تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

واقع الأمن القومي وتحدياته المختلفة

أحمد فؤاد إبراهيم المغازي، مركز أسبار للدراسات والبحوث والإعلام، الرياض، فبراير 2012، 34 ص.

بمقدمة هذه الدراسة، يقول الكاتب: "شهد العالم منذ تسعينيات القرن الماضي مجموعة من التغيرات الدولية والإقليمية التي كان لها الأثر الواضح في شكل وطبيعة النظام الدولي عامة، وفى الوطن العربي بشكل خاص، كان من أبرزها وعلى المستوى السياسي انهيار الاتحاد السوفيتي، والطموح الأمريكي المتمثل في النظام الدولي الجديد، وانهيار النظام الإقليمي العربي، والذي ظهر بديلا عنه الإستراتيجية الغربية وخاصة الأمريكية والإسرائيلية التي بدأت تتبنى مفهوم الشرق الأوسط كمفهوم أمنى واقتصادي وسياسي، والشراكة الأوربية المتوسطية، ومجموعة من التحالفات الأمنية العسكرية التي انعكست سلبا على واقع الأمن القومي العربي، وشملت التحالف الأمريكي الإسرائيلي، والتحالف الإسرائيلي الإثيوبي، والإسرائيلي مع دولة جنوب السودان، إضافة إلى الربيع العربي".

ويتابع قائلا: "لقد كان لغياب الإستراتيجية العربية الموحدة من ناحية، وتنامي القوى السياسية لدول المنطقة العربية بسرعة من ناحية أخرى، وميل كل منها نحو صناعة عمق استراتيجي لقوتها من ناحية ثالثة، الأثر البالغ في تقسيم العمق العربي الكبير إلى وحدات إقليمية أصغر، مما ساعد على توفير المناخ المناسب لإيران لتقوم بالضغط على الجناح الشرقي للمنطقة العربية، كما تحاول تركيا بعد فترة إهمال طويلة، الضغط على الشمال الشرقي للمنطقة العربية لصناعة عمق استراتيجي لها، وتقوم إسرائيل بتعقيد خريطة الصراع على العمق الدفاعي والاستراتيجي بتعميق الخلافات والصراعات وتفريغ المنطقة العربية من إمكانات التنمية من ناحية، ومحاولة تحطيم الآلة العسكرية للقوى المتنامية من ناحية ثانية، وصناعة عمق أمني لها بزيادة المناطق شبة الحاجزة وقت السلم، ونقل ساحة المعارك إلى أراضى الجيران وقت الحرب، ومراقبة الصراع على العمق العربي من ناحية أخرى... مما جعل مفهوم الأمن القومي العربي يتراوح بين الأماني القومية صعبة التحقيق، والأحداث التي أثبتت عدم وجود هذا المفهوم... ثم جاءت الحرب الأمريكية على العراق في عام 2003 لتكشف عجز الدول العربية عن بلورة تصور أمنى وإقليمي متكامل، وتؤكد أنه لا يوجد نظام أمني حقيقي يجمع بين دول المنطقة، وأن ما هو قائم في واقع الأمر، نظرية تحمل إسم الأمن القومي العربي تعبر فقط عما يجب أن يكون".

ما هو الأمن القومي؟ الأمن القومي، وفق الكاتب، هو تأمين الدولة من داخلها، وحمايتها من التهديد الخارجي، بما يكفل لشعبها حياة مستقرة توفر لها أسباب النهوض والنمو، والتعبير عن هويتها بين الأمم، وممارسة حريتها في استغلال طاقاتها البشرية وثرواتها المعدنية والطبيعية، للوصول إلى تحقيق أهدافها في التقدم والازدهار والسلام. لذلك تناولته الدراسات من خلال مدرستين، الأولى هي المدرسة الإستراتيجية التي تركز على الجانب العسكري والتهديد الخارجي، والثانية هي المدرسة المعاصرة أو التنموية، التي ترى أن مصادر التهديد لا تقتصر فقط على التهديد الخارجي، وإنما أيضا على التهديد الداخلي الذي يشمل أبعادا اقتصادية واجتماعية وثقافية.

ويلاحظ الكاتب أن مفهوم الأمن القومي العربي مرتبط بالمرحلة التالية لحروب التحرير الوطني والاستقلال السياسي وطرد المستعمرين من المنطقة العربية. ويعرف الأمن القومي العربي على أنه هو "قدرة الأمة العربية على حماية كيانها الذاتي ضد الأخطار الخارجية، من أجل ضمان بقائها. وقد اشترط التعريف لتحقيق هذا الأمن شرطين هما: الأول وجود نظم ديمقراطية حقيقية موحدة أو متحدة أو متضامنة أو حتى متفقة على خطة عمل أمنية لحدودها الجغرافية، والثاني وجود تنمية شاملة واقتصاد متكافئ ومتكامل، تحت قيادة قومية مؤمنة بحق شعوب الوطن العربي بوحدته أو باتحاده، أي امتلاك أسباب القوة القومية المؤهلة قيادة وكفاءة، والقادرة على تحقيق المتطلبات الأمنية لكافة قطاعات الأمة العربية".

ويلاحظ أيضا أن الأمن القومي العربي قد تراجع كثيرا لأسباب منها ما هو سياسي، مثل التجزئة التي تعرض لها الوطن العربي وسيادة مفهوم القطرية، ومنها ما هو أيديولوجي، مثل التوظيف الخاطئ لمفهوم القومية العربية، ومنها ما هو اقتصادي كالمديونية والتبعية الاقتصادية، إضافة إلى ضبابية الفكرة. ولم تشفع العوامل الاجتماعية من وحدة الدين واللغة والثقافة والحضارة، والاقتصادية من الثروة النفطية والموارد الطبيعية والمساحات الزراعية والقدرة السياحية، والعسكرية من الطاقة البشرية والترسانة الهائلة من الأسلحة، في خلق نظام عربي قادر على حفظ الأمن القومي للدول العربية.

ويعتقد أن الواقع الحالي للأمن القومي العربي يتعرض لتهديدات متعددة تشمل:

+ خطر وجود إسرائيل على الأمن القومي العربي

يستشهد الكاتب هنا بما كتبه البارون اليهودي روتشيلد في عام 1840 في خطابه إلى رئيس الوزراء البريطاني بالمرستون، يبين له خطر نقطة الارتكاز الجغرافي مصر، ويربطها بالبعد القومي العربي، ويبين أهمية وجود دولة يهودية من أجل احتواء خطر نقطة الارتكاز الجغرافي العربي على أوروبا والغرب، فيقول: "إن هزيمة محمد علي وحصر نفوذه في مصر، ليسا كافيين لأن هناك قوة جذب بين العرب . وهم يدركون أن عودة مجدهم القديم مرهون بإمكانيات اتصالهم واتحادهم".

وهكذا لو نظرنا إلى خريطة هذه البقعة من الأرض، فسوف نجد أن فلسطين هي الجسر الذي يوصل بين مصر والعرب في آسيا، وكانت فلسطين دائما بوابة الشرق، والحل الوحيد هو زرع قوة مختلفة على هذا الجسر في هذه البوابة، لتكون هذه القوة بمثابة حاجز يمنع "الخطر العربي" ويحول دونه، أي العمل على استمرار عزل نقطة الارتكاز الجغرافي العربي عن القلب العربي الأسيوي.

 وكان لهم ما خططوا له وقامت إسرائيل في 15 مايو 1948 على التراب العربي في فلسطين، وأصبحت بالفعل الحاجز المانع للاتصال الطبيعي بين البلاد العربية.

لقد تبنت إسرائيل في سياستها تجاه العالم العربي إستراتيجية المحاصرة، أي تطويق السياسة العربية، وهو ما يعرف "بسياسة شد الأطراف ثم بترها، كما حدث في السودان، والتي انتهت بظهور دولة جنوب السودان في 9 يوليو 2011 بناء على رغبة دولية قوية لفصل جنوب السودان، حيث تلاقت جميع المصالح الأمريكية والإسرائيلية وحتى الإفريقية بدول الجوار في إثيوبيا وكينيا وأوغندا، حيث دعموا جميعا قوات التمرد بقيادة جون جارنج ومن بعده سلفا كير، بهدف التواجد الفعلي على أرض جنوب السودان، التي ترى إسرائيل والولايات المتحدة فيها أفضل وسيلة للسيطرة على العمق الإفريقي، وتهديد الأمن القومي العربي عامة، والمصري السوداني خاصة، إضافة إلى الحصول على النفط السوداني من الجنوب والاستثمار فيه".

+ التحديات التي سوف يفرضها الربيع العربي على الأمن القومي العربي

بهذه النقطة، يقول الكاتب: "تعيش بعض الدول العربية في هذه الفترة ثورتها الثانية، بعد أن خاضت ثورتها الأولى في تصفية الإمبراطورية والانتقال من الاستعمار إلى التحرر، غير أن ثورتها الحالية ليست ضد قوى استعمارية خارجية، بل ضد ظلم داخلي وقع عليها، وشمل كافة نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية".

 غير أن هذا الواقع الجديد أوجد بنظره، تحديات إضافية ستؤثر إيجابا وسلبا على أمنه القومي، وذلك من خلال التعاطي المختلف مع القضية الفلسطينية ومع مسار التسوية الذي وصل إلى طريق مسدود، والتعاطي مع القوتين المحوريتين الأخريين في المنطقة، أي إيران وتركيا، وفق معادلة جديدة تقوم على التعاون الاستراتيجي التكاملي وليس العداء، ثم التعامل الجدي مع حالة فراغ القوة التي بدأ المجال الإقليمي للعرب يشهده مع بدء تقهقر مشروع السيطرة الأمريكي على هذا المجال.

+ تباين التحديات التي تعانى منها الدول العربية

تختلف التحديات التي تواجه البلاد العربية من مكان لآخر، منها ما هو داخلي وما هو خارجي. فالمغرب العربي "يعانى من التحديات الداخلية أكثر من التحديات الخارجية، حيث أصبح الإرهاب مشكلة إقليمية هناك، وفرض نفسه كخطر آني ومتوسط المدى بالنسبة لجميع دول المنطقة، وإن كان بنسب متفاوتة. ثم مشكلة البطالة التي تتراوح معدلاتها ما بين 12% و 14% في كل من الجزائر والمغرب وتونس، وتزيد عن 30% في موريتانيا، إضافة إلى مشكلة الصحراء المغربية التي تتداخل فيها جميع الأطراف الإقليمية والدولية".

ويعاني السودان من تحديات خارجية تسبق التحديات الداخلية، وإن لم تمنعها، حيث انتهت إحدى فصوله الخارجية بفصل جنوب السودان وظهوره كدولة مستقلة، وما زال باقي فصول التحديات مفتوح وخاصة في دارفور، إضافة إلى التحديات التقليدية من بطالة وانخفاض لمستوى الدخل الاقتصادي، وما يترتب عنه من تردى في مستوى الخدمات.

ويعانى الصومال بأقصى جنوب الوطن العربي وعلى نفس القدر من تحديات خارجية، تتمثل في التحدي الأثيوبي المستمر، ومشكلات الحدود، وتحديات داخلية طاحنة أدت إلى انهيار الدولة منذ يناير 1991 ونشوب الحرب الأهلية، مما أدى إلى تدخل الأمم المتحدة، بواسطة قوات متعددة الجنسيات. وما زالت الصومال تشكل إحدى بؤر الصراع التي يعانى منها الوطن العربي، وإحدى نقاط الضعف في نظام الأمن القومي العربي.

وتعاني مصر من تهديدات داخلية تتمثل في تبعات ثورة 25 يناير، وما نتج عنها من اضطراب في المشهد السياسي المصري، وتحديات خارجية متمثلة في وجود إسرائيل على حدودها الشمالية الشرقية وتهديد أمنها القومي في حوض النيل، وربما في المستقبل القريب في دولة جنوب السودان، وأيضا كل ما يحدث بالسودان يلقى بظلاله على أمن مصر القومي بشكل مباشر.

ونجد بشرق الوطن العربي التحدي الخارجي يسبق غيره من التحديات، "والمتمثل في إيران وما تمثله من تحدي لأمن الخليج العربي ونفوذها المتزايد وخاصة بالمشهد العراقي، إضافة إلى التواجد الأجنبي بالمنطقة، حيث يشكل الوجود العسكري والسياسي للولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي والمقترن بالتحالف الإستراتيجي والوثيق مع إسرائيل، خطرا حقيقيا على بلدان الخليج العربي وشعوبها، حيث اعتبرت الولايات المتحدة منطقة الخليج عام 1973 منطقة مصالح سياسية واقتصادية وإستراتيجية، وارتبط أمن الخليج وبالتالي الأمن القومي العربي بأمن الولايات المتحدة، مما يزج بدول الخليج والدول العربية في استقطابات وتكتلات هي في غنى عنها، ويجرها إلى صراعات إقليمية لا تحتاجها، وتواجه أيضا بالإضافة إلى التحديات الأمنية الناشئة عن الوجود العسكري الأجنبي والتهديدات المحيطة بها، تحديات أخرى تتمثل في الغلبة السكانية للأجانب فيها، والهوية القومية والوطنية، إضافة إلى تنامي ظاهرة الإرهاب".

أما في بلاد الشام، فنجد أيضا التحدي الخارجي والذي يتمثل في الضغوطات الإقليمية متمثلة في تركيا وإيران والولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى التحديات الداخلية المتمثلة في هبوب رياح التغيير على بعض بلدان المنطقة أو ما يسمى بالربيع العربي.

+ الخلافات العربية – العربية

بهذه النقطة، يلاحظ الكاتب أنه في ظل ضعف النظام الإقليمي العربي ممثلا بالجامعة العربية، وعجزه عن مسايرة التغيرات المتلاحقة بالمنطقة العربية، لم يخلو النظام العربي وعبر مراحل تطوره، من ظاهرة الخلافات العربية العربية، التي بلغت في بعض الأحيان درجة من الشدة جعلتها تنفجر في شكل مسلح، مثل مسألة الحدود الوهمية بين الأقطار العربية، التي كرست فلسفة الدولة القطرية، وعززت كيانها، وخلقت خلافات بين العرب تم حل بعضها ومازالت هناك الكثير منها بدون حل إلى الآن، وكذلك الخلاف حول الحدود مع دول الجوار الجغرافي، ومشكلة المياه، وما يمكن أن تثيره من نزاعات في المستقبل سواء بين الدول العربية أو بينها وبين دول المنابع.

+ التجزئة والانفصال في الوطن العربي

يشمل الوطن العربى22 دولة على مساحة تقدر بحوالي 14 مليون كم2، ما أدى إلى معاناته من مشاكل التجزئة والانفصال، والتي أثرت ومازالت في أمنه الوطني والقومي، وتشكل عائقا في وجه تقدمه الاقتصادي والاجتماعي.

+ مشكلة الأقليات في الوطن العربي

يعتبر وجود الأقليات في الوطن العربي أمرا طبيعيا، في ظل وجود مساحة عظيمة مترامية الأطراف للوطن العربي، إضافة إلى تعرض هذه البقعة من الأرض إلى هجرات وافدة من مناطق أخرى خارج حدوده عبر تاريخه الطويل. إلا أنه مع تطور المجتمعات العربية واتجاهها نحو مزيد من الحرية والديمقراطية، سعت هذه الأقليات إلى أن تجاهر بمطالبها وحقوقها في الاعتراف بوجودها المستقل لغويا وعرقيا وثقافيا ودينيا.

+ الخطر النووي الإسرائيلي والإيراني

لقد "نجحت إسرائيل في أن تمتلك السلاح النووي، وتصبح الدولة الوحيدة التي تمتلك هذا السلاح في منطقة الشرق الأوسط، وهى الدولة الوحيدة في المنطقة التي لم توقع على معاهدة حظر الانتشار النووي، وهو ما يشكل تهديدا بالغا على الأمن القومي العربي يجب مواجهته. أما في حالة الملف النووي الإيراني، فقد رجح الخبراء بأن إيران ستحتاج إلى عقد من الزمن على الأقل لتكون قادرة على إنتاج سلاح نووي واحد".

بهذه الجزئية ينصح الكاتب بضرورة التفكير في "أكثر من بديل عربي للتعامل مع الملف النووي الإسرائيلي القائم بالفعل، والإيراني في حالة تحوله من الاستخدامات السلمية إلى ملف نووي ذي طابع عسكري، وذلك إما عن طريق التسليح النووي المقابل لتحقيق التوازن المطلوب، وإما العمل على انضمام إسرائيل لمعاهدة منع الانتشار النووي، أو التمسك بالمطالبة بإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، وذلك بغية التوازن الاستراتيجي بين الدول العربية والدول المجاورة لها من خارج الوطن العربي".

ما هي وسائل النهوض بالأمن القومي العربي؟

إن الترجمة المادية للالتزامات الأمنية المتبادلة في نطاق النظام العربي تتمثل، برأي الكاتب، في إنشاء آلية تنفيذية ومؤسسية ذات ولاية أمنية إقليمية، أي "إنشاء قوة عسكرية مشتركه باعتبارها جوهر التحديث المطلوب للنهوض بنظام الأمن العربي، واعتماد مبدأ الوحدة الاختيارية للدول العربية في أشكال مكانية محددة، وعبر مراحل زمنية مناسبة".

تشمل القوة العسكرية إطارا عاما يعطي الأمان داخليا وخارجيا لقدرات الدولة، لتنمو وتتطور وتحقق أهداف الأمن القومي بمفهومه الشامل.

وإذا كان الأمن الخارجي يشمل إقامة منظومة عسكرية متكاملة لردع العدو المحتمل وحماية الوطن وتحقيق الأمن من التهديد الخارجي، فإن الأمن الداخلي يشمل، برأي الكاتب، إشباع حاجة المواطن للشعور بالطمأنينة في الداخل وحماية حقه داخل الجماعة، وتحقيق حقوقه المشروعة في البيئة الاجتماعية المحيطة والدفاع عنها وحمايتها.

لذلك فدراسة الموقف العسكري لدول الوطن العربي من شأنه أن يعطى فكرة عن مدى جاهزية أي دولة لإدارة صراع مسلح إذا ما اقتضت الضرورة لذلك، مع عدم إغفال الوضع العسكري لدول الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وباقي دول الجوار الجغرافي بالشرق والشمال، وتصور موازين القوى الإقليمية والدولية بالمنطقة العربية.

وبناء على حجم القوات العربية وميزانية الدفاع للعام 2011، وترتيب بعض هذه الجيوش ضمن أفضل خمس وخمسين جيش على مستوى العالم، يتضح أن جيوش الوطن العربي تضم 2،921،800 جندي بميزانية تقدر بـ 108،305 مليار دولار، ويتضح أن الجيش المصري يأتي في المرتبة الأولى عربيا والسادسة عشر عالميا، يليه الجيش السعودي ثانيا عربيا وبالمرتبة 26 عالميا. وهذه الجيوش العربية مجتمعة "تشكل قوة لا يناظرها أي جيش بالمنطقة سواء في عددها أو ميزانية تسليحها، وهو ما يعطى مؤشرا عن القدرة العالية للجيوش العربية، وإمكاناتها التي تستطيع حسم أي صراع مسلح لصالحها، وتحقيق إستراتيجية عسكرية رادعة في حال اتحادها. غير أن الواقع ينافى هذه الصورة المثالية، حيث أن الجيوش العربية لا تشكل كيانا واحدا، بل هي جيوش تحمى الأمن القومي القطري".

لذا يجب العمل على إحياء ميثاق الدفاع العربي المشترك وتطويره، ليتناسب مع واقع الأخطار التي تهدد الأمة العربية، والتأكيد على الالتزام بمبادئ الميثاق واختيار قيادة عربية عسكرية موحدة تجسد وحدة القرار السياسي ووحدة فكره الاستراتيجي، بالرغم من توقيع كل من مصر والأردن على معاهدة سلام مع إسرائيل ودخول الفلسطينيين في مباحثات غير متكافئة مع الكيان الصهيوني تهدد بإنهاء القضية الفلسطينية كلها، وذلك وفق عناصر رئيسية للإستراتيجية العسكرية العربية، تشمل الاعتماد على جيوش عربية متطورة وقوية، "لدرء أي خطر يهدد الأمة العربية وكيانها وحدودها الدولية، والنهوض بمستوى الفرد في الجيوش العربية، بحيث يكون على درجة عالية من التعليم والتدريب والاعتماد على النفس، ويكون قادرا على استخدام أحدث الأسلحة والمعدات والنظم المتقدمة، والتنسيق والتعاون بين الجيوش العربية في كافة المجالات، والاكتفاء الذاتي العسكري عن طريق الاعتماد على الموارد العسكرية العربية والتصنيع الحربي الذاتي".

وهناك العديد من العوامل سوف تساعد، بنظر الكاتب، على نجاح إستراتيجية النهوض بالأمن القومي العربي، لعل أهمها عاملي الربيع العربي، وتراجع الدور الأمريكي في العالم، وظهور قوى دولية جديدة على الساحة تشاركها.

ففي العامل الأول سوف يشكل الربيع العربي في مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا، "قوة دفع في طريق إنجاز المشروع القومي والحلم الكبير في الوحدة والتقدم، وهو ما سوف ينعكس إيجابا على كل مناحي الحياة ومنها الأمن القومي".

كذلك كان للعامل الثاني والمتمثل في تراجع الدور الأمريكي في العالم، وظهور قوى دولية جديدة على الساحة تشاركها في صنع القرار الدولي، "بالغ الأثر في إعطاء المنطقة العربية فرصة ومساحة لحرية الحركة والعمل، حيث أن هيكل النظام الدولي ومنذ مطلع التسعينيات، أخذ في التنقل منذ نهاية حقبة القطبية الثنائية، من النمط شبه الإمبراطوري القائم على سيطرة القوى العظمى الوحيدة أي الولايات المتحدة الأمريكية، إلى نموذج انتشار القوة القريب بصورة أو أخرى من توازن القوى المحكوم بين عدد من الدول والتجمعات المتكافئة القوة (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوربي، الصين، اليابان، روسيا، البرازيل، الهند، وغيرها)...

وهذا ما يجب تأمله بعمق والعمل على الإفادة منه بقوة.

* "واقع الأمن القومي وتحدياته المختلفة"، أحمد فؤاد إبراهيم المغازي، نافذة قرأت لكم"، 24 يناير 2013.

يمكنكم مشاركة هذا المقال