جان بيير فيليو، منشورات فايار، باريس، 2011، 251 ص.
يقف الكاتب، في هذا المؤلف، عند عشرة دروس استقاها من وحي الثورات العربية التي انفجرت من مدة، بأطراف عديدة من الوطن العربي:
+ الدرس الأول: "العرب لا يشكّلون استثناء من بين شعوب العالم التواقة إلى الكرامة والديمقراطية والعيش الكريم". بهذه النقطة، يقول الكاتب: "إن الشعوب العربية تكافح من أجل حقوقها منذ أكثر من جيل كامل، ولكن الأحكام المسبقة الثقافية، والتموضعات السياسية كانت تحجب الرؤية عن مدى اتساع هذا الكفاح في وجه الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية. فالعرب ليسوا استثناء، بل إن بقاء العصابات الحاكمة هو الذي كان استثناء، وصل إلى نهايته مع فرار الرئيس التونسي بن علي".
وغداة انهيار هذا النظام، قال كثير من المحللين بخصوصية الحالة التونسية قبل "أن تنهار تحليلاتهم، أمام انفجار الثورة في مصر ثم ليبيا. بالتالي، فإن الخصوصية العربية والاستثناء العربي، يكمن في السرعة التي انهارت معها النظم الاستبدادية أمام المد الجماهيري الثائر".
+ الدرس الثاني: "المسلمون ليسوا مسلمين فحسب"، يلاحظ الكاتب. ففي الأسابيع التي تلت تفجيرات شتنبر العام 2001، بيع عدد كبير جدا من المصاحف في المكتبات الأميركية والأوروبية. إلا أن "هذه الموجة الهائلة من القراء راحت تنكب على القرآن الكريم، لتبحث في نصوصه عن شروحات للكارثة، ولعقلية المسلمين المتطرفين. لقد نجح بن لادن وأنصاره، وقتها، في الاستحواذ على الاهتمام العالمي، حيث احتدم النقاش حول الطبيعة السلمية أو العنفية للدين الإسلامي".
ويستخلص الكاتب، بناء على استطلاعات رأي مختلفة، إلى أن الانتفاضات في مصر وتونس واليمن وليبيا، لم تكن على الإطلاق دينية الطابع، بل إن الشعارات الوطنية هي التي حركتها. وهكذا، "فالمسلمون ليسوا فقط مسلمين، إنهم أيضا وطنيون وقوميون ويمينيون ويساريون وغير ذلك".
+ الدرس الثالث: "الشباب في الصف الأول". بهذا الدرس، يقول المؤلف: من "عمان وصنعاء وتونس ومصر وغيرها، يعيش الشباب العربي حالة ثورية كان يتم إخمادها بالقمع البوليسي. والأمر طبيعي كون المجتمعات العربية مجتمعات شابة جدا، وتعصف بها مشاكل البطالة والتهميش والفقر والمستقبل الغامض. فالبطالة تبلغ ضعفي المعدل العالمي، ومن الضروري خلق حوالي خمسين مليون فرصة عمل جديدة قبل العام 2020، لامتصاص القوة العاملة التي ستدخل إلى سوق العمل في الدول العربية غير النفطية، وذلك في غياب أية برامج وخطط حكومية جدية".
هذا الجيل من المتعلمين، "الذي يشاهد الفضائيات الدولية، ويستخدم الإنترنت ويتصل بالعالم الخارجي، يشعر بأن آفاقه مغلقة تماما، وبأن مستقبله قاتم بسبب نظام فاسد، يجبره على تقديم الولاء والطاعة، ويلاحقه بالمخابرات والعسس ويراقب تحركاته".
+ الدرس الرابع: "الشبكات الاجتماعية ليست من أتى بالربيع". يبين الكاتب هنا إسهام مواقع تويتر وفيسبوك وبعض مواقع الإنترنت الأخرى، في تنظيم الانتفاضات وقيادتها، إلا أنه يلاحظ أنه على الرغم من "أن الشبكات الاجتماعية الإلكترونية لعبت دور الشرارة في انتفاضة ميدان التحرير، ونجحت في إحباط العمليات البوليسية التونسية، ولعبت في الحالتين دورا في تأجيج مشاعر الغضب الجماعية، وفي تنظيم الاحتجاجات، وفي كشف جرائم وأكاذيب الأنظمة وفي كسر جدار الخوف، لكن بعد أن تحقق ذلك، بات دورها ثانويا في الثورة".
+ الدرس الخامس: "الفوز ممكن من دون قائد". يقول الكاتب هنا إن المجتمعات العربية قد اعتادت على التعايش مع "القائد"، والدعاء له بطول العمر والخلود. لكن هذه المرة، أراد الجيل الجديد أن يتخلص من هذا الخنوع الذي اعتاد عليه آباؤه وأجداده. لم يعد يريد القائد، لكنه لا يريد أن يقتل هذا القائد، بل يريده ببساطة أن يرحل. لذلك شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" و"ارحل" كان مشتركا بين كل الثورات العربية، بعد أن انطلق بداية من تونس.
إنها، يتابع المؤلف، ثورات من دون قائد، من دون رأس مدبر، "لأنها ثورات عفوية، دافعها الغضب والاحتقان. لقد شاركت فيها كل شرائح المجتمع، عشرات الجمعيات المتخصصة بحقوق الإنسان والنقابات والمنظمات الحقوقية، عمال المصانع، المثقفون، الصحافيون، الكتّاب، الموظفون... إلخ، كما الأحزاب السياسية المعارضة". إنها ثورات جماهيرية واسعة، تطالب بالتغيير والحرية والعدالة.
+ الدرس السادس: "البديل عن الديمقراطية هو الفوضى". يلاحظ الكاتب هنا أنه ثمة عنصران اثنان كانا أساسيين في احتواء مراهنة الأنظمة على الفوضى كبديل لها: "سلمية المظاهرات الشعبية في تونس ومصر، رغم تعرضها لقمع النظام العنيف وسقوط المئات من الضحايا في صفوفها، ووطنية قوى الأمن، لاسيما الجيش. فعندما اقتربت الأمور من الفوضى التي افتعلها وراهن عليها النظام، قرر الجيش، في الحالتين التونسية والمصرية، الانحياز إلى الشعب. وفي ليبيا، فإن انشقاق بعض الوزراء والقادة العسكريين أنقذ الثورة من القتل في مهدها، رغم أن العدد الأكبر من المسؤولين العسكريين بقي إلى جانب القذافي، الذي نجح في دفع الأمور إلى حافة الحرب الأهلية".
+ الدرس السابع: "الإسلاميون أمام حائط مسدود". يزعم الكاتب، بهذا الاستنتاج، أن "الثورات الشعبية وضعت الإسلاميين، وتحديدا الإخوان المسلمين، في موقف حرج، وأمام خيارات صعبة. فخلال عقود طويلة استفادوا من وضعية كانت، وهذه مفارقة كبيرة، مريحة إلى حد كبير. ذلك أنه بعد انهيار الناصرية ثم الانقسام البعثي بين دمشق وبغداد أضحوا، بفضل تنظيمهم وبرنامجهم وشبكاتهم، قطبا رئيسيا على الساحة السياسية، بل القوة الوحيدة تقريبا القادرة على تحريك دينامية إقليمية، والتأثير في أجيال من المثقفين والناشطين السياسيين. لقد تمكنوا من إقناع شرائح شعبية واسعة بمصداقية شعارهم الإسلام هو الحل، لاسيما بعد إفلاس الحلول الاشتراكية والشيوعية والقومية".
إلا أن الكاتب يزعم بالآن ذاته، بأن انتفاضة الحرية صادرت لهم شعاراتهم وجردتهم من الصدقية، بسبب مواقفهم الانتهازية منها. لذلك "لم يعودوا في مركز قيادة المعارضة كما كانوا في العقود السابقة، ولم تعد لهم السيطرة على الأجندة، ولا على مرجعية التحول إزاء الموجة الديمقراطية العارمة، بل إنهم باتوا مضطرين إلى الانخراط في مسار معقد من التفاوض، مع مروحة واسعة من الأحزاب والحركات السياسية والمؤسسات والجمعيات".
+ الدرس الثامن: "فقط الديكتاتوريات تهتم بالجهاديين". لقد قاد سقوط بن علي وحسني مبارك إلى نزع الوهم عن أساطير بن لادن، وبدا تنظيم القاعدة لحظة عابرة في تاريخ الإسلام والعرب، إذ إن الشعوب العربية هي التي أمسكت زمام مصيرها بيدها، وليس تنظيم القاعدة الذي ادعى الإمساك بناصية التغيير. هذه الثورات قتلت بن لادن معنويا قبل أن تقتله جسديا. لقد "فقد الجهاديون رأسهم المفكر والمدبر، وبات عليهم أن يكونوا أكثر شفافية وواقعية".
+ الدرس التاسع: "فلسطين تبقى في القلب". بهذه النقطة، يقول الكاتب: إن "الثورات العربية، وإن حملت هموما اقتصادية واجتماعية وسياسية داخلية خاصة بكل قطر، إلا أن القضية الفلسطينية تبقى في وجدان هذه الثورات، والتي سيؤثر نجاحها بالتأكيد على مسار القضية المركزية.
+ الدرس العاشر: "النهضة ليست لعبة دومينو". هنا أيضا، يقر الكاتب بأن العالم العربي لا يشبه المعسكر الشرقي الأوروبي، الذي طبقت فيه لعبة أحجار الدومينو. فليس هناك من سلطة مركزية واحدة (الاتحاد السوفيتي)، انهارت بانهيارها البناءات المرتبطة بها واحدا بعد الآخر. ما يحدث في العالم العربي "نهضة ديمقراطية، سوف تتعرض لانتكاسات وتراجعات وخيانات بعد أن تنتهي من الإطاحة بالأنظمة القائمة. ولكل بلد عربي دينامياته وظروفه الخاصة به، وسيكون على الجميع مواجهة مشاكل السكن والعمالة والبنى التحتية وإعادة بناء الدولة وغيرها. هنا يكمن التحدي وستتطلب مواجهته عقودا طويلة من الزمن المقبل، لكن التاريخ يسير قدما في العالم العربي، والنهضة الثانية بدأت للتو".
* "الثورة العربية"، جان بيير فيليو، نافذة "قرأت لكم"، 17 أكتوبر 2013.