تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

نموذج في التنمية "متوافق عليه"

تم من مدة، تشكيل "لجنة خاصة" لصياغة نموذج تنموي جديد. كانت أسباب نزول هذا الأخير متأتية فيما يبدو، من "القناعة" بأن ما ساد لحد الساعة من سياسات وخطط وبرامج (وإن لم تكن تحت مسمى جامع واحد) قد استنفذ رصيده، أو لم يعد يواكب التطلعات والطموحات التي يتم التعبير عنها هنا وهناك، لكن دون أن تساق في "وثيقة رسمية" يتم الاحتكام إليها أو الرجوع إليها في تحديد السياسات العمومية، أو في تقييمها.

ليس المقام هنا مقام التوقف عند طريقة اشتغال اللجنة، ولا المرجعية التي انبنت عليها تشخيصاتها وتوصياتها وآليات التنفيذ. حسبنا هنا التذكير بأن التقرير قد اعتمد على مستوى عالي وتم التأشير للحكومة كي تضع "وصاياه" موضع الأجرأة والتطبيق.

بيد أن سياق التقرير لا يمكن إلا أن يثير عديد إشكالات، تحدثنا فيها من قبل وتحدث فيها غيرنا أيضا. ولعل الإشكال الأساس هنا إنما هو ذاك المتعلق بالخلفية التي حكمت التقرير وتم القبول بجعلها خيطه الناظم: التوافق.

تم التسليم به من البدء بأن يكون هو السقف الذي في ظله ستصاغ التوصيات والتوجيهات، على اعتبار أن التشخيص لن يكون مدعاة خلاف كبير بين الأعضاء، حتى بتمايز قناعاتهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية واختلاف مشاربهم المهنية. فواقع الحال قد خضع لتشخيصات عدة، من لدن جهات عدة، ومن زوايا عدة، تقاطعت في مجملها حول حجم وطبيعة الأعطاب الكبرى للنظام وللمنظومة على حد سواء.

قد نذهب هنا وبامتداد لذلك، حد التسليم بأنه مادام التشخيص قد لقي الاتفاق وحظي بالموافقة، فإنه من غير البديهي أن تترتب عنه نفس التوصيات، لا في أبعادها ولا في مواقيت تنفيذها ولا في سبل التمويل التي قد تترتب عنها.

سينتج عن ذلك لا محالة نقاشات ودفوعات متباينة، ستكون الكفة فيها مرجحة لفائدة "الرأي الغالب"، حتى وإن كان رأيا لم يفرزه الإجماع. وبما أن الأمر كذلك، فإن التنازلات قد تباشر، وقد تصل حد المساومات، وإن من وراء ستار. التوافق هنا ليس حالا طبيعيا يستجلب بالإقناع. إنه حالة مصطنعة صرفة، صكها توجه "الأغلبية" وفرضتها قسرا منهجية التوافق، فرضخت لها "الأقلية" صاغرة، من باب احترام "المتوافق بشأنه".

التوافق هنا يحيل على الأدنى، ثم على الوسط، على ما يجمع لا على ما يفرق، على الواقع كما تم تشخيصه، لا على الطموح الذي تشي به طبيعة العمل، أو يستوجبه هول الخصاص.

لسنا ضد أن يكون ثمة توافقا بإزاء هذه الجزئية أو تلك. لكننا ضد أن يكون الخيط الناظم للتقرير برمته. يقال إن التوافق طال القضايا الاستراتيجية الكبرى، وما سوى ذلك لم يتجاوز نطاق تفاصيل الإجراءات المصاحبة، أو بعض جوانب الأجرأة والتنفيذ. هذه مقاربة عملية دون شك، لكنها تختزل باقي المقاربات فيها، وتدفع الأقلية لتتساوق مع ما تراه الأغلبية استراتيجيا، في حين أنه قد لا يكون كذلك دائما، أو لا يتم تمثله باعتباره تصورا استراتيجيا.

من جهة أخرى، فاللجنة لا يمكنها أن تفلت من عقال خيارات كبرى قائمة وقارة، ولا مجال للخروج عنها أو النسج على النقيض من طبيعتها، من طبعها ومن طابعها. لا يمكن مثلا، والحالة هذه، أن ينادي عضو من أعضاء اللجنة، بتأميم هذا القطاع أو ذاك، وهو يدرك سلفا أن السياق بات، منذ زمن بعيد، سياق خوصصة وليس سياق تأميم. ولا يستطيع آخر أن يطالب بتقوية دور الدولة والخيارات الكبرى تنحو بناحية تقليص دور الدولة وتحجيمه إلى حده الأدنى...وهكذا.

لذلك، فالسؤال الجوهري يبقى مطروحا: التوافق حول ماذا إذا كانت الخيارات الاستراتيجية الكبرى محددة قبليا من جهة خارجية، حتى وإن كان لها باللجنة أعضاء من وزن كبير ولربما الصلاحية الحصرية في التنبيه إلى ما قد يكون خطوطا حمر؟...ما نصيب "الاجتهاد" هنا بوجود النص؟

إننا ضد أن يصاغ لنا نموذجا في التنمية من عل. هذا من مجال التدافع بين الأحزاب. لكل أن يجتهد في استنبات "النموذج" الذي يحتكم لمرجعيته وقناعاته، وإن تسنى له إقناع المواطنين بالانتخابات، فله أن ينفذ مضامينه بناء على ما قدمه للناس، وإلا فعماذا يا ترى ستتبارى الأحزاب؟...ستتبارى فيما يبدو، في من تكون له القدرة والقابلية لتنفيذ توجهات وتوجيهات مملاة ليس إلا؟

وعلى هذا الأساس، فما دام المسلم به أن "مربع" النموذج محدد ومحدود، فما فائدة اللجنة وما فائدة توصيات التقرير؟...لا أرى فائدة كبرى لذلك، بدليل أن ما نراه من سياسات عمومية جارية لا يحتكم لا لهذه التوصية ولا لتلك...إنه يخضع لتوصيات جهات أخرى.

نافذة "رأي في الشأن الجاري"

17 يوليوز 2023

يمكنكم مشاركة هذا المقال