محمد بدري عيد، تقرير، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، 16 أبريل 2014، 24 ص.
بمقدمة هذا التقرير، نقرأ التالي: "جاءت الشراكة الاستراتيجية بين حلف الناتو ودول الخليج، متمثلة في مبادرة إسطنبول قبل عشر سنوات، استنادا إلى مجموعة من الاعتبارات التي تعكس رغبة كلا الطرفين في تأمين مصالحهما، على نحو يلائم طبيعة التطورات التي لحقت بالنظام الدولي، والتفاعلات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط عموما، لاسيما في أعقاب انتهاء الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وما أفرزته هذه التطورات من تداعيات هيكلية وتغييرات جوهرية دوليا، وإقليميا، وخليجيا".
لقد بادر حلف الناتو إلى تحديث أهدافه، وتطوير استراتيجيته العملياتية والتكتيكية، وإعادة بناء عقيدته العسكرية وهيكله التنظيمي، وذلك انسجاما مع الواقع الاستراتيجي الجديد، الذي فرضه انتهاء الحرب الباردة في العام 1991، والتحديات الأمنية الجديدة الناشئة عن تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وسعيا للحفاظ على هويته الأمنية والسياسية.
من هنا، أصبحت العقيدة الاستراتيجية الجديدة للناتو في مطلع القرن الحادي والعشرين، تقوم على مرتكزات أساسية، من أهمها "تعزيز الاستقرار في أنحاء العالم، التي يؤدي عدم الاستقرار فيها إلى التأثير في مصلحة الحلف وأعضائه حاضرا ومستقبلا"، ثم "بناء الأمن من خلال الشراكة"، عن طريق إقامة شراكة استراتيجية وسياسية وأمنية مع الدول والتجمعات ذات الأهمية الحيوية لمصالح الحلف، وتأسيس روابط للتعاون والتنسيق المعلوماتي والأمني والعسكري معها،
بناء على ذلك، عملت استراتيجية الناتو تجاه منطقة الخليج على تحقيق عدة أهداف، كان أبرزها "تطوير علاقات شراكة استراتيجية مع دول المنطقة، وتعزيز التنسيق والتعاون الأمني والعسكري معها، على نحو يساعد هذه الدول على التمتع بالسلام والاستقرار الداخلي، عبر تبني وتطوير سياسات وخطط وبرامج عملية وآليات فعالة، لاستئصال الأسباب الجوهرية لعدم الاستقرار وتفشي الإرهاب". فكانت "مبادرة إسطنبول للتعاون" مع دول مجلس التعاون الخليجي، والتي أطلقها الحلف خلال قمته التي عقدت في يونيو العام 2004، والتي تقوم على أساس تقديم الحلف المساعدة والمشورة في مجال الأمن الإقليمي، وبناء حوار مع دول الخليج حول القضايا الأمنية الحيوية في المنطقة.
إن القوة الدافعة للتوجه الاستراتيجي لحلف الناتو، للقيام بدور فاعل فيما يتصل بأمن الخليج، جاءت انطلاقًا من مصالح أساسية، لعل أقواها تكمن في "ضمان استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية للخليج ودوله، لما تتمتع به المنطقة من إمكانات نفطية هائلة، تؤثر بشكل أو آخر على مصالح أعضاء الحلف إذا ما تعرضت للتهديد، خاصة بالنظر إلى الأهمية المحورية لمنطقة الخليج في الاستراتيجية الدولية، والنابعة من حقيقة توافر أهم متغيرين استراتيجيين مرتبطين بأمن العالم واستقراره، هما الموقع الاستراتيجي الحاكم، والموارد الاستراتيجية المهمة وفي مقدمتها النفط". ثم الإبقاء على الأحداث السياسية والعسكرية في المنطقة تحت المراقبة والسيطرة، والتصدي لمصادر التهديد الأمني بها، خاصة التهديد المحتمل من الإرهاب العالمي، وانتشار أسلحة الدمار الشامل وفي مقدمتها السلاح النووي.
وقد انطلق القبول الخليجي بتدشين شراكة استراتيجية مع الناتو من قناعة مؤداها أن دول الخليج لا تزال تفتقد إلى إيجاد معادلة للتوازن الاستراتيجي في المنطقة، لاسيما و"أن الحرب على العراق قد جعلت الخلل الإقليمي أكثر حدة، مما عزز توجه دول الخليج للاستمرار في اعتبار البعد الدولي هو الضامن الأقوى لأمنها، مع دخول حلف الناتو في معادلة التفاعلات الإقليمية".
وعليه، فقد أطلق حوار استراتيجي واسع بين الجانبين بشأن قضايا الأمن والإرهاب، زادت من زخمه الموافقة الأميركية الضمنية على الشراكة الأطلسية-الخليجية، وعدم ممانعة واشنطن في إفساح المجال للناتو للعب دور أكبر في قضايا الأمن في منطقة الخليج"، لا سيما في ظل توافق الرؤى بشأن الترتيبات السياسية والأمنية المستقبلية في منطقة الشرق الأوسط عموما، والخليج بشكل خاص، "وتطابق استراتيجيتهما في نوعية التهديدات المحتملة لمصالحهما المشتركة في المنطقة وكيفية مواجهتها".
إلا أن تدقيق النظر في حصيلة عقد من الشراكة الاستراتيجية بين حلف الناتو ودول الخليج، يشير، برأي الكاتب، إلى أن الإنجازات التي تحققت فعليا، "كانت أقل بكثير مما كان متوقعا في ضوء مبادرة إسطنبول، وذلك على الرغم من التطور النوعي في الدور الأمني لحلف شمال الأطلسي في أمن منطقة الخليج".
ومرد ذلك، يلاحظ التقرير، هو التباين الجوهري بين دول الخليج ذاتها إزاء الدور الجديد للناتو في أمن المنطقة، "إذ لا تزال كل من المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان خارج إطار هذه المبادرة، ربما لرفضهما وجود دور للحلف فيها، كما أن الدول الأربع الأخرى، التي انضمت لمبادرة إسطنبول، لا تتبع سياسة موحدة أو على الأقل منسجمة تجاه الحلف، وهو ما يعكس تباين رؤى دول الخليج فيما يتعلق بمستقبل الأمن وأدوار الأطراف الدولية فيه".
ثم إن دول الخليج لا تزال متخوفة من غموض مصطلحات يطرحها حلف الناتو، كالحوار والشراكة، واقتصار التعاون والتنسيق الأمني في إطار مبادرة إسطنبول على صيغة "28+1"، أي التعاون مع الناتو كمنظمة جماعية، مقابل تعاون ثنائي مع كل دولة خليجية على حدة.
ومع ذلك، فإن التقرير يخلص للقول بأنه "برغم محدودية الإنجازات الفعلية على صعيد الشراكة بين حلف الناتو ودول مجلس التعاون الخليجي، وعلى الرغم من الإشكاليات والتحديات التي تواجهها، فإن المستقبل لا يزال واعدا لجهة توثيق عرى هذه الشراكة، وتعظيم الفوائد منها من المنظور الخليجي، وذلك في ضوء التطورات الدولية والإقليمية التي تشهدها المنطقة في الوقت الراهن".
* "حلف الناتو ودول الخليج"، محمد بدري عيد، نافذة "قرأت لكم"، 3 أبريل 2014.