة التي يستبطنها، وهكذا.

بالآن ذاته، فالناقد الروائي ليس قارئا عاديا كأي قارئ عادي. يجب أن يكون "خبير رواية"، حتى يتمكن من سبر أغوارها والغوص في أبعاد الحكي المتضمن بين ثناياها، ودرجات الإبداع التي تتخللها. ناقد الرواية هنا، تماما كناقد الفيلم السينمائي، هو أقوى من صاحب الرواية. هو الذي يبين عيوبه ومكامن قصوره، وإن كان بروايته نكهة إبداعية أم مجرد حكي لا يضمر إبداعا ولا يخفي رسالة.

يتعذر على المنتقد والحالة هذه، أن يكون ناقدا، ويتعفف الناقد من مجرد دور المنتقد. هذا باب متاح ومستباح، وذاك باب "يتطلب السلاح"...

نافذة "رأي في الشأن الجاري"

14 غشت 2023

يمكنكم مشاركة هذا المقال