1- في ماهية المجتمع الإعلامي الكوني
في أواخر ستينات القرن الماضي أكد عالم الاجتماع الكندي ماكلوهان أن الاتصالات ستحول وجه العالم، وستساهم بقوة في تنمية البلدان غير المصنعة "عن طريق التلفزيون بالكابل والارتباط بالسواتل"، متنبأ بذلك بنشوء "قرية كونية" مختلفة كل الاختلاف عن مواصفات المجتمع القائم(1).
في الفترة ذاتها أصدر عالم السياسة الأمريكي برززنسكي كتابا أبرز فيه "أن تغطية الكون بالشبكات المعلوماتية، أضحت واقعا قائما ومميزا للعلاقات الدولية"(2).
لم يختلف الأمر كثيرا مع بداية هذا القرن، على الأقل باستقراء عام للأدبيات الرائجة بهذا الشأن قياسا إلى ما كان سائدا من ذي قبل، أي في زمن الندرة التكنولوجية.
يقول ج.ج. روش "إن تحويل الكون إلى قرية أضحى المكمل الحتمي للاقتصاد/العالم، منذ أن تحول الإعلام والاتصال إلى خدمات للاستهلاك جارية...إن الاتصال لا يتضمن فقط المعلومات، بل وأيضا تعدد التيارات اللامادية التي تخترق وتتجاهل الحدود. بالتالي فإن آنية الإعلام قد حولت جذريا القواعد والسلوكات السياسية ...إذ بانصهارها وتطور المعلوميات، أكملت آنية الاتصال عملية تكثيف المبادلات. الأخيرة هزمت إكراهات المكان، في حين أن الثانية قوضت إكراهات الزمن"(3).
لم يخرج عن السياق هذا ما تلى بعد ذلك من كتاب ومفكرين(4) بل تبنوا شكلا ومضمونا فكرة أن تكنولوجيا الإعلام والاتصال إنما تؤسس لانبعاث "حضارة جديدة" مرتكزة على المعلومات والمعرفة، ولمرحلة جديدة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،على غرار العصر الصناعي الذي لم تكن المعلومات والمعرفة في خضمه إلا مخرجا من المخرجات ليس إلا.
وهو ما تزكيه تقارير اليونسكو وتتبناه، إذ تعتبر أنه " في هذه المرحلة من الحركية والمبادرة، فإن الإعلام والمعرفة أصبحتا الأداة المحددة للاقتصاد الجديد ذي القيمة المضافة العالية. إذ الشبكات العالمية لم تعد تنحصر فقط في توزيع المعلومات، بل باتت خلف خلق معارف جديدة تساهم في تحويل السلع والخدمات.
وهذا معناه الأهمية الكبرى للموارد اللامادية كالبرامج المعلوماتية والتطبيقات والبرامج والخدمات، والتي أصبحت المواد الأولية الجديدة والثروات الحقيقية لمجتمع المعرفة. بالتالي فإن تراتبية القيم الاقتصادية والسياسية والثقافية أصبحت عرضة للتقوض يوما عن يوم.
إن عالم الاتصال يمر تدريجيا من اقتصاد ندرة ومراقبة منظمة من لدن الدول، إلى اقتصاد ليبرالي موجه نحو وفرة العرض والتعددية. هذا التطور "يسرع من نهاية الاحتكارات في النقل وتوزيع المعلومات بميدان الاتصالات كما بميدان السمعي/البصري"(5).
ليس ثمة من شك إذن أن القناعة باتت قائمة، منذ ماكلوهان وإلى وقتنا الحاضر، بأن الذي خلقته ثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال إنما يقدم على أساس كونه "عهدا عالميا جديدا"، في الاقتصاد والمجتمع والثقافة، أقيم على أنقاض "العهد العالمي القديم" المرتكز على الصناعة والخدمات التقليدية والثروات المادية وغيرها (6).
يقول إيغناسيو راموني بهذا الخصوص: "إن نقل المعطيات بسرعة الضوء (300 ألف كلم في الثانية) ورقمنة النصوص والصور والصوت، واللجوء لسواتل الاتصالات وثورة الهاتف وتعميم المعلوميات بكل قطاعات الإنتاج والخدمات، والاتجاه بجهة تصغير الحواسيب وربطها شبكيا بالإنترنيت على المستوى الكوني، كلها عوامل بدأت تعمل شيئا فشيئا على قلب نظام العالم برمته"(7).
ومعنى هذا، على مستوى الأفراد والجماعات، أنه "بفضل تسارع وتيرة الإبداع التكنولوجي والرهانات الصناعية والمنافسة، فإن التكنولوجيا الجديدة والبنى التحتية للشبكات، ستصبح تدريجيا أقل تكلفة من أسعار المضامين وتوفر إمكانات البلوغ لجماهير أوسع" (8).
وعلى هذا الأساس، فالوعود التي حملها الإنترنيت بداية هذا القرن، وما ستحمله مستقبلا طرق الإعلام والاتصال السيارة، إنما تبدو ولكأنها تجسيد لنبوءة الأولين من الكتاب واستشرافا لما تقدمه الأدبيات الراهنة حول الموضوع...إذ يقدم الإنترنيت والطرق السيارة على أنها مصدر تحولات جذرية كبرى، توشك أن تفجر "ثورة عالمية حقيقية"، في أفق بناء "مجتمع كوني" قائم الذات والبنيان (9).
يبدو، على الأقل بناء على ما ورد من إشارات، أن هذا المجتمع (مجتمع الإعلام الكوني) إنما سيكون ذاك المجتمع المبني على شبكات واسعة للاتصالات، ومرائب ضخمة للحواسيب مرتبطة بعضها البعض، تتنقل المعطيات والمعلومات والبيانات بداخلها بسرعة فائقة، ولا عائق في بلوغها يذكر أمام الأفراد أو الجماعات، ولا رقابة ممكنة في ظلها على المضامين والمحتويات، وعن طريقها ستتكرس تدريجيا مفاهيم في الإدارة والتعلم والبحث والتطبيب وممارسة الشأن العام جديدة.
ولما اقترن هذا المجتمع ب" فضائل العولمة"، فإنه لم يعد يؤسس "لعهد عالمي جديد" فحسب، بل وكذلك "لعصر أثيني متجدد"(10).
2- في بعض خصائص المجتمع الإعلامي الكوني
في اجتماع للمنظمة العالمية للاتصالات مخصص ل "مجتمع الإعلام العالمي"، أكد ألبرت غور (نائب الرئيس الأمريكي الأسبق) أنه "في خضم شبكة الإعلام الكونية، حيث تربط المدن الأكثر تقدما بالقرى الأكثر بعدا، لن يكون هناك إقصاء لأحد في التنمية الاقتصادية. هذه الشبكة سوف تمكن من توزيع المعلومات وتحسين البيئة والتطبيب، وستكسر الحواجز بين الأغنياء والفقراء" (11).
ما يشد التحليل في هذا الخطاب ارتكازه الضمني على مبدأ البلوغ أي بلوغ الأفراد والجماعات للشبكات وبالتالي للمضامين والمحتويات.
+ وعلى هذا الأساس، فلعل إحدى الخصائص الكبرى لذات المجتمع إنما ارتكازه على بنية تقنية كبرى تدعى الشبكة. ومفهوم الشبكة المقصود هنا، يقول لوسيان سفيز، "إنما هو مركز تكنولوجيا الاتصال، إنه وجهها المهيمن"(12). إنه الوسيط الضروري لتوزيع ونقل واستهلاك المعلومات والمعطيات والبيانات: إنه البنية التقنية أساسا، لكنه أيضا المضامين والمحتويات، إذ لا "حياة" لهذه الأخيرة في غيابه أو ضعفه، أو اختلال أحد مكوناته.
+ اما الخاصية الثانية لمجتمع الإعلام الكوني، فتتمثل في اعتبار هذا الأخير مكمن "التنقل السريع والآني والحر" لكافة أشكال المعلومات بين المرسلين والمتلقين، منتجي ذات المعلومات ومستهلكيها. لن يعود للمكان والزمن، وفق هذه الخاصية، من قيمة كبرى تذكر، إذ ستتنقل الرساميل كما الأفكار على شكل بتات ألكترونية، "تسخر من قوانين الدولة الوطنية وتشريعاتها ولوائحها. إنها، أعني الشبكة، أصبحت أداة موسطة حقيقية للامادية الاقتصاد المتزايد وإحدى سماته المميزة (13).
+ الخاصية الثالثة لذات المجتمع وتكمن، بارتباط وتقدم مفهوم العولمة، في قدرة الشبكات على "خلق آليات ارتباط جديدة بين المحلي والعالمي، بين الفردي والجماعي، بين الواقعي والافتراضي"، لا تبدو التمايزات القائمة معها ذات اعتبار كبير...إننا هنا بإزاء "حميمية لذيذة بين الفرد والآلة وأيضا بين بني البشر، وبإزاء بلوغ متساو للكل لمعرفة شمولية، تتجاوز كل أشكال الموسطة (صحفيين مرتشين، زعامات بليدة، خبراء مغرورون بكفاءاتهم...إلخ)، ثم بإزاء حرية تعبير حقيقية، وديموقراطية مباشرة عبر التصويت الألكتروني..."(14).
لا يقتصر الأمر هنا عند الخصائص الكبرى (الوعود الكبرى يقول البعض)، بل يتعداه إلى ربطها برهانات (15) تقدم على أساس كونها رهانات القرن بمجمله:
- فالرهانات التكنولوجية القائمة لم تعد فقط ترفا أدبيا يستأنس بترديده الخبراء والسياسيون، بل أضحت واقعا ماديا، لا مندوحة عن رفعه "للارتباط بالمجتمع الإعلامي الكوني".
معنى هذا أن إقامة البنى التحتية وتوسيع الشبكات الرقمية ذات السعة العالية والموظفة للألياف البصرية، كما صياغة مبدلات جديدة بإمكانها حمل الصوت والصورة والمعطيات الضخمة، كما تصميم برامج للضغط جديدة، كما زيادة عدد الأقمار الصناعية، كل هذا لا يفترض فقط استثمارات تقنية ومالية وصناعية، بل وتحالفات ضخمة بين الصناعيين ومستغلي الشبكات ومصممي البرامج المعلوماتية ومنتجي المضامين والمحتويات وما إلى ذلك(16).
- والرهانات الاقتصادية لا تقل عن الأولى مركزية وضخامة، لا على اعتبار تزايد وتيرة المنافسة بين الفاعلين الكبار، بل وكذلك لأن المعلومات أضحت المادة الأولية "للاقتصاد الجديد"، المبني على صناعات الاتصالات والبرامج والخدمات السمعية/البصرية والإلكترونيات الجماهيرية وما سواها.
- ناهيك عن الرهانات الاجتماعية والسياسية والتنظيمية والثقافية وغيرها (17).
يبدو إذن، على الأقل بالارتكاز على هذه الخصائص والرهانات، أن " وعود" المجتمع الإعلامي الكوني لا تنحصر في مستوى التبشير بميزات تبني ذات المجتمع على اعتبار مردوديته الآنية، بل تتعدى ذلك لتفتح في الأفق "لعهد جديد"، "لاقتصاد جديد"، "لثقافة جديدة" و"لحضارة جديدة" على المدى المتوسط والبعيد.
3- في البعد الإيديولوجي للمجتمع الإعلامي الكوني
من النافل القول، بناء على ما سبق، إنه بقدر حجم الأدبيات والدراسات والتقارير المروجة لأطروحة المجتمع الإعلامي الكوني، المبشرة بقدومه بنى ومحتويات، بقدر حجم وصلابة أخريات لا تتبنى ذات الطرح ولا تتماهى مع القائمين عليه، بل تعتبره ضربا من ضروب الإيديولوجيا التي تتكيف، فيما يعتقدون، وما يروج وينتشر من مستجدات تكنولوجية، لدرجة يبدو معها الأمر ولكأنه "بشيوع كل مستجد تكنولوجي يخرج علينا مستجد في الخطاب" (18).
في كل مرة، يقول لوسيان سفيز، يعود إلينا نفس الخطاب: " قبل التلفزة (في الستينات) قالوا إنه القرية الكونية...حيث استعيدت الجماعة من جديد بفضل الشاشة الصغيرة، التي ستقلص من تهديدات الحرب وتردم الهوة بين العسكريين والمدنيين، وتفرز التطور بخطى جبارة حتى بالدول غير الصناعية كالصين والهند وإفريقيا. قيل (في السبعينات) تحرير الاتصالات؟ قالوا الحرية والحميمية ضدا على الدولة...قيل الكابل والمنتيل في الثمانينات قالوا: الثقافة على مقربة من الكل...ثم لتأت، في التسعينات، أقواس النصر: الإنترنيت والطرق السيارة...حيث التنمية والتضامن" (19).
لا تكمن الخطيئة هنا في المشاريع، بقدر ما تكمن في الخطابات حيث تعارض السابق باللاحق "ولكأن السابق ظلام وجحيم من الجهل، واللاحق أنوار من المعرفة (20).
يبدو إذن، بناء على هذا، أن الخطابات المتبنية لأطروحة المجتمع الإعلامي الكوني أو البانية له، المروجة لمكوناته ولكأنها مجموعة من التبسيطات (على خلفية من الاندفاع والحماسة) لتمييز حالات بالغة التعقيد لا تعطيها وسائل الإعلام إلا زخما أكبر، حتى وإن لم تكن هي صاحبتها أو القائم على صياغتها.
بالتالي، فلو كان لنا أن نقف عند الأبعاد الإيديولوجية الكبرى للخطاب الرائج حول المجتمع الإعلامي الكوني، لوقفنا إجمالا عند أربعة أبعاد أساسية:
+ البعد الأول ويتمثل أساسا فيما يمكن تسميته بالمحدد التقني (أو التكنولوجي) الذي يحكم خلفية المجتمع إياه، ويرهن صيرورته وحركيته. والمقصود هنا بالمحدد التقني إنما الاعتبار (والاعتقاد أيضا) السائد حول اعتبار البنى التقنية التحتية وأعتدة الإرسال والاستقبال وبرمجيات التشغيل والاستغلال ووتيرة تنقل البيانات والمعلومات...اعتبارها هي المحور وما سواها مستويات ثانوية غير ذات قيمة كبرى تذكر.
معنى هذا أن البيانات والمعطيات الرائجة لا يمكن، حسب هذا الاعتقاد، مماهاتها ب"الحقيقة" إلا إذا استطاعت تحقيق موسطتها عبر النظام التقني السائد، على خلفية من التصور "بأنه لا حقيقة خارج نظام الشبكة".
ومعناه أيضا أنه بصرف النظر عن طبيعة ذات المعطيات والمعلومات وطبيعة وخلفيات المروجين لها (منتجو مضامين أو مصممو برامج)، بصرف النظر عن ذلك، فإن اقتناء المعطيات والمعلومات إياها للشبكة والنظام التقني، يضفي عليها لوحده صفة " الحقيقة" والصواب.
إن الحامل، وفق هذا التصور، هو الذي يمنح صفات "الحقيقة" و"المصداقية" و"الصواب"، ومن لا يقتنيه (أي الحامل) يفقد تلقائيا ذات الصفات. وهو أمر لا تعوزه الدقة فحسب، بل وتطبعه التبسيطية والاختزال. فالنظام التقني (وفي قلبه مفهوم الشبكة) لا يفعلان في محيط مستقل، بل في ظل نظام اجتماعي يطبع ذات النظام ويؤثر في صيرورته في الزمن والمكان.
إن التقنية، يقول لوسيان سفيز، "كي تفرض نفسها وتغير من نظام الأشياء، إنما هي مضطرة لسلوك نسيج معقد من الموسطات الاجتماعية والسياسية، ومن صراعات المصالح وأيضا من الصراعات الرمزية"(21).
صحيح أن النظام التقني (والشبكة تحديدا) يصيغ علاقة الزمن بالمكان ويخلق، بنجاعته، نوعا من الآنية والتفاعلية بين الأفراد والجماعات، لكن وجوده لا " يتم تفعيله إلا بمستعمليه" (22). بالتالي، فإذا كانت المطبعة نتاجا طبيعيا لحركية اجتماعية، ساهمت إلى حد كبير في شيوعها والقبول بها، فإن مرحلة الرقمي الحالية إنما هي "امتداد لآليات التحول التي تربط مختلف أشكال المجتمع بالتحولات التقنية في ميدان الاتصال، بحكم كونه أداة لنقل المعلومات والمعرفة" (23).
+ أما البعد الإيديولوجي الثاني لأطروحة المجتمع الإعلامي الكوني، فتكمن في انبنائه شبه المطلق على نموذج واحد في التطور، كائنة ما تكن التمايزات بين الفضاءات القائمة.
وعلى هذا الأساس، فالقطاعات البانية لذات المجتمع (الاتصالات أساسا وكذلك الميدان السمعي/البصري والإنتاج الإعلامي)، إنما يراد لها أن تسير في "خط مرسوم"، مرتكز على خوصصة الملكيات وتحرير الأسواق وإعادات تقنين النظم واللوائح القائمة عليها، وما سوى ذلك.
لا تتراءى لنا محدودية هذا الخطاب (المؤسس حتما للممارسات السائدة) في ارتكازه على فكر واحد وتصور واحد فحسب، بل أيضا وأساسا في اعتبار أن المجتمع المترتب عن ذات الخطاب (والممارسة) سيكون بالضرورة حاملا "لقيم" ذات الخطاب و"لفلسفة" ذات الممارسة.
من هنا فليس الحق في الاختلاف والتنوع هو المعرض للخطر والتهديد، بل وأيضا حق الدول والشعوب في خلق "نموذج للحداثة" مختلف عن "النموذج الكوني" المراد تعميمه (24)...والمبني على "قيم" اقتصادية خارجة عن سياقه، كالإنتاجية والمردودية والربحية والتنافسية وغيرها، أي " قيم" اقتصاد السوق المحرر، غير المقنن، "الحر"، المفتوح، التنافسي...والمخوصص.
ليس ثمة من شك بالتالي، أن نقد ذات النموذج لا يقتصر فقط على نقد الخلفية النيوليبرالية المؤسسة له، "المشرعنة" لتوجهاته، بل ويتعدى ذلك إلى نقد التقنية ونقد الاستخدامات المتأتية منها شكلا وفي المضمون.
+ أما البعد الثالث المبين للطبيعة الإيديولوجية لخطاب مجتمع الإعلام الكوني، فيتراءى لنا كامنا في توجه السيطرة والهيمنة الذي تسلكه الدول الكبرى وشركاتها، والذي يخفي في ثناياه رهانات غير التي تبدو جلية للوهلة الأولى.
والواقع أن تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال، وفي صلبها خطاب مجتمع الإعلام الكوني، إنما هي رهان سلطة بامتياز، إذ طبيعة ذات المجتمع هي حتما من طبيعة السياسات التي تنهجها الجهات المسيطرة على ذات التكنولوجيا شبكات وأعتدة، محتويات ومضامينا.
ليس غريبا، من هنا، أن نقرأ "أن العلماء والتكنولوجيا قد استطاعوا تحقيق ما أخفق في تحقيقه من مدة العسكريون ورجال الدولة: الأمبراطورية الكونية...إذ سوق الأموال، سوق السلع والخدمات وتقنيات التصنيع، أضحت كونية بطبيعتها...إنه السوق/المكان الكوني. هذا التطور الجديد جاء في الوقت الذي تعمل فيه التكنولوجيا على تشكيل الإعلام والاتصال" (25).
من حكم المؤكد إذن أن هناك تباينا جذريا بين ما يروجه الخطاب حول مجتمع الإعلام الكوني، وما تتغيأ بلوغه الدول الكبرى وشركاتها المتعددة الجنسيات. فلئن كان ذات المجتمع مصدر ربح وتسريع لوتيرة رأس مال هذه الأخيرة، فإنه بالنسبة للدول أداة هيمنة وسيطرة وتوسيع في النفوذ.
يقول برززنسكي: "إن قاعدة القوة الأمريكية تتمثل بنسبة كبيرة، في هيمنتها على السوق العالمي للاتصال...إن هذا من شأنه خلق ثقافة جماهيرية سيكون لها قوة المماهاة السياسية" (26).
بالتالي، فبرززنسكي لا يرى في "الثورة التقنوترونية"، بما هي نتاج للتداخل التكنولوجي، لا يرى فيها فقط تجسيدا للقوة الأمريكية، بل وأساسا تعبيرا عن كون الولايات المتحدة الأمريكية غدت "أول مجتمع كوني في التاريخ"...استطاع بنجاح جعل "طريقة حياته وتقنياته وإنتاجاته الثقافية ونمط تنظيمه (جعله) كونيا، حيث لا مجال لدبلوماسية العصا التقليدية في تقدم وجدارة دبلوماسية الشبكات"(27).
بتحصيل حاصل إذن القول بأن الفضاء الافتراضي، كما العالم الافتراضي، كما الثقافة الافتراضية كما غيرها، إنما هي مكمن هيمنة جديدة للأقوى عوض أن تكون مكمن تعدد واختلاف وتوازن بين الدول والشعوب.
+ أما البعد الإيديولوجي الرابع لخطاب مجتمع الإعلام الكوني فإنما يمكن تلمسه من واقع اللاتوازن العالمي الذي يطبع مكونات ذات المجتمع، على مستوى الشبكات، كما على مستوى حجم وجهة تنقل تيارات البيانات والمعطيات والمعارف وغيرها.
والواقع أن الإحصاءات المتوفرة إنما تبين هوة كبرى بين "الأغنياء معلوماتيا" و"الفقراء" لذات المعلومات، كما وفي النوعية أيضا...كما تبين البون الشاسع بين أحجام المعلومات والبيانات القادمة من الدول المتقدمة بجهة دول العالم الثالث، وكذا تمركز مختلف أشكال البنى التحتية والبرامج المعلوماتية والمضامين السمعية/البصرية بذات الدول.
بالتالي، ف"الحماس المترتب عن التحقيق المستقبلي لنظام إعلامي معولم، بإمكانه توفير بلوغ المعطيات والمعلومات، يخفي واقع الحال. إذ إن أكثر من نصف سكان الأرض لم يتسن لهم لحد الساعة استخدام الهاتف. هذا الواقع يبين أن الشروط القبلية لإقامة مجتمع اتصال حيث للكل حقوقا متساوية، تبقى بعيدة المنال...إن التكنولوجيا الجديدة للإعلام لا يمكنها أن تقود حتما إلى تطوير الشروط الاجتماعية...لأن التكنولوجيا خاضعة بدورها لقوانين السلطة والصراع من أجل اقتسام السلطة"(28).
قد لا يبدو الأمر مثار خطر كبير لو كانت الاستراتيجيات القائمة في هذا الميدان استراتيجيات دول (29)، لكنه يبدو مكمن خطر داهم عندما تقوم على ذلك مجموعة من الشركات الكبرى، متحالفة فيما بينها، مقسمة الأسواق لمصلحتها...ولا سبيل لمعرفة طبيعة تحالفاتها ولا سياساتها على الأمد البعيد.
من هنا، فالمفارقة المحتملة لذات المجتمع إنما ستكمن مستقبلا في الاختيار بين شبكة تجارية ضخمة ومتشعبة على مستوى التجارة الألكترونية العالمية، وبين إحدى عناصر نظام التواصل السياسي والتعبير الفردي بالنسبة للجماعة الدولية....
هما سيناريوهان متناقضان... وسيكون من الصعب التسليم بأن تكنولوجيا الإعلام والاتصال أو أطروحة المجتمع الإعلامي الكوني ستكون قادرة على خدمتهما معا، دونما مصادمات جذرية كبرى فيما بينهما.
هوامش
(1)- Mc Luhan. M, « Guerre et paix dans le village planétaire », Ed. Laffont, Paris, 1970.
(2)- Brzezinski. Z, « La révolution technétronique », Ed. Calmann-Lév, Liberté de l’esprit, Paris, 1970.
(3)- Roche.J.J, « Théorie des relations internationales », Ed. Montchrétien, Clefs/Politique, Paris,1991.
(4)- من أمثال توفلر ودرويكر ودوبري وروزناي وماطلار وغيرهم.
(5)- UNESCO, « Rapport mondial sur la communication : les médias face aux défis des nouvelles technologies » , Ed. UNESCO, Paris, 1997.
(6)- Cf : Valladao. A, « Les mutations de l’ordre mondial », Ed. La Découverte, Les dossiers de l’Etat du monde, Paris, 1994.
(7)- Ramonet. I, « Géopolitique du chaos », Ed. Galilée, Paris, 1997.
(8)- UNESCO, « Rapport mondial… », Rapport. Précité.
(9)- Wautelet. M, « Les cyberconflits, internet, autoroutes de l’information et cyberespace : quelles menaces ? » , GRIP, Ed. Complexe, Bruxelles, 1998.
(10)- Gore. A, Allocution devant les délégués de l’Union Internationale des Télécommunications, Buenos Aires, 1994.
(11)- Gore. A, « Conférence mondiale sur le développemnt des télécommunications » , Union Internationale des Télécommunications, Genève, 1994.
(12)- Sfez. L, « L’idéologie des nouvelles technologies », Manière de voir, n° 46, Bimestriel, Juillet-Août, 1999.
(13)- Cf : Nora. D, « Les conquérants du cybermonde » , Ed. Gallimard, Folio, Paris, 1997.
(14)- Cf: « Internet, l’extase et l’effroi » , Manière de voir, Hors-série, Octobre 1996.
(15)- أنظر: اليحياوي. يحيى، "العولمة ورهانات الإعلام"، منشورات شراع، طنجة-الدار البيضاء، يونيو 1998.
(16)- أنظر للمزيد من التفاصيل تقارير اليونسكو حول الاتصال في العالم سيما تقريرها لسنة 1997.
(17)- أنظر: اليحياوي. يحيى، "العولمة ومجتمع الإعلام"، منشورات الزمن، الرباط، فبراير 2001.
(18)- Mattelart. A, « Une éternelle promesse : les paradis de la communication » , Le Monde diplomatique, Novembre 1995.
(19)- Sfez. L, « L’idéologie des nouvelles… » , Art. Précité.
(20)- على الرغم من التوافق الضمني بأن المطبعة هي التي غيرت حقا وجه العالم.
(21)- Eisenstein. E, « La révolution de l’impasse » , Ed. La Découverte, Paris, 1991.
(22)- Offner. J. M, « Réseaux et large technical system : concepts complémentaires ou concurrents ? », Flux, n° 26, Décembre 1996.
(23)- Sfez. L, « L’idéologie des nouvelles… » , Art. Précité.
(24)- Mattelart. A, « La nouvelle idéologie globalitaire » , In « Mondialisation، au-delà des mythes » , Ed. La Découverte, Paris, 1998.
(25)- Mattelart. A, «Dangereux effets de la globalisation des réseaux» , Manière de voir, n° 46, Bimestriel, Juillet-Août, 1999.
(26)- Brzezinski. Z, « La révolution technétronique », Ouv. Précité.
(27)- Première société globale de l’histoire.
(28)- تقدم معظم هذه الفضاءات في كونها "تحرير للأفراد والجماعات وتيارات السلع والخدمات والرساميل والمعلومات (والبشر أيضا إلى حد ما) من "إكراهات المكان" وإدماج في سرايا المجتمع الإعلامي الكوني.
(29)- Jaeggi. U, « Pour l’accès contre l’exlusion », Zoom K&M, n° 7, Février 1997.
* "في إيديولوجيا المجتمع الكوني"، مجلة يتفكرون، العدد 7، ربيع 2015.