المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، غشت 2012، 22 ص.
بمدخل هذه الورقة، نقرأ التالي: ثمة "مجموعةٌ من العناصر تشكل خصوصية سيناء وتميزها عن باقي مناطق جمهورية مصر العربية. فإضافة إلى كونها منطقةً طرفية بالنسبة إلى المركز الحضري، فقد أثر وقوعها تحت الاحتلال الإسرائيلي، بعد حرب يونيو 1967، ثم استرجاعها بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، في طبيعة الشخصية الاجتماعية لأهل سيناء، إذ قادت بنود الاتفاقية مع إسرائيل، والتي سحبت الدولة المصرية عمليا من المنطقة، إلى بروز جماعات عشائرية، وأخرى عقائدية أدارت مصالح أهل سيناء، وجعلت نفسها الحاكم الفعلي لهم".
وتتابع الورقة: "لم يع النظام المصري السابق أهمية ارتباط السيناويين بقطاع غزة، وتأثير سياسته تجاه القضية الفلسطينية في أهالي سيناء. فقد كانت منطقة شمال سيناء تاريخيا، مشدودة إلى مدينة غزة، بوصفها مركزا حضريا تقليديا قديما وجاذبا للأعمال التجارية، وسوقا تجد فيها التجمعات الصغيرة المتناثرة في شمال سيناء وجنوبها، ما تحتاج إليه من السلع. وقد استمرت هذه العلاقة على الدوام، وتوثقت بالذات عند وقوع قطاع غزة تحت الإدارة المصرية بعد حرب عام 1948".
إلى جانب العلاقات التجارية والإدارية، تعمقت الروابط الاجتماعية بين الطرفين من خلال التصاهر والسكن المشترك، "وأصبحت العلاقة الوجاهية العائلية راسخةً بين أهالي منطقتي خان يونس ورفح الفلسطينيتين، ومنطقة الشيخ زويد، وبين قبائل وسط سيناء ونظرائهم في النقب الشمالي، وسيكون لإعادة ترسيم الحدود بين مصر وإسرائيل لاحقا في عام 1979، الأثر السالب في تقطيع هذه العلاقة بين الجهتين، ووقوع أهالي سيناء تحت الحكم الأمني الدائم، والتأثر بكل التطورات السياسية التي تجري في غزة بفعل سياسات الاحتلال الإسرائيلي، ومنها أخيرا تطور شبكة الأنفاق بين رفح الفلسطينية والمصرية، والتي أصبحت منفذا رئيسا للتهريب بين الجانبين على نحو مطرد، مع نشوب الانتفاضة الفلسطينية الثانية في عام 2000، وتطورت لاحقا مع تحول بعض الحركات السلفية إلى جماعات جهادية في سيناء، وارتباطها بالمقاومتين الفلسطينية واللبنانية".
وقد ازداد منسوب الاحتقان من النظام المصري السابق خلال العدوان على غزة في العام 2008، حيث انتفض أهل سيناء تعاطفا مع القضية الفلسطينية، ولكن أيضا "لأن العدوان الإسرائيلي، الذي قوبل بتواطؤ من نظام مبارك، كان يمس مباشرة عائلات سيناوية لها أقارب في الشطر الفلسطيني من مدينة رفح، ومنهم من استشهد أقارب له في هذا العدوان أو في الاعتداءات السابقة". فكان أن التحق شباب سيناء بالحركات الإسلامية المتشددة، من باب معارضة نظام مبارك، لا بل كانت سيناء من بين المناطق التي هتفت مبكرا بسقوط النظام المصري السابق.
وقد انعكست هذه الحالة على الطريقة التي التحقت بها سيناء بثورة 25 يناير، والحوادث التي تزامنت مع الاحتجاجات السلمية، إذ "هاجم سلفيون جهاديون قادمون من رفح المصرية، مراكز عناصر الأمن في يوم 11 فبراير 2011، وقتلوا عددا من عناصر الشرطة، ثم خطفوا ثلاثةً من الضباط من ذوي الرتب العالية، إلى منطقة الشيخ زويد وقتلوهم هناك. واستمر الانفلات في سيناء طوال الفترة الانتقالية، إذ أعلن حتى تاريخ 22 يوليو 2012 تفجير خط أنابيب الغاز خمس عشرة مرة".
وتلاحظ الورقة أن هذه الهجومات لم تكن وليدة ثورة 25 يناير، بل هي نتاج عقود من التوترات الأمنية "كان سببها الأساس انسحاب الدولة، وما نجم عنه من انتعاش الجماعات تحت وفوق الوطنية، وظهور سوق غير خاضعة لمراقبة الجهات الرسمية، اعتمدت أساسا على التهريب، مستغلة الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة".
بعد ثورة 25 يناير، تكررت الهجمات على المراكز الأمنية، وكان أحدها حين هاجم مسلّحون يرفعون الرايات السود، مركزا للشرطة، مشيعين أجواء من الرعب في المنطقة، بعد توزيعهم بيانات تدعو إلى إقامة "إمارة سيناء الإسلاميّة".
وقد أدى هذا إلى تراجع هيبة الدولة، مع ازدياد حالات الفراغ الأمني في شبه جزيرة سيناء بعد سقوط نظام مبارك، "فشهدت المنطقة تصاعد نشاط التنظيمات الإسلامية المرتبطة بتنظيم القاعدة، مثل تنظيم أنصار الجهاد".
وقد أثارت العملية الأخيرة، عملية 5 غشت 2012، غضبا وتوظيفا سياسيا كبيرين، لا سيما وأنها "أتت في خضم مرحلة الانتقال الديمقراطي الذي تشهده مصر بعد الثورة. فقد أسفرت الانتخابات الرئاسية عن فوز ممثل الإخوان المسلمين محمد مرسي، أمام منافسه الفريق أحمد شفيق المدعوم من الجيش والمحسوب على النظام السابق. لذلك، فقد كانت أغلب ردود الفعل التي صدرت عقب الجريمة، نابعة من مواقف سياسية، حاول عبرها الفريق الخاسر استرداد بعض مواقعه، عبر التجييش الإعلامي ضد الرئيس المنتخب، لا سيما أن المشهد السياسي كشف عن معركة صلاحيات، يستخدم فيها كل طرف ما أتيح له لانتزاع مزيد من السلطة وتحجيم الطرف الآخر شعبيا".
وقد اتهم الفريق الخاسر بالانتخابات، الرئيس المنتخب بالخيانة العظمى، رادا الجريمة إلى قراره في يونيو الماضي، بالإفراج عن مئات المعتقلين في السجون ممن صدرت ضدهم أحكام عسكرية، أو لم تصدر بحقّهم أحكام، وأغلبهم من الثوار الذين اعتقلوا على خلفية مشاركتهم في احتجاجات الثورة المصرية.
أما الفريق الآخر الداعم للرئيس المنتخب، فقد حمل مسؤولية الجريمة لإسرائيل، ودعا مرة أخرى، إلى إعادة النظر في معاهدة كامب ديفيد وضرورة تعديلها، خاصةً أنها السبب الأساس الذي يقيد حركة القوات المسلحة المصرية في مساعيها للتصدي للتحديات الأمنية في سيناء. فهذه الاتفاقية "لا تسمح للجيش المصري بالوجود في أجزاء واسعة من سيناء، إلا بأعداد محدودة وعتاد خفيف".
وقد تكرست حدة الاستثمار السياسي للعملية، بعد أن أقام الجيش جنازة عسكرية للضحايا في سابقة هي الأولى من نوعها، استغلها جمهور مسيس، لرفع شعارات تهاجم جماعة الإخوان المسلمين، وجرى خلالها الاعتداء الجسدي على رئيس الوزراء الجديد هشام قنديل، وعلى شخصيات مؤيدة للرئيس المنتخب، الذي غاب لسبب تبين فيما بعد أنه فشل من الحرس الجمهوري في تأمينه.
وقد توضح بعد مشهد الجنازة العسكرية، التي قامت وسائل الإعلام المعارضة بنفخها إعلاميا، "أن هناك مناورة سياسية تجريها القوى السياسية المحسوبة على النظام السابق ووسائل إعلامها، لإضعاف الرئيس شعبيا، أو إظهاره في موقف الضعيف، مما حدا بهذا الأخير إلى إصدار حزمة من القرارات التي مست مسؤولين أمنيين وعسكريين وسياسيين، وهي الخطوة التي عدها المراقبون أول ممارسة للرئيس لصلاحياته. وفي الحقيقة، استغل الرئيس التسييس الإعلامي للغضب على الجريمة، لقلب الطاولة على القوى التي حاولت استغلالها. فإذا كان هنالك من مسؤول مباشر يمكن اتهامه بالإهمال على الأقل، فلابد أن يكون الأمن".
وتلاحظ الورقة أن تداعيات الحراك السياسي بعد جريمة سيناء، تفتح المجال لبعض التوقّعات:
+ فمن المتوقّع أن تلجأ السلطات المصريّة إلى التواصل مع الجانب الإسرائيلي، بشأن ضرورة مراجعة الالتزامات الأمنية المنصوص عليها في اتفاقية كامب ديفيد، لا سيما إعادة انتشار القوات المصرية في المناطق محدودة التسليح.
+ قد تعقّد الهجمة التي شنتها وسائل الإعلام والقوى السياسية المحسوبة على النظام السابق على الفلسطينيين، من مساعي فك الحصار عن قطاع غزة، التي شرع في خطواتها الأولى الرئيس المنتخب.
+ إذا نجح الجيش في الحسم الأمني في سيناء، فمن المستبعد أن يفوت المجلس العسكري فرصة الاستثمار السياسي، من أجل إعادة الثقة إلى العسكر الذين عانوا من هجوم متواصل طوال الفترة الانتقالية، وهو ما يعني إكسابهم مزيدا من أوراق التفاوض على مكتسباتهم.
+ من المتوقّع أن يستمر التجاذب والصراع بين مؤسسة العسكر ومؤسسة الرئاسة، حتى يستطيع الطرفان الاتفاق على حل وسط، تمر به المرحلة الانتقالية بسلام، ويتم إقرار دستور جديد تجرى بموجبه انتخابات برلمانية جديدة. وفي حال لم يتحقّق ذلك، فسوف يستمر العسكر والقوى السياسية المعارضة في الاستثمار السياسي لحوادث أخرى قادمة، مما يعزز الاستقطاب الجاري في مصر، ويهدد مسيرة التحول الديمقراطي.
+ إن استمرار القوى السياسية المعارضة في إعاقة الجهود التي يقوم بها الرئيس المنتخب، أي المعارضة لأجل المعارضة، سوف "يؤدي إلى تشديد نزعة المظلومية لدى الإسلاميين، وبذلك يزداد الفرز الأيديولوجي، وقد ينسف ذلك أي أفق للحوار، مما يقود البلاد إلى كارثة".
* "سيناء التائهة"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، نافذة "قرأت لكم"، 27 يونيو 2013.