عزمي بشارة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، يناير 2011، 32 ص.
يعتبر الكاتب أن الحديث عن إسرائيل كدولة يهودية هو "إقصاء حق العودة للاجئين الفلسطينيين تماما، وإسقاطه قبل مناقشته، ومراجعة شرعيته الدولية، بوضع مبدأ آخر متفق عليه بين الفرقاء، هو مبدأ دولتين لشعبين، فوق مبدأ حق العودة...كما يعني قبول يهودية الدولة إقصاء دوليا وعربيا لمبدأ الدولة لجميع مواطنيها، الذي تحدى مسألة يهودية الدولة داخليا، وضعها في حالة تناقض وصراع مع فكرة المساواة والديموقراطية".
الأخطر من ذلك كله، يلاحظ الكاتب، أن الاعتراف العربي المنشود، سيتعدى الاعتراف بدولة قائمة إلى اعتراف بالصهيونية وبشرعيتها التاريخية. وبالتالي، "يتحول الاعتراف العربي من اعتراف تسووي واقعي، إلى اعتراف مبدئي بحق تاريخي، وهو لا يعني إلا أنها كانت تاريخيا على حق، والعرب كانوا تاريخيا على خطأ بشأن فلسطين".
من هنا، ففيما عدا نفيه لحق العودة، فإن "مثل هذا الاعتراف، إذا حصل، هو إنجاز سياسي معنوي ثقافي يعادل إقامة دولة إسرائيل، ليس في الواقع الملموس، بل في الثقافة والفكر والخطاب السياسي". وقد قال بن غوريون من أكثر من ستة عقود: "ليس لنا أن نفصل الدين عن الدولة، فهنالك وحدة مصير بين دولة إسرائيل والشعب اليهودي".
ويتابع الباحث بالقول بأن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي اعتمدت حركة علمانية هي الصهيونية، حجة دينية تاريخية كحجة وحيدة لتبرير السيادة وحق تقرير المصير، إذ "يدعى بموجبها حق تاريخي توراتي على الأرض".
بالإضافة إلى ذلك، فلا يجري في الحالة الإسرائيلية "اختبار يهودية اليهودي أو صحة إجراء تهود غير اليهودي، لغرض تحصيل المواطنة الإسرائيلية فحسب، بل ترفض أيضا يهودية من غير دينه من اليهودية إلى ديانة أخرى، فلا يعود قانون العودة ينطبق عليه إذا غير دينه".
ويعتقد الكاتب أن "الديموقراطية الإسرائيلية قد تطورت كثيرا خلال الخمسين سنة الماضية، إذ انتقلت من مجتمع استيطاني مجند ومعبأ، إلى مجتمع رأسمالي حديث واستهلاكي، على الرغم من أنه لا يزال محكوما بمهمات قومية وإيديولوجية، أهمها التناقض الاستيطاني مع المحيط".
إلا أن سياق هذه الديموقراطية يبقى دائما هو السياق الصهيوني الذي يعاد إنتاجه في كل مرة، وعلى مستوى أعلى. ويشكل "الاتفاق على هدف الدولة كدولة اليهود، وكدولة يهودية تهدف إلى جمع الشتات واستيعاب الهجرات الصهيونية وما يترتب عن ذلك، أساس الديموقراطية الإسرائيلية". بالتالي، فإن "الصهيونية لا المواطنة، هي وعاء الديموقراطية الإسرائيلية".
ويتصور الكاتب أنه، في حالة إسرائيل، لا يمكن فصل يهودية الدولة عن ديموقراطيتها. "ولا يعود ذلك إلى نص قانوني ملزم، بل إلى التشكل التاريخي ذاته للكيان السياسي وغاياته ودوافعه، وإلى عملية بناء الأمة التي شكل هذا الكيان أداة لها".
ما يثير الاستغراب، برأي الكاتب، أن هذه "المعزوفة" قد باتت مقدسة في أدبيات الأحزاب والنصوص التشريعية الصادرة عن الكنيست، لا بل بات يطلب من "الآخر" الاعتراف بذلك، لدرجة دفعت الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن إلى القول في 4 يونيو 2003: "اليوم، أمريكا ملتزمة بقوة بأمن إسرائيل كدولة يهودية مفعمة بالحيوية"...فأصبحت يهودية إسرائيل مسألة دولية بامتياز، بات الحقيقة المراد فرضها بعدما تم الاعتراف لها بالدولة ذات السيادة.
لم تقف إسرائيل عند هذا الحد، بل اشترطت لدى مناقشتها خطة "خارطة الطريق"، تنازل الفلسطينيين صراحة عن "كل ادعاء بحق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى داخل إسرائيل. كما طلب من الفلسطينيين "أن يعلنوا أن إسرائيل دولة يهودية، في إطار التصريحات الافتتاحية المطلوبة من الزعماء في بداية خارطة الطريق".
إن جوهر الدولة، يقول الكاتب، هو أنها دولة يهودية، لكن نظام الحكم فيها هو نظام ديموقراطي. ويستشهد هنا بمقولة للبروفيسور أسا كشير بأن فكرة "دولة إسرائيل هي دولة اليهود، وفكرة أن دولة إسرائيل ديموقراطية، هي أفكار مؤسسة لدولة إسرائيل، وأي تغيير جوهري في إحداها يؤدي إلى تغيير متطرف في ماهية الدولة وفي مكانتها الأخلاقية، وفي نسيج العلاقات بينها وبين مواطنيها، وبينها وبين الشعب اليهودي".
من جهة أخرى، يلاحظ الكاتب أنه على الرغم من شيوع عبارة "دولة اليهود" من ذي قبل (باعتبارها ترجمة العلاقة بين الدولة وبين مجموعة الناس اليهود)، فإن يهودية الدولة تتجاوز على ذلك بكثير من ناحية الشكل والجوهر.
إلا أنه يلاحظ بالمقابل، أن "الدولة اليهودية إذا أرادت المحافظة على يهوديتها، تجد نفسها في حالة تناقض مستمر، أولا مع سكان البلاد الأصليين، اللاجئين منهم وغير اللاجئين، وثانيا مع الديموقراطية والقيم الكونية".
* "دولة يهودية وديموقراطية"، عزمي بشارة، نافذة "قرأت لكم"، 30 أكتوبر 2014.