تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الإنترنيت كمنظومة تكنولوجية

news-details

في الجزء الأول من ثلاثيته الضخمة عن "عصر المعلومات"، يقول عالم الاجتماع الإسباني مانويل كاسطيل متحدثا عن الشبكات: "إن الشبكات تكون المرفولوجية الجديدة للمجتمعات، ومنطق الربط الشبكي غدا محددا جوهريا لمسلسلات الإنتاج والتجارب والسلطة والثقافة... لكن المستجد اليوم حقيقة، أن تكنولوجيا المعلومات منحت هذه الأخيرة قاعدة الامتداد إلى المجتمع برمته".

 صحيح، يوضح كاسطيل، في مبحث آخر، "أن الشبكة ليست تنظيما جديدا، إنها قديمة قدم الإنسان. لكنها كانت وبكل الأزمنة، مستباحة من لدن التنظيم الهرمي للسلطة وللإنتاج ومقتصرة على الحياة الخاصة". أما اليوم، يتابع كاسطيل، فقد مثل "ظهور الإنترنيت وشبكات الاتصالات، فرصة كبيرة للانتقال من المجتمع الهرمي إلى المجتمع الشبكي".

 وعلى هذا الأساس، فإن دفع شبكة الإنترنيت بهذا الانتقال شكلا وبالجوهر، لا يكمن فقط في طبيعة بنائها التكنولوجي، التي خولت لها ذات الميزة (والامتياز أيضا)، ولكن أيضا وبالأساس في مرونة بنيتها الثقافية، التي وفرت لها البيئة ووسعت من مجال فعلها وتفاعلها مع مستويات الاقتصاد والسياسة والمجتمع وما سواها.

 أن يجزم المرء من البدء أن الإنترنيت إنما هو أصلا وبامتياز، تنظيم شبكي، ليس معناه فقط تحبيذ الطابع التقني الذي يحكم تمفصلاته الكبرى، لا سيما في بداياته الأولى، ولا تقديم المنظومة المؤسساتية الثاوية خلفه، قياسا إلى ما سواها من منظومات، ولكن أيضا التركيز على الصفة الملازمة له، كونه كان ناديا للنخبة لم يبلغ صفة الجماهيرية إلا متأخرا وبالتدريج.

والواقع أنه أيما تكن زاوية الرؤية المعتمدة لدراسة شبكة الإنترنيت، خصوصا في بعدها التقني الخالص، فإنه لا يمكن التجاوز على حقيقة أن الشبكة إياها إنما هي ملتقى ثلاثة عوالم، لطالما تراصت الحدود فيما بينها، وتباينت وظائفها وتنافرت مكوناتها.

 وتلاقي هذه العوالم، عوالم الاتصالات والمعلوماتية والسمعي/البصري، الفاسح في المجال لنشوء الإنترنيت (بكل أجياله)، لم يكن له ليتكرس ويتداخل لدرجة الاندغام، لولا "الثورة الرقمية" التي أفرزت معيارا موحدا (لغة واحدة يقول البعض)، من شأنه توحيد كل أشكال التعبير المتوفرة، نصا وصوتا وصورة وهو ما لم يكن، من ذي قبل، ممكنا ولا متاحا، في غياب لغة التواصل هاته، أو انحسار مداها على قطاع (المعلوماتية تحديدا) دون ما سواه من قطاعات أخرى.

بالمقابل (أو في صلب كل ذلك)، لم يكن بإمكان الرقمنة وحدها أن تدفع بمد التلاقي هذا إلى حدوده القصوى، لا سيما بالوجود المتزايد لأحجام ضخمة من المعلومات المرقمنة، تزداد الحاجة في خضمها إلى تقنيات ضغط فعالة وصبيب للإرسال واسع.

 ومعنى هذا أنه من المتعذر حقا، لدرجة الاستحالة ربما، نقل وتخزين وإرسال وتوزيع المعلومات المرقمنة إذا لم تتوفر الأدوات والتقنيات التي من شأنها التقليص من حجمها، وهو ما صممت لغايته "تقنيات ضغط المعلومات". إذ بفضلها يتم تقليص حجم المعلومات عبر ضغطها عند الإرسال، ويزاح الضغط عند نقطة البلوغ، فستسترجع المعطيات صورتها الأصل، أي كما كانت عند الإرسال دون ما يترتب عن ذلك ضعف أو بتر أو تشويش.

 وعلى الرغم من تسارع وتيرة تلاقي العوالم الثلاثة، بداية ثمانينات القرن الماضي، فإنها قد تزامنت أيضا وبالأساس مع ظاهرتين تقنيتين عميقتين، كان لهما وقع كبير على مسار وطبيعة الإنترنيت:

+ الأولى وتخص الطفرة الكبرى التي طاولت قطاع المعلوماتية، وتحديدا في الجانب المتعلق بالتزايد غير المسبوق في قدرات تخزين المعطيات، والسرعة الهائلة في معالجة ذات المعطيات زمنا وفي المكان.

والسر في ذلك لا يتأتى فقط من بروز الأفراص المدمجة ذات قدرات التخزين العالية، ولا من المرونة التي تتمتع بها لدى الاستخدام، ولكن أيضا من التطور المذهل في ذاكرة الحواسيب، والتي كان من شأنها الرفع من قدرة هذه الأخيرة على معالجة المعلومات، بمستويات قياسية، وفي مدة زمنية لا تتعدى العقدين.

 + أما الظاهرة التقنية الثانية فتتعلق بالحركية الكبرى التي عرفها قطاعي الاتصالات والسمعي/البصري امتدادا أو تزامنا، وإن بوتيرة تطور أقل، لما عرفه قطاع المعلوماتية.

والواقع أن الرقمنة، التي استنبتها قطاع المعلوماتية من بين ظهرانيه، لم تفتأ تطاول شبكات الاتصالات المرقمنة، مبدلات وأجهزة إرسال، وكذا الشبكات التلفزية المتاحة عبر كوابل الألياف البصرية، أو الموفرة عبر السواتل أو ما سواها من أعتدة وأدوات.

 نحن إذن، بالظاهرة الأولى كما بالثانية، إنما بإزاء تحول جذري في طبيعة العلاقات التي كانت سائدة إلى حين عهد قريب، بين القطاعات الثلاثة، والتي ساهمت في تقاربها تقنيات الرقمنة والبرامج المعلوماتية وتطور ذاكرات الحواسيب وما سواها...لدرجة قد يزعم معها المرء أننا سنكون بمحصلة التطور التكنولوجي، بإزاء قطاع واحد موحد، وبإزاء جهاز واحد يوفر الكلمة المكتوبة والصوت المسموع والصورة المرئية، بتفاعلية كبيرة، ودونما حاجة لاستمرار الهاتف والتلفاز والحاسوب متفرقين، كل يعمل في فضائه، ويبذر الجهد والمال فيما قد يكون مشتركا أو منسقا.

 يقول آلن تورك في هذا الشأن: "إن هذا الفضاء التكنولوجي المتسارع التطور، إنما يتميز بالتداخل المتزايد لمختلف أشكال الاتصال، سواء تعلق الأمر بالمعلوماتية أو بالاتصالات أو بالسمعي/البصري أو بحوامل الإرسال، وسواء تعلق الأمر بالشبكة الهاتفية، بالكابل، بالشبكات الهرتزية أو بالألياف البصرية. توحيد مكونات مجتمع المعلومات المختلفة هاته إنما يجد تبريره ومحدده المادي كونها (المكونات) تترجم بواسطة لغة موحدة، لغة الرقمنة".

 ويتابع، متحدثا عن آفاق توحيد الجهاز: "إن التوجه بجهة جهاز واحد، يجمع وظائف الهاتف والتلفزة والقناة الإذاعية والحاسوب، أمر وارد، لا سيما بالنسبة للمستهلك الذي سيجد نفسه، في سياق فضاء التعقيد المتزايد، بإزاء آلة جامعة توفر البلوغ لكل وظائف مجتمع المعلومات، لكنها مثالية في الوقت الراهن، حتى وإن كانت قائمة على المستوى الثنائي، أي اندماج إثنين بانفصال والآخر (الحاسوب والتلفاز مثلا)".

 ولئن كان اندماج الأقطاب التكنولوجية الكبرى في واحد منها (على الأقل بزاوية الجهاز) أمر غير قائم بداية هذا القرن، فإن ذات الاندماج أضحى (بجانب الوظائف على الأقل) قائما مع بروز الإنترنيت، وتحديدا مع تمحور كل أشكال الاتصال حول جهاز الحاسوب، الذي هو "مصب" الإنترنيت النهائي بهذا الشكل أو ذاك.

 من غير المبالغ فيه إذن أن يحمل الإنترنيت منذ بداياته الأولى وإلى اليوم أيضا، مسمى "شبكة الشبكات" باعتباره نظاما فيدراليا لشبكات مختلفة ومتباينة، وليس بأي حال من الأحوال شبكة موحدة أو مصممة على هذه الخلفية.

يقول تورك بهذه النقطة: "إن ظاهرة الإنترنيت باستخدامها لكل أنواع الحوامل، إنما كانت المؤشر لظهور نظام موحد للمعلومات" كمعطى جديد لكنه يعبر في الصميم، عن واقع قديم قائم.

* "الإنترنيت كمنظومة تكنولوجية"، 19 يناير 2015.

يمكنكم مشاركة هذا المقال