عندما نتحدث عن تأثير الإعلام من زاوية الوسيلة المعتمدة، فإن العبرة ليست فقط بمستوى الاندماج، اندماج هذه الوسيلة في المجتمع، لا سيما لو اعتبرنا أن الاندماج إياه ليس غاية في حد ذاته. إن العبرة تكمن في النظر في تكوين الجمهور المتلقي والذي توجه إليه الرسالة، والنظر بعد ذلك، في مدى التأثير من عدمه، على الأفراد وعلى الرأي العام بصورة شاملة.
إلا أن المفارقة، بالقياس إلى ما قدمته دراسات العلوم الاجتماعية والإنسانية، أن هذا التساؤل قد يصبح غير ذي قيمة كبرى، مادامت هذه الدراسات قد أوضحت غياب التأثير المباشر لوسائل الإعلام في تكوين الآراء الفردية والرأي العام. وهو لربما ما يجب التدقيق فيه، ليس من زاوية تشكل وتركيبة الجمهور المتلقي، بل من زاوية السياق الاجتماعي الذي تفعل فيه وسائل الإعلام وتتفاعل.
بهذه النقطة، يجب استحضار عنصرين اثنين:
+ الأول ويتعلق بمدى اندماج الوسيلة الإعلامية المراد دراستها، في بنية المجتمع الذي يتلقاها.
+ العنصر الثاني ويرتبط بتقييم الاستقبال الاجتماعي لوسيلة إعلامية محددة، قياسا إلى باقي وسائل الإعلام.
بالنقطة الأولى، يبدو بالتجربة وبالمعطيات الميدانية أيضا، أن الإذاعة لم يعد لها الدور المركزي الذي كان لها بثلاثينات القرن الماضي، وإلى حين ظهور التلفزة. فالإذاعة إلى حين الستينات من ذات القرن، كان لها تأثير معتبر، لا سيما بالجانب الإخباري والثقافي، حتى أن البعض تحدث بإزاء ذلك عن "العصر الذهبي للإذاعة".
إلا أن وصول التلفزة وتزايد مستوى الارتباط بشبكتها، ثم ظهور الفيديو والكابل، وتكنولوجيا الإعلام والاتصال فيما بعد، كل هذه العناصر ركنت الإذاعة إلى الجانب لفائدة هذه المستجدات، وثوت خلف إعادة النظر في طرق وأنماط استهلاك الكلمة والصوت والصورة والمعطى، وإن بمستويات متباينة بين هذا المجتمع أو ذاك.
ومع ذلك، فإن الثابت حقا أن الإذاعة قد أثثت ولعقود طويلة، أنماط الاستهلاك ونماذج الحصول على المعلومات والبيانات والأخبار والثقافة أيضا. فبالجانب الثقافي، أسهمت الإذاعة في تغيير العلاقة الاجتماعية بالثقافة، على الأقل من زاوية أنها مكنت شرائح واسعة من السكان من إدراك مضامين، لم يكن النفاذ إليها هينا ولا متاحا من ذي قبل.
صحيح أن وصول الوسائل الإعلامية الجديدة لم يستطع تقويض الوسائل التقليدية نهائيا، ولا نفي بعض من أدوارها، لكنه اضطرها لإعادة النظر في دورها ومكانتها ونموذجها الاقتصادي والاجتماعي، لا بل ونمط انخراطها في الفضاء العام.
نفس الشيء يمكن أن يقال عن التلفزة، ونفس الاستنتاجات يمكن أن نخلص إليها. فالتلفزة، ببداياتها الأولى، كان لها تأثير كبير على الأقل بزاوية الإخبار والترويج الثقافي، إلا أن مدها بدأ بالانحسار مع ظهور الشبكات الرقمية، وفي مقدمتها شبكة الإنترنيت بأجيالها المختلفة.
إن دورها ووظيفتها ومكانتها لم تقوض نهائيا، لكنها باتت مطالبة كما الشأن مع الإذاعة، بإعادة النظر في ذوات الدور والوظيفة والمكانة لتستطيع المسايرة والمواكبة.
أما بالنقطة الثانية (المكانة الخاصة للوسيلة الإعلامية داخل الفضاء الاتصالي والاجتماعي)، فيبدو بالوقائع الثابتة، أن وسائل الإعلام التقليدية، وفي مقدمتها الإذاعة، قد عرفت تهميشا كبيرا في الحقل الإعلامي والاتصالي العام. إذ تثبت المعطيات الإحصائية أن المتلقي قد تبرم كثيرا عن الإذاعة في استقاء معلوماته وأخباره ومصادر ترفيهه وتثقيفه، لفائدة وسائل الإعلام والاتصال اللاحقة على الإذاعة.
ففي دراسة عن مجتمع الكيبيك بكندا، يظهر أن "النساء والأشخاص ما فوق ال 65 عاما، والفرنكفونيين والكيبيكيين، والأشخاص الذين لا تتعدى مداخيلهم 40 ألف دولار، والمتقاعدين، والخواص ذوي المستوى الابتدائي والثانوي، هم الغالبية التي تفضل التلفزة كوسيلة إعلام واتصال".
وهو ما يفيد أن الطبقات المهمشة أو ذات التكوين المتواضع، هي التي غالبا ما تلجأ للتلفزة عوض الإذاعة، لبلوغ المضامين الإعلامية، لا سيما الثقافية منها، أو ذات الخاصية التكوينية.
بالتالي، فإن تحليل التأثير المحتمل لكل وسيلة إعلام على الآراء الفردية والرأي العام، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار وبطريقة متلازمة، مدى اندماج هذه الوسيلة في المجتمع، ومكانتها داخل الحقل الاجتماعي، وأهميتها النسبية في النسق التواصلي العام.
ويبدو، باستحضار هذه العوامل، أنه لم يثبت تاريخيا أن وسيلة إعلامية قد فرضت هيمنتها بصورة مطلقة، لا الصحافة المكتوبة ولا الإذاعة ولا التلفزة. إن تأثيرهم في المجتمع يبقى نسبيا وإلى حد بعيد. فحتى وسائل الإعلام الجديدة، المقتنية للشبكات الرقمية، لم تستطع لحد الساعة، أن تحقق هذه السيطرة، بل أخذت لها مكانا إلى جانب وسائل الإعلام التقليدية بهذا الشكل أو ذاك. وهو ما يستوجب لضبطه، مساءلة عنصر الاستعمال الاجتماعي لوسائل الإعلام، داخل المجتمع ومن بين ظهراني شرائحه المختلفة.
* "تأثير الإعلام من زاوية الوسيلة"، 2 دجنبر 2013.