تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأمازيغية المعيارية

محمد الكوخي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، شتاء 2014، 25 ص.

بمقدمة هذه الدراسة، نقرأ التالي: "ظهرت القضية الأمازيغية إلى الوجود لأول مرة أواخر الستينات من القرن الماضي، وذلك في سياق التحولات الجذرية التي عرفتها البلدان المغاربية في القرن العشرين، ونشوء الدولة الحديثة في المنطقة نتيجة التدخل الاستعماري، مع ما رافق ذلك من تحولات عميقة على مختلف المستويات، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. وهو ما أدى إلى بروز سؤال الهوية أول مرة في المنطقة، كتعبير عن المخاض العسير لتلك التحولات".

ويتابع الكاتب بأن القضية قد ظهرت كردة فعل على الخطاب الهوياتي المتبنى من طرف دولة الاستقلال في البلدان المغاربية، حيث نسبة كبيرة ممن يتحدثون الأمازيغية، لا سيما في المغرب والجزائر.

ويلاحظ أن القضية الأمازيغية كانت في بداياتها الأولى، قضية ثقافية، الغرض منها إيصال "صوت المكون الثقافي الأمازيغي، الذي هو جزء رئيس من مكونات الهوية المغاربية، وهوية الإنسان بشكل عام في بلاد المغرب الكبير".

لكن هذه القضية الثقافية قد بدأت، منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، تأخذ منحى آخر، لتتحول من "قضية ثقافية إلى قضية ذات أبعاد سياسية، مع ارتفاع الأصوات المنادية بالاعتراف السياسي بالقضية، ودسترة اللغة والثقافة الأمازيغية ضمن دساتير ديموقراطية".

بعد ذلك، ونتيجة الأحداث المختلفة التي عرفتها المنطقة أواخر الثمانينات (تراجع منظومة المغرب العربي، تقلص مد البعد العربي الوحدوي، انتفاضات الأمازيغ هنا وهناك...الخ) برزت إرهاصات نزعة قومية جديدة، تحاول "إعادة قراءة القضية من منظور قومي مختلف تماما عن المنظور الثقافي السابق، الذي كان يرمي إلى التعريف بالقضية، وتقديم اللغة والثقافة الأمازيغية كجزء من الهوية التعددية لمجتمعات شمال إفريقيا، المتميزة بالميزتين الرئيستين: التعدد والانصهار".

بالتالي، باتت القضية الأمازيغية تقدم باعتبارها تعبيرا عن صراع مفترض على أرض شمال إفريقيا، "بين ذات أمازيغية أصلية وأخرى عربية دخيلة". وعن هذا ترتب كل الخطاب "التأصيلي" الذي تشرب بنزعة قومية طاغية: التأصيل العرقي بناء على الادعاء بوجود عرق أمازيغي خالص، التأصيل اللغوي بناء على ادعاء وجود لغة أمازيغية، والتأصيل الثقافي بناء على وجود ثقافة أمازيغية أصلية...الخ.

ويرى الكاتب أن هذا التوجه تعتريه أخطاء كبرى، إذ يقوم على تشويه واقع التعدد والتنوع الكبير لساكنة المنطقة، وأيضا كونه يشكل "عائقا كبيرا أمام أي محاولة مستقبلية لتأسيس أنظمة ديموقراطية، تقوم على أساس مفاهيم المواطنة واحترام التعددية وحقوق الإنسان، وعائقا أيضا أمام أي محاولات مستقبلية لتحقيق الوحدة المغاربية المنشودة".

ويلاحظ الكاتب أنه منذ ظهور الحركة الأمازيغية، كثر الكلام عن "اللغة الأمازيغية" ودورها في تشكيل وعي الإنسان وتشكيل هويته ووعيه بذاته وبمحيطه.

فهل "الأمازيغية" لغة واحدة متعددة اللهجات، أم هي لغات متعددة ومختلفة تجمع بينها قواسم مشتركة؟".

يميز الكاتب هنا، بناء على ما قام به علماء اللسانيات، بين اللهجة واللغة، بالانطلاق مما يسمى "معيار التفاهم المتبادل". وهذا المعيار "يقوم على تحقيق اللغة للوظيفة الأساسية من وجودها، ألا وهي التواصل".

معنى هذا أنه إذا لم يستطع متحدثان فهم بعضهم البعض، فهذا يعني أنهما يتكلمان "لغتين" مختلفتين ومستقلتين، حتى لو وجدت بين هاتين اللغتين قواسم مشتركة معجمية ونحوية. أما إذا استطاعا التواصل، رغم وجود اختلافات معينة في المعجم، أو في طريقة النطق أو اللكنة، أو حتى في بعض القواعد النحوية، فإن ذلك يعني أنهما يتكلمان "لهجتين" مختلفتين، ولكنهما ينتميان إلى اللغة المشتركة نفسها التي غالبا ما تسمى اللغة المعيارية، أي لغة القراءة والكتابة والتعليم.

إن مسألة التفاهم وإمكانية التواصل شرط أساس، بنظر الكاتب، للحديث عن لغة موحدة ومشتركة. وفي غياب هذا الشرط، لا يمكن الكلام عن وحدة اللغة، لأن في ذلك "تناقضا صارخا مع أهم ما في اللغة نفسها، وهي وظيفة التواصل والتفاهم. أما اللهجات، فهي بذلك، وبحكم تعريفها، مجرد تنويعات مختلفة من اللغة نفسها: تنويعات على مستوى المعجم والنحو وطريقة النطق، لكن من دون المساس بجوهر اللغة في هذه المستويات المختلفة، وهو ما يحافظ على دورها الأساس في التفاهم".

وعلى الرغم من أن لهجات منطقة معينة قد تكون متقاربة، ويتم التواصل من خلالها، حتى في اختلافها وتباينها، فإن ذلك لا يؤدي إلى قطيعة تواصلية، أو إلى غياب التفاهم المتبادل بين الناطقين بها، "ما دام المشترك أكبر كثيرا من عوامل الاختلاف والتمايز".

ولذلك، فحينما "يمس الاختلاف والتمايز الجوهر التواصلي للغة، أي معيار التفاهم المتبادل، فإن هذا يعني أن الأمر لا يتعلق بلهجات مختلفة، وإنما بلغات متمايزة".

ويلاحظ الكاتب أن الدراسات حول اللغة الأمازيغية (وهي برأيه من ثلاثة روافد وتلوينات) تبين أن هذه اللغة قائمة الذات، وكذلك الأمر بالنسبة للهجاتها (الريفية والزيانية والسوسية والحسانية بالمغرب).

وعلى الرغم من أن ثمة اختلافات بين هذه اللهجات، فهي بنظر البعض، يقول الكاتب، لا تتعدى كونها اختلافات في النطق، وليست اختلافات في جوهر النحو الأمازيغي.

لكن هذا الطرح يبقى، بنظر الكاتب، قاصرا أيضا إذ "من قال إن النحو هو جوهر اللغة وأساسها؟".

إن جوهر اللغة، برأيه، "هو مقياس التفاهم المتبادل. فكيف يمكن أن نقول بوحدة لغة لا يستطيع الناطقون بها أن يحققوا التفاهم فيما بينهم، إلا إذا استخدموا لغات أخرى؟".

* "الأمازيغية المعيارية"، محمد الكوخي، نافذة "قرأت لكم"، 22 يناير 2015.

يمكنكم مشاركة هذا المقال