تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

التنمية الاقتصادية وحقيقة التبعية في منظومة الاقتصاد العالمي

طارق أحمد الحصري، رسالة ماجستير، الأكاديمية العربية، الدنمارك، 2014، 188 ص.

بمقدمة هذا البحث، نقرأ التالي: إن "واقع الدول النامية يحمل معوقات تحقيق الأهداف. فعلى الرغم من اختلاف اقتصادياتها، من حيث حجم الدولة ومواردها، وخلفياتها التاريخية، وتباين هياكلها، ولكن يظل بينها مشترك عام، حيث مظاهر انخفاض مستويات المعيشة، وانتشار الفقر وتفاوت توزيع الدخول، وتدني مستويات الخدمات التعليمية والصحية، وارتفاع معدلات البطالة وانخفاض إنتاجية العمل، وضعف هياكلها في الاندماج مع معطيات ومتغيرات الاقتصاد العالمي، وزيادة فجوة العلاقة بينها وبين العالم المتقدم، والتي مهدت لتشكيل حالة الهيمنة في العلاقات الدولية".

إن الأدوات التنفيذية لدى المؤسسات المالية، يتابع الباحث، "والتي تؤدى أدوارها وفق استراتيجيات وأهداف تتعارض مع العديد من متطلبات وقدرات العالم النامي، قد توسعت في قيودها بشكل يعمق مفهوم السيطرة في الأداء، ليصبح تحقيق الأهداف الإنمائية مرهون بالتخلص من أعباء هذه القيود. وعلى الجانب الآخر، تطورت آليات الاقتصاد العالمي في الاستثمار الأجنبي المباشر والشركات المتعدية الجنسيات وسلاسل القيمة العالمية، ولم تصح الادعاءات بدعم الدول النامية. فالكيانات العالمية غير معنية بالجانب التنموي لهذه الدول، وحلول مشكلات الفقر والجهل وانتشار الأمراض والبطالة. فأهدافها كوحدات اقتصادية بكسب الاسواق والتوسع وتحقيق العوائد، مقدم على مصالح الدول النامية، ويشوبها الكثير من التحفظات بما يتعلق بمواردها ونمط الملكية فيها، وإدارة التنمية حق أصيل للدول بالإدراك الحقيقي لمتطلباتها، وما تملكه من قدرات ذاتية، وفي إطار علاقات التكافؤ مع العالم الخارجي وتوافر القدرة التنافسية".

 أما على مستوى المساعدات الدولية وباستثناء الجوانب الإنسانية منها، يلاحظ الكاتب، أن غالبيتها تتناقض مع الاستراتيجيات والأهداف التنموية، وتتداخل مع الدوافع والأغراض السياسية، وتتحول أحيانا لأدوات ضغط.

وقد قدمت دول كثيرة نماذج ناجحة لإدارة التنمية بأسلوب "يعتمد على الإرادة الوطنية وأولوية متطلبات الشعوب، والاندماج التدريجي مع الاقتصاد العالمي، وهذا الأسلوب الذاتي حقق أهدافها بمعدلات نمو كبيرة، وشكل مانعا ضد سلبيات الأزمات والتقلبات العالمية".

إن التطورات الاقتصادية والسياسية العالمية، ترفع تحديات كبيرة بوجه الدول النامية، من حيث مواكبه هذه التطورات بتحقيق الاندماج المتوازن مع الاقتصاد العالمي، أو من حيث اعتماد سياساتها الإنمائية التي تتوافق مع بيئة وظروف التطبيق ومتطلبات التنمية الحقيقية، ولا يفسح لها المجال للدول النامية لتسلك طريق التنمية المستهدفة، في ظل مشكلات التخلف، وضعف الأدوات والوسائل التنموية، وتفقد الفعالية بقيد التبعية الراسخة في العلاقات الدولية".

إن مشكلة التبعية نشأت، برأي الكاتب، منذ ظهر التقسيم الدولي للعمل، "وتراكم الحقب الاستعمارية، التي أرست ظواهر التخلف للدول التابعة، في علاقات ممتدة مع الدول المتقدمة. وحتى بعد الحركات التحررية، لم تفلح أغلبها في التخلص من تلك المشكلات، وتحرير الإرادة الوطنية. فأصبح التصنيف ما بين قوى لبلدان لها حق توظيف موارد العالم، بإمكانيات ما تملكه من ثروات علمية وتقنية ومادية، وبلدان فاقدة القدرة على تحقيق الحد الأدنى من توظيف مواردها لصالح تقدم شعوبها، وبالتالي استمرارها في دوائر التخلف بأبعاده".

من جهة أخرى، يلاحظ الكاتب أن البرامج الإنمائية التي حاولت الدول النامية اتباعها، لم تسلم هي الأخرى من التبعية الفكرية، "بفرض الأسس النظرية، أو النماذج المقدمة من الدول المتقدمة، والتي لا تتوافق في أغلب الأحوال مع بيئة التطبيق في البلدان النامية، بخصائصها الثقافية والاجتماعية والسياسية، ولم تكن في صالح شعوبها، والتسليم باتباع النموذج الخارجي، دون الإرادة الذاتية وقدرة المؤسسات الوطنية، لن تتحقق معه التنمية".

 ثم إن ما تقدمه المؤسسات الدولية مرهون بأولوية شروطها، يقول الكاتب، ومقدم على متطلبات التنمية. ولكي تتحقق أهداف التنمية، لا بد من تأسيس دعائمها على صحة التشخيص الصحيح لحالة الدولة وخصائصها، وبالتالي "تتخذ الخطوات التي تتناسب مع القدرات والموارد الذاتية للدولة، وفى ظل الآلية الصحيحة للعلاقات مع العالم الخارجي، والتحديات التي يفرضها الاقتصاد العالمي مع متطلبات وأهداف التنمية".

ويقر الباحث بأن التجارب العملية أثبتت نجاح الكثير من الدول التي اعتمدت نموذجا ذاتيا في إجراء عملية التنمية، وتمكنت من إحداث تنمية شاملة وحقيقية لقطاعاتها، وتبوأت موقعها داخل منظومة الاقتصاد العالمي، ضمن ما يصنف داخل إطار الاقتصاديات الصاعدة، مع اعتبار اختلاف المستويات ومعطيات الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لكل دولة.

ويخلص الكاتب إلى اعتبار أن ثمة ارتباط بين ظاهرة التخلف وضعف الأداء التنموي من جهة، والتبعية من جهة أخرى، والتي تعاني منها الدول النامية ومن استمرارية مظاهرها. ولتجاوز العديد من مشكلات الدول النامية المرتبطة بالتبعية، فإن الكاتب يلح على ضرورة تمثل التقدم كبناء ينطلق من القدرات الذاتية، ويبني إجراءات التنمية على أساس "واقع إدراكها الحقيقي بمتطلبات التقدم، وفق معطيات ظروفها".

* "التنمية الاقتصادية وحقيقة التبعية"، طارق أحمد الحصري، نافذة "قرأت لكم"، 10 يوليوز 2014.

يمكنكم مشاركة هذا المقال