ما أقدمت عليه إسرائيل بمخيم جنين الفلسطيني بداية شهر يوليوز الحالي (يوليوز 2023)، لا يمكن أن يوصف إلا بكونه حرب إبادة جماعية على ساكنته. لا أدري السر في استعمال قوات الاحتلال الإسرائيلي لشعار "المنزل والحديقة" لنعث عمليتها وتوثيقها، لكن الثابت أن التسمية تحيل على منزل ما وعلى حديقة ما، في تجريفهما يدرك المبتغى.
قد يكون "المنزل" (وحديقته) هو تلك الشقة السكنية التي ادعى الاحتلال أنها "تستخدم لإيواء فلسطينيين هاجموا إسرائيليين، فضلا عن استخدامها مركزا لقيادة كتيبة جنين". وقد تكون استلهاما من أسطورة ما، ركبت الصهيونية ناصيتها، كما ركبت وتركب غيرها لتبرير موقف أو لتسويغ سلوك . ومع ذلك، فهل يحتاج تدمير شقة سكنية مزعومة في حي محصور، إلى طائرات مسيرة، وجنود مدججين بالسلاح ومركبات جوالة وحصار مخيم بأكمله، ببشره وبحجره؟
ربما. إذ لقوات الاحتلال مع المخيم سوابق بات يتحرز منها ويحتاط. لقد سبق لقوات الاحتلال الإسرائيلي أن حاصرت المخيم في أبريل من العام 2002، لأيام عدة، لكنه صمد وقاوم، لدرجة ذهب معها ياسر عرفات، إلى وصفه ب"جنين غراد"، قياسا إلى صمود مدينة ستالينغراد الروسية التي قاومت قوات ألمانيا النازية بعنف، عندما حاصرت المدينة خلال الحرب العالمية الثانية.
لم تكن "معركة جنين" في أبريل العام 2002، حدثا عاديا. لقد قتل خلالها حوالي 23 جنديا إسرائيليا، في أعقاب حصار للمخيم امتد لأكثر من عشرة أيام، وترتب عنه تدمير مئات المباني والمنشآت ونزوح مئات الأسر والعائلات.
في أبريل من العام 2022، أطلقت إسرائيل عملية خاطفة أطلقت عليها مسمى "كاسر الأمواج"، بغرض القضاء على "التنظيمات" التي اتهمتها باستهداف إسرائيليين، لكن المخيم صمد من جديد وتحصن وتحمل لحين خروج قوات الاحتلال.
صحيح أن استهداف المخيم في كل مرة وحين، يخلف ضحايا كثر وخسائر كبرى، لكن قدر المخيم هو أن يقاوم ويصمد ويتحمل الحصار. أكاد أزعم أن سكانه يدركون جيدا أن دخول قوات الاحتلال بات دوريا ومنتظما. ولذلك، فقد خبروا المحنة جيدا وباتوا على استعداد لتحملها.
من المثير للانتباه هنا صمت السلطة الفلسطينية المرابطة برام الله. لا بل في كل "غزوة" لقوات الاحتلال، تكتفي "الرئاسة" ببيانات تنديد واستنكار، مع مطالبة ما تسميه المجتمع الدولي بالتدخل أو بالحماية. وهي سردية بات الفلسطينيون على قناعة بأنها لا تفك حصارا ولا تضمن حماية.
أما بلدان الجامعة العربية، فقد باتت مدمنة هي الأخرى على التنديد، وتعتبره موقفا لصالح الفلسطينيين، في حين ألا أثر له على الأرض، لأنه لا يردع إسرائيل، ولا يقيم الحد عليها عندما تغتر وتتجاوز.
من غرابة الزمن العربي في الوقت الحالي، أن تدمير البيوت فوق ساكنة مخيم جنين، ومن قبلها على ساكنة قطاع غزة، لا يؤثر بالمرة على مسارات تطبيع الدول العربية مع إسرائيل. لقد بات سلوك هذه الأخيرة العدواني أمرا عاديا، يمكن التعايش معه، بدليل أن فرقة غناء شعبية مغربية كانت بصدد إحياء سهرة بمستوطنة أشدود، عندما كانت المسيرات تجول فوق سماء المخيم، والمدرعات تدك المنازل، ومطاردة شباب المخيم من شارع لآخر، تتم على قدم وساق.
جنين لا تحتاج لدعم. إنها مكتفية بذاتها. هي بحاجة لموقف دعم جاد وصادق فقط.
نافذة "رأي في الشأن الجاري"
26 يونيو 2023