لا أدري من أين أتت عبارة "المؤثرون" التي غالبا ما يتم وضعها كصفة لبعض الأشخاص أو الجهات. ولا أدري أيضا ما السر في "منحها" لهم ارتباطا بفعلهم على الشبكات الرقمية، لا سيما الفايسبوك واليوتوب، ولكأن لا تأثير لفاعلي باقي أشكال التعبير. يبدو هنا أن العبرة في التصنيف متأتية من عدد زوار الصفحة أو من حجم مرتادي هذا الحساب على اليوتوب أو ذاك.
هناك تعبير آخر، يثير النقاش أيضا، تعبير "صناع الرأي". وهذا أمر مبالغ فيه، لأنه يختزل تشكيل الرأي في هؤلاء، ولا يبقي لباقي المتدخلين إلا البقية الباقية. وهذه مسألة فيها نقاش.
ومع ذلك، فلو سلمنا بتسمية "المؤثرين"، فإن الرهان على هؤلاء لمحاربة التطرف ليس تلقائيا ولا هو من باب ما يفكر فيه هؤلاء أصلا. إنهم يراهنون على نسب المتابعة المدرة للمداخيل. بالتالي، فالمواد المثارة من لدنهم ليست من العيار الثقيل، كطرح قضايا الإرهاب والتطرف والتسامح والحوار والقبول بالاختلاف. إنها ليست من مجال اهتمامهم، وقد لا تكون ضمن الخط الذي يعتمدونه مع "جمهورهم" القار. هذه قضايا تستوجب خبراء ومتخصصين ومفكرين، لهم رؤيا وتصور وبمقدورهم تطوير خطاب قد يسهم في التخفيف من التطرف والحد من الاستقطاب.
المفارقة أن الإنترنيت يعج بمواقف التطرف، إذ يطور كل صاحب صفحة أو حساب أو موقع ألكتروني، خطابه الخاص به، ويروج له دون سبل محاججته، وإن حاججته قد يحجبك أو لا يعير محاججتك كبير اعتبار. هذا نراه في مواقع وصفحات وحسابات بعض الدعاة مثلا. وقد نجده أيضا في التيارات الأخرى، والتي اعتيد على تسميتها بالحداثية أو بالعلمانية.
الإنترنيت يطور خطابا أحاديا، أفقيا وثابتا، يخال لصاحبه أنه الخطاب/الحق وما سواه باطل. وقد تتعقد الأمور أكثر عندما لا يتم الاتفاق أصلا على كلمة التطرف، فيذهب الأمر حد رمي بعضهم البعض بالتطرف.
ولذلك أعتقد أن محاربة التطرف هي مسألة أكبر بكثير من أن تترك لما يسمى بالمؤثرين، تماما كما لا يجب ترك أمر الحروب للعسكريين، حتى وإن سمت مراتبهم. هذا عمل مؤسساتي بامتياز، يجب أن تحدد مفاهيمه وأطره وغاياته ومجال فعله. ويجب أيضا أن يصاغ له وبدقة الخطاب المناسب، وإلا فسنكون بإزاء عشرات الخطابات، كل منها يدعي محاربته للتطرف، لكن على طريقته، وقد تكون طريقة مضرة أو غير قادرة لأن تفي بالغرض.
استجواب لموقع "كيوبوست"، 27 فبراير 2023 (حسن الأشرف)
https://www.qposts.com/%d9%87%d9%84-%d9%8a%d9%86%d8%ac%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%ad%d8%a7%d8%b1%d8%a8%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b7%d8%b1%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%84%d9%83%d8%aa/
ملحوظة: نص المادة التي بني عليها الاستجواب المضمن في الرابط أعلاه وفي صيغة البي-دي إف.