"العرب والتكنولوجيا والتوزيع العالمي للمعرفة"
منشورات المركز العالمي لدراسات وبحوث الكتاب الأخضر، طرابلس، يوليوز 2007
مقدمة: ثلاث ملاحظات للاستهلال
ثمة، في البدء، ثلاث ملاحظات تمهيدية كبرى تتراءى لنا أساسية ليس فقط بحكم كونها تحيل مباشرة على الموضوع مادة هذا البحث، بل وتحديدا لأنها ذات طبيعة تأثيتية لفهم السياق العام المفضي حتما للمعنى:
+ الأولى ومفادها أن العالم يعيش، منذ مدة ليست بالبعيدة (بداية ثمانينات القرن الماضي نعني)، تحت وطأة وعلى إيقاع ظاهرة جديدة/متجددة اصطلح البعض على تسميتها بالعولمة وأطلق عليها البعض الآخر الكوكبية فيما أسماها فريق ثالث بالكونية(1).
والواقع أنه بصرف النظر عن تباين التعابير الموظفة لوصف الظاهرة أو تحديد طبيعتها ومجال اشتغالها، فإن هناك توافقا ضمنيا بينها جميعا على اعتبار أن الظاهرة، ظاهرة العولمة، إنما تشكلت (على الأقل بجانب الخطاب والتنظير) في أعقاب تقويض المنظومة الاشتراكية بالشرق وتقدم إرهاصات "الفكر الليبيرالي الجديد" والسياسات المنبنية عليه و"انتصار ديموقراطية وثقافة السوق" على ما سواها من أشكال التعبير الاجتماعية والسياسية والثقافية وما سواها.
لا يبدو إذن أن الاختلاف يطاول حقيقة وجود الظاهرة وتكرسها التدريجي بأرض الواقع، بقدر ما يطاول، بالخطاب أساسا، طبيعتها وجوهرها وخلفياتها وبالممارسة آثارها وانعكاساتها وتداعياتها على الأفراد والجماعات، على الدول والشعوب، على الاقتصادات والمجتمعات(2).
وعلى هذا الأساس، فمن حينه (منذ الثمانيات أقصد) لم يعد العالم مجالا جغرافيا تحكم الحدود الوطنية تراتبيته وتراتبية الدول والمجموعات بداخله أو فضاء سياسيا تتباين بصلبه المرجعيات الفكرية والإيديولوجية الناظمة لشكل السلطة والحكم من بين ظهرانيه، بل غدا (أو هو في طريقه إلى ذلك بالتدريج) منظوما بتمثل واحد وموحد للاقتصاد كما للمجتمع كما للثقافة مرجعه المشترك في ذلك اقتصاد السوق والليبيرالية السياسية وثقافة المنافسة والبقاء للأقوى والأفيد.
وعلى هذا الأساس أيضا، لم تعد العبرة في تصنيف الدول والشعوب كامنة فقط في تماير وتميز نظمها السياسية والاقتصادية، بل اضحى عنصر التمايز والتميز أيضا كامنا بمدى قدرتها على إدماج المنظومة الليبيرالية (المرتكزة اقتصادا وسياسة على جدلية العرض والطلب) ومدى فاعليتها ونجاعة فاعليها الكبار على الإنتاجية والتنافسية والربحية والزيادة في الأرباح والحصص من السوق الدولي(3).
+ الملاحظة الثانية وتكمن في الطفرة التكنولوجية الكبرى التي لم يقتصر مداها على التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية والبيوتكنولوجيا وتكنولوجيا صناعة الدواء وتكنولوجيا الفضاء وتكنولوجيا اللايزر وغيرها (والتي تحمل بالأصل بذور خاصية علمية ومعرفية ملازمة لها)، بل امتدت إلى تكنولوجيا الألكترونيات الدقيقة وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال التي ترتبت عن "الثورة الرقمية" والتي لم تفرز فقط وحدة في لغة التخاطب والتواصل بين روافد وقطاعات كانت إلى حين عهد قريب "مستقلة"، بل وأيضا تقاربا وتمازجا في مهن لها كانت من ذي قبل متنافرة وفاعلوها متنافسون بالسوق على أساس من هذه الخلفية أو تلك (4).
ولئن تمظهرت " تكنولوجيا الصدارة" هاته (في حياتنا العملية) من خلال امتلاء الفضاء الخارجي بالأقمار الصناعية والسواتل واستبطان الأرض للآلاف من كوابل الألياف البصرية الباثة للصوت والمعطى والصورة وتوفر ملايين بنوك وقواعد المعلومات وعشرات الآلاف من الفضائيات، فإنها (أي الطفرة التكنولوجية) أضمرت ولا تزال تضمر في بنيتها ووتيرة التطور الذي خضعت له تحولين بنيويين غير مسبوقين:
°- فهي تشي بانتقال الاقتصادات والمجتمعات من وضعية تاريخية كانت الموارد الأولية (الطبيعية أو الاستخراجية) والعضلات البشرية والتنظيمات العمودية هي السائدة والقائمة و"المحددة"، فضلا عن ذلك، لجهة التنمية والتطور، إلى وضعية أضحت المعلومات والمعارف والكفاءات والتنظيمات الأفقية المرنة هي الأصل فيما باقي الأشكال والتنظيمات هي الاستثناء: إنها أضحت الوضعية المتبعة والمتبوعة فيما غدت الوضعية الأولى في وضعية تبعية...في وضعية شذوذ يقول البعض(5).
°- وهي أفرزت تنظيمات اجتماعية واقتصادية وثقافية جديدة على غرار تنظيمات متقادمة لم تعد تواكب "عصر المعلومات الجديد" (ولا تتفاعل معه) عبر عنها مانويل كاسطيلس ب"المجتمع الشبكي"(6) فيما عبر عنها أخرون ب"مجتمعات المعرفة" (7) أو ب" مجتمعات الذكاء العالي"(8) أو بما سواها من تعبيرات.
نحن هنا إذن إنما بإزاء "حالة انتقالية" (9) ستتحدد حتما بموجبها وبمحصلتها طبيعة مجتمعات جديدة تقادمت بصلبها تدريجيا وتاريخيا أنماط ونظم إنتاج كانت مبنية على الفلاحة، على الصناعة، على النموذج الاستهلاكي الأوسع وعلى ما سواها من تنظيمات لفائدة تنظيمات تنبني يوما عن يوم على المعلومات والبيانات والمعطيات بجانب الإنتاج كما على مستوى التداول والاستهلاك وغيرها.
ومعنى هذا أن طبيعة الاقتصاد المتزايد المد منذ مدة (وطبيعة إنتاج الثروة بداخله) إنما بدات تتوجه تدريجيا بجهة الاقتصاد المبني على المعلومات والمعرفة. فلم تعد نسبة نمو ذات الثروة، نتيجة ذلك، محكومة ولا رهينة لما توفر لهذا البلد أو ذاك من فحم أو خشب أو نحاس أو ذهب أو نفط، بل أساسا بما يستطيع هذا البلد إفرازه من بيانات ومعطيات وبرمجيات وشبكات في الاتصال والتواصل وما سواها(10).
ومعناه أيضا أن تصنيف الدول والشعوب بداية هذا القرن لم يعد، كما كان الأمر من ذي قبل، حكرا على ما تكتنزه من موارد مادية ومناجم وكثافة بشرية، بل أضحى لصيقا بمدى تموقعها من التقسيم العالمي الجديد الذي يتخذ من المعلومة والمعرفة مادته وعنصر التنافسية فيما بين مكوناته.
+ أما الملاحظة الثالثة فتكمن في التراجع المستمر للحمولة المعرفية والتفسيرية التي لازمت العديد من المفاهيم التأسيسية الكبرى والتي بنت لنظريات وأطروحات كانت إلى حدود ثمانينات القرن الماضي مؤثثة وناظمة للفكر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وما سواه:
°- فمفهوم رأس المال لم يعد له نفس القدرة التفسيرية التي ميزته لعقود طويلة خلت، إذ لم يعد التراكم في ظله محكوما بعدد المصانع أو حجم احتياطي المناجم وما تكتنزه الأرض، بل غدا رأس المال " فاعلا متجولا" يتنقل بملايير الدولارات (مقتنيا بذلك أقوى ما استجد من شبكات ألكترونية) بين هذه الجهة من العالم وتلك بحثا عن التكلفة المنخفضة والربح الكبير والسريع دونما تمييز لمالكيه بين هذا القطاع أو ذاك.
لم يعد رأس المال أوراقا مالية وأرصدة بالبنوك ومساهمات عينية من طبيعة ما، بل أضحى في حله وترحاله بتات ألكترونية تتنقل بين الفضاءات لهثا وراء الربح المضارباتي السريع أو درءا لمخاطر تقلبات الأسواق المالية والبورصات...إذا لم يكن هو نفسه مصدر هذه المخاطر، المترزق منها شكلا وبالمضمون (11).
ولم يعد المرء بحاجة إلى رأسمال ضخم حتى يكون بمستطاعه ولوج عالم المال والأعمال والاقتصاد، بل أضحى ذلك ممكنا بمجرد الاحتكام على فكرة أو التوفر على خبرة أو إعمال مبدأ المجازفة والمخاطرة لضمان ذات الولوج بقطاعات تكنولوجية (كتصميم البرمجيات مثلا) لا تستوجب كبير تمويل.
°- ومفهوم العمل بدوره لم يعد محكوما بالتواجد بأرض المكان، بل وفرت له تكنولوجيا وشبكات المعلومات والاتصالات سبل العمل عن بعد وبالمنازل أيضا دونما حاجة من لدنه للتنقل أو الخضوع لمنظومة تنظيم هرمية يحكمها منطق الرئيس والمرؤوس أو إكراها هذه السياسة الاقتصادية أو تلك (12).
لم يعد من هنا " صاحب رأس المال" مجبرا على جمع البشر بمكان معين أو السهر من لدنه على تنفيذ المشروع، بل اكتفى بتحديد الوظائف والصلاحيات من على بعد ليتكفل بالمشروع أناس من كل الأقطار لا جامع بينهم إلا جامع الشبكة الالكترونية التي يتواصلون عبرها وينفذون من خلالها المشروع.
°- ومفهوم الدولة الوطنية كما مفهوم السيادة والحدود والعملة الوطنية كما مفهوم الجمارك كما غيرها لم تعد لها نفس القيمة الرمزية (والكراهية) التي كانت ملازمة لها منذ البدء، بل غدت مجتمعة جزءا من مجال جغرافي أو مجال اقتصادي وسياسي تتنقل السلع والخدمات والرسام يل والبشر بداخله دونما عوائق أو حواجز...وهكذا(13).
لم يتم لهذه المفاهيم التجاوز فقط بسبب من سياسات الاندماج القطرية التي عمدتها هذه المجموعة الإقليمية أو تلك (الاتحاد الأوروبي أو النافطا أو غيرها)، وليس فقط جراء السياسات الدولية ( النابعة مما تعارف عليه بمنظمة التجارة العالمية كما بمؤسستي بروتن وودز) والتي تعمد إلى تقليص أدوار الدولة لفائدة الفاعلين الخواص، بل وأيضا بحكم العولمة «الموضوعية" التي فرضتها تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال عبر الفضائيات كما عبر الشبكات الألكترونية العابرة للحدود والقارات سواء بسواء.
هناك إذن بالمحصلة تحول جوهري في مضامين وطبيعة وفضاء اشتغال العديد من المفاهيم والبراديغمات الكبرى التي كانت، إلى حين عهد قريب، في مأمن عن كل تشكيك أو مزايدة أو طعن يذكر.
بالبناء على ذلك، ولما أضحت التكنولوجيا (سيما رافدها في الإعلام والمعلومات والاتصال) معرفة والمعرفة بشكل من الأشكال تكنولوجيا، فإن التساؤل في التوزيع العالمي الجديد للمعرفة إنما هو من التساؤل في القطبية الجديدة التي بدأت، منذ مدة، تطاول العلاقات الدولية والتي تؤسس لتراتبية جديدة قوامها الأساس مدى احتكام هذه الدولة (أو المجموعة) أو تلك لناصية " تكنولوجيا المعرفة"(14) (أعتدة ومضامينا) ومدى قدرتها على بناء منظومة في "الرأسمالية الرمزية" (15) تتجاوز منظومات إنتاج الثروات المادية واللامادية التي كانت سائدة إلى حين نهاية سبعينات القرن الماضي.
ولما أضحت المعلومات والمعرفة مصدر القوة والسلطة، بداية هذا القرن، فإن الوقوف من جديد عند الواقع المتردي لمنظومة العلم والتكنولوجيا بالوطن العربي (سيما بجانب تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال) إنما غرضه التدليل على المكانة المتدنية للوطن إياه على مستوى بنية إنتاج وتوزيع واستهلاك المعلومات والمعرفة.
لم يفرز الواقع ذلك و لا المكانة تلك تعميقا للفجوة الرقمية (الملازمة للتوزيع العالمي للتكنولوجيا) المتزايدة المد بين الدول المتقدمة والبلدان العربية, بل أفرزا معا تشوها أعمق على مستوى بنى التنمية الإنسانية العربية (وداخل البلد الواحد) لا يتراءى لنا من سبيل لتجسيرها وردم هوتها إلا سبيل البدء في بناء منظومة علمية وتكنولوجية دامجة لكل البلدان العربية على أساس التكامل بين من لديه المال فقط وبين من يمتلك قدرات بشرية ترتكن في غالبها الأعم لسلك سبيل الهجرة للخارج.
هوامش المقدمة
(1)- يحيى اليحياوي، "العولمة اية عولمة؟" ، إفريقيا الشرق، بيروت/ الدار البيضاء، ماي 1999.
(2)- يحيى اليحياوي، "العولمة الموعودة: قضايا إشكالية في العولمة والسوق والتكنولوجيا"، منشورات عكاظ، الرباط، 1999.
(3)- على الرغم من سيادة منطق السوق (وحركية العرض والطلب) فإن الحكومات "الوطنية" غالبا ما تتحصل على صفقات تجارية وصناعية ضخمة (سما بدول العالم الثالث الغنية) لفائدة "قطاعها الخاص" على خلفية من الاعتبار بأن نجاح وبريق هؤلاء هو من نجاح وبريق "الاقتصاد الوطني".
(4)- Yahya El Yahyaoui, « Internet et société de l’information : essai sur les réseaux du savoir », Ed. Boukili, Kénitra, 2001.
(5)- المهدي المنجرة، "حوار التواصل: من أجل مجتمع معرفي عادل"، تقديم يحيى اليحياوي، منشورات وليلي، مراكش 2005 (الطبعة الحادية عشرة).
(6)- Castells. M, « La société en réseaux », Fayard, Paris, 1998.
(7)- سيما تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
(8)- بيل غيتس، "المعلوماتية بعد الإنترنيت"، عالم المعرفة، الكويت، مارس 1998.
(9)- عبر عنها منذ أكثر من سبعين سنة عالم السياسة الإيطالي أنطونيو غرامشي حينما تحدث عن الجديد الذي لم تتسن له الولادة والقديم الذي لم يتقوض دون رجعة.
(10)- ألفن توفلير، " تحول السلطة بين العنف والثروة والمعرفة"، ترجمة فتحي بن شتوان و نبيل عثمان، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، مصراتة، 1992.
(11)- تقدر الإحصاءات الدولية أن أكثر من 90 بالمائة من الرساميل الجوالة عبر الشبكات ذات طبيعة مضارباتية وأن نسبة ال 10 بالمائة المتبقية هي التي تدخل مباشرة في عملية الإنتاج المادي المباشر.
(12)- الشركات الكبرى (للطيران أو الأبناك أو التأمينات أو ما سواها) بدأت منذ سبعينات القرن الماضي تناول عملياتها الروتينية بدول العالم الثالث سيما بدول آسيا حيث تكلفة اليد العاملة الماهرة جد متدنية.
(13)- Petrella. R, « La mondialisation de l’économie et de la technologie : une hypothèse prospective », Futuribles, Septembre 1989.
(14)- يحيى اليحياوي، " في العولمة والتكنولوجيا والثقافة: مدخل إلى تكنولوجيا المعرفة"، دار الطليعة، بيروت، 2002.
(15)- أنظر في تحديد ماهية الرأسمالية الرمزية:
Vercellone. C, « La question du développement à l’âge du capitalisme cognitif », The Third World Forum, Forum du Tiers Monde, 2003.
"العرب والتكنولوجيا والتوزيع العالمي للمعرفة ليحيى اليحياوي"، موقع سلوان، 13 دجنبر 2007.