مصطلح مجتمع الإعلام ليس مصطلحا جديدا، إذا لم يكن بزاوية الميزات والسمات، فعلى الأقل بزاوية الاستخدام الذي تعرض له هنا أو هناك. لقد استعمله نوربير فيينير بالعام 1948، مؤكدا على فكرة أن تداول المعلومات تعتبر الشرط الأساس للممارسة الديموقراطية.
من هنا، فإذا كان المصطلح غير جديد، فإن التطورات الهائلة التي طاولت ميدان الإعلام والمعلومات والاتصال، على مستوى الشبكات التحتية والخدمات المتفرعة عنها، هذه التطورات أعطت لنبوءة فيينير تجسيدها الحقيقي على أرض الواقع.
إرهاصات "الظاهرة" كانت موجودة إذن منذ أواسط القرن الماضي، إلا أنها تمظهرت بقوة بداية القرن الحالي، لتتمحور حول أربع سمات كبرى لم تكن معهودة من قبل:
+ السمة الأولى، سمة اللامادية. والمقصود بها هنا ظاهرة الاندماج القوي بين قطاعات المعلوماتية والاتصالات السلكية واللاسلكية والمسموع والمرئي. هذه الظاهرة تأتت بدورها بفضل تقنية الرقمنة، التي وحدت لغة هذه الروافد المختلفة، وجعلتها تتخاطب فيما بينها بواسطة بتات ومتتالية سلسلات من 0 و 1.
لم تعد المعلومات بموجب ذلك، تضع تمييزا بين الخطوط الهاتفية التي تربط بين كل حواسيب العالم، وبين كلمة مسموعة أو صورة متلفزة، أو بيان معلوماتي، أو محادثة هاتفية، أو ما سواها. لقد بات بفضل اللغة الجديدة، التي استحدثتها التقنية الرقمية، بات لكل وسيلة إعلامية، كتابا كانت، أم متحفا، أم منتوجا أثريا، بات لها رديفا رقميا يترجمها ويعبر عنها.
يبدو من غير الموضوعي والحالة هاته، الحديث عن أخلاق للصحافة المكتوبة، وأخرى للصحافة المسموعة، وثالثة للصحافة المرئية، كل فيما يخصها، وتبعا لمنطق تمايزها عن بعضها البعض، بل أضحى من الضروري التساؤل في البعد الأخلاقي "الجديد"، الذي من المفروض أن يكون الخيط الناظم لهذه الروافد الثلاثة وقد غدت "قطاعا" واحدا، بنيته التحتية واحدة، ولغته واحدة، ومآله المستقبلي واحد.
+ السمة الثانية: المعرفة. فإذا كانت عبارة "محتوى" تستخدم للدلالة على الرهانات الصناعية والاقتصادية لمجتمع الإعلام، وعبارة "معلومة" للدلالة على المضمون الرقمي المروج من بين ظهرانيه، فإن عبارة "المعرفة" غالبا ما بدأت تستعمل للتأشير على الأبعاد الاجتماعية والثقافية التي يحملها ذات المجتمع في طياته، أو يدفع بها للأمام أو يثمنها.
بالتالي، فإذا كان الرهان الاقتصادي يجد ترجمته المباشرة في الاندماجات الضخمة التي تعرفها روافد مجتمع الإعلام بين فاعلي "الإعلام الجديد"، بنى تحتية وشبكات ومضامين ومحتويات، فإنه يجد ترجمته أيضا، من الناحية العملية، في ولوج العديد من هؤلاء الفاعلين (مقاولات إنتاج، وشركات خدمات، وبنوك، ومكتبات، ودور نشر) ولوجهم "للأسواق الرقمية" الناشئة، بغية ترويج منتوجاتهم، والرفع من تنافسيتهم، وتوسيع مجال فعلهم بهذه الفضاءات الافتراضية متزايدة القوة والتأثير.
إن التحولات التكنولوجية الجارية منذ مدة، وعولمة الاقتصاديات الوطنية، وجنوح العديد من الشركات لتدويل وعولمة نشاطها بالتحالف مع شركات أخرى، عاملة بنفس القطاع أو دخيلة عليه، إنما الآية منه ركوب ناصية الشبكات الرقمية لمجتمع الإعلام، للانتقال إلى نموذج اقتصادي في الإنتاج الجماهيري وفق الطلب، أي في الإنتاج الضخم، لكن الموجه للأسواق ذات القدرة التسديدية المؤكدة.
أما على المستوى الاجتماعي والثقافي، فإن مجتمع الإعلام قد فسح في المجال واسعا للتعبير عن تحولين أساسيين اثنين: الأول هو تقويض مبدأ احتكار المعرفة من لدن نخب ضيقة ومحددة، كانت الوحيدة التي تملك وسائل وسبل الوصول والنفاذ إليها. المعرفة باتت، بزمن الطفرة التكنولوجية ومجتمع الإعلام، ملكا مشتركا تحطمت على محرابه شتى أشكال اللاتوازن والإقصاء اللذان كانا سائدين بزمن الندرة، أي بزمن ما قبل الثورة الرقمية. أما التحول الثاني فهو أن مجتمع الإعلام لم يكتف بتجسيد مبدأ تقاسم المعرفة، بل أدى إلى تجذير مبدأ التشاركية في إنتاجها وتخزينها وترويجها، واستهلاكها بالفضاء العام، وعلى نطاق كوني.
بهذه السمة أيضا، سمة المعرفة، يبدو أن البعد الأخلاقي بات حقا وحقيقة على المحك. فهو لم يعد وجها لوجه مع حالات "منعزلة"، كان أمر ضبطها ممكنا نسبيا من الناحية الأخلاقية، بل بات بإزاء مجال تتقاطع بصلبه التحولات التكنولوجية مع القطائع المؤسساتية، مع اعتبارات عولمة الاقتصاديات الوطنية والثقافات، ومع تزايد مد اقتصاد السوق و"قيمه" في الزمن كما في المكان.
+ السمة الثالثة، سمة المرونة. والمقصود بها هنا أننا بإزاء مجتمع الإعلام، إنما بتنا بإزاء مجتمع تتأتى القيمة المضافة بصلبه من المعارف والمهن الجديدة وعدم استقرار التراتبيات. بمعنى أن التعلم المستمر، وتجديد المعارف، والرفع من منسوب الكفاءة، قد غدت هي المحرك العميق للمجتمع إياه، ليس فقط بالنسبة للأفراد، ولكن أيضا بالنسبة للمنظمات والمجموعات البشرية.
بالتالي، فإن عدم الوعي بما سبق، والعمل على التكيف معه بالزمن والمكان، قد يكون من شأنه الإضرار باستراتيجيات الأفراد كما بترتيبات المنظمات. البعد الأخلاقي، بهذه الخاصية، يبدو في المحك أيضا وبقوة، إذ إن تزايد "لامادية" التيارات المعلوماتية وعولمة التيارات الاقتصادية، ونزوع الفاعلين الاستراتيجيين الكبار لسياسات التدويل وتعدد الجنسية، قد أفرغت "الوازع الأخلاقي" من مضمونه، أمام استراتيجيات البحث عن الأسواق، وتوسيع الحصص منها، والرفع من الإنتاجية، ثم من التنافسية، ثم من الربحية إلى آماد يصبح الكل في ظلها مع الكل ضد الكل.
+ أما السمة الرابعة، فهي سمة التحول. والتحول المقصود بهذه النقطة، وفي ظل التحولات التكنولوجية واضطراب المفاهيم (الثابتة إلى حين عهد قريب) لم يمسس فقط طبيعة ومكونات الدولة الوطنية، أو المؤسسات القومية، أو أدوار التقنين والتنظيم الملازمة للمكونات إياها، بل مس أيضا مفاهيم كبرى، كانت لعقود طويلة في مأمن عن كل تشكيك أو مزايدة. فمفهوم رأس المال أضحى بتات ألكترونية تتنقل بين الفضاءات الجغرافية دون إكراهات كبرى، حيث لم تعد طبيعته المادية إلا بعدا ثانويا لا يحتكم إليه. ومفهوم العمل لم يعد ممركزا بمكان، ولا محصورا بمجال، بل بات في حل من كل ذلك، بفضل الشبكات الرقمية التي مكنت العمل عن بعد، والتبادل عن بعد، وما سوى ذلك.
من هنا، فإن النموذج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، الذي كان سائدا بمرحلة ما قبل الطفرة الرقمية، لم يعد له من قيمة اعتبارية تذكر، بل تم "تعويضه" بنموذج ذهب عنصر الإنتاج الأساس من بين ظهرانيه، لفائدة المعلومة والمعرفة والرأسمالية المعلوماتية، المعرفية والإدراكية.
إن الوفرة التي مثلها النموذج الثاني لم تقتصر على الإنتاج، وإعادة الإنتاج اللامتناهي للثروة المادية والرمزية، بل ذهبت لحد إباحتها وإتاحتها بالفضاء العام، المادي منه كما الافتراضي على حد سواء.
التحدي الأخلاقي، بهذه السمة، سمة التحول، يكمن في أن هذا الأخير غير مستقر بطبعه وطبيعته، في حين أن الأخلاق تتميز بالاستقرار والثبات، وإن تسنى لها التحول، فلا يتم لها ذلك إلا بالمدى الطويل...أعني في الآجال المستهلكة للزمن وللفعل. كيف التوفيق إذن بين حقل إعلامي متموج المكونات والطبيعة، وبعد أخلاقي خاصيته الأساسية هي الاستقرار والتحول البطيء؟
بالتالي، فإن البعد الأخلاقي لمجتمع الإعلام إنما يستوجب مساءلة التحدي الذي يرفعه ذات المجتمع بوجه ذات البعد، في الزمن كما في المكان سواء بسواء.
"في مجتمع الإعلام كقطيعة مفاهيمية"، 25 شتنبر 2014.