تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

في بعض وظائف البرمجة التلفزيونية

news-details

للبرمجة التلفزيونية دوران مزدوجان: فهي تقوم أولا، بدور الخيط الرابط بين مختلف البرامج، حتى تضمن لهذه الأخيرة التناسقية والانسيابية على مستوى الشبكة. وتقوم، ثانية، على ضمان العناصر المشتركة بين البرامج المختلفة، حتى تفسح لها في مجال التناسق أو التكامل.

هذه الخاصية غالبا ما تنطبق على القنوات التلفزيونية الجامعة، حيث تنوع وثراء البرامج، مما يستوجب تخطيطا دقيقا، من أجل إدراج كل هذه البرامج أو معظمها في الشبكة البرامجية العامة، ضمانا لانتقال سلس وضمني من برنامج لآخر، طيلة ساعات وفترات البث، والحؤول دون الانتقال المفاجئ أو الصادم بين مختلف البرامج المكونة لعناصر ذات الشبكة.

ف"دائرة جمهور التلفزيون تبدو ضيقة في الصباح، لأن مشاهدته تقتصر على السيدات القابعات في البيوت، والأشخاص المتقاعدين. ثم تبدأ في الاتساع قليلا، بعودة الأطفال من المدارس، والشباب من الجامعات، والعمال إلى بيوتهم. وتكتمل أخيرا، بجمع أفراد الأسرة في زمن الذروة. ثم تضيق ثانية، في الفترة التي تلي زمن الذروة، لأن المشاهدة تضحو أكثر فردانية ونخبوية. ويجد المبرمجون في هذه الفترة، مبرر ترحيل بث الكثير من البرامج التي توصف بأنها دسمة وأكثر فكرية، إلى ساعة متأخرة من الليل".

وعليه، فإن البرمجة التلفزيونية إنما تتطلع إلى بلوغ هدفين متكاملين، أو من المفروض أن يكونا كذلك، بهيكل الشبكة المقترحة: وظيفة بلوغ وإدراك أكبر عدد ممكن من المشاهدين، وبالتالي خلق الحاجة لديهم واستمالتهم واستقطابهم. ثم وظيفة إبقاء هؤلاء المشاهدين أطول مدة ممكنة، لمتابعة برامج القناة وعدم تحولهم إلى قنوات أخرى.

الغاية الأسمى في الحالتين معا، إنما تتمثل في ربط الجمهور بالقناة، وعدم تركه لقمة سائغة للقنوات المنافسة، جامعة كانت أم متخصصة.

ولبلوغ هذا الهدف، فإن وظيفة البرمجة إنما يجب أن تركز على برامج محددة، تشكل ملتقيات قارة، ثم تركز من جهة ثانية على مواعيد ثابتة، الهدف منها خلق نوع من الألفة بين الجمهور والقناة.

والألفة المراهن عليها في هذا الباب، قد تكون عمودية، تعمل على تعويد الجمهور على برامج محددة حسب إيقاع ساعات البث، حتى يشاهدها الجمهور أطول فترة ممكنة. وقد تكون أفقية، تجهد على تعويد الجمهور على برامج محددة تبث في زمن محدد، قد يكون زمن الذروة، وقد لا يكون كذلك بالضرورة.

بناء على هذا المنطق، يعمل القائمون على خارطة البرامج التلفزيونية، على منح هذا البرنامج التلفزيوني أو ذاك موقعه اللائق، ولا يجازفون في وضعه بأي خانة زمنية متاحة، أو بغرض ملء فراغ ما بداخل هذه الخارطة.

والقصد هنا هو القول بأن المشاهد لا يتعرف فقط على القناة من خلال شكلها أو أشكالها التجسيمية، بل وأيضا من خلال البرامج التي تقدمها، وأوقات البث المعتمدة بالخارطة لتمريرها.

بالآن ذاته، يجب على الثاوين خلف البرمجة أن يعملوا على أن يكون شكل القناة ومجسماتها وبرامجها ومواعيد بثها لهذا البرنامج أو ذاك، أن يكونوا جميعا في خدمة هوية القناة وخطها التحريري، وقبل كل هذا وذاك، في خدمة إطارها المرجعي، الذي يضبط الإيقاع، ويضمن التميز للقناة ضمن غريماتها بالمشهد التلفزيوني العام.

هذا المعطى هو الذي غالبا ما يدفع القنوات إلى اختيار أوقات الذروة لإنتاجاتها الذاتية من البرامج والمواد، لأن هذه الإنتاجات هي التي تترجم أكثر من غيرها، فلسلفة القناة والغاية من رسالتها.

بظل هذا المناخ العام، يبدو أن مديري البرامج قد أضحوا العنصر الأقوى بالعملية، بحكم صلاحياتهم في انتقاء البرامج وترتيبها، وتحديد جدول البث الذي تخضع له. لقد تحولوا، يقول البعص: " إلى شركاء في إعطاء هوية للقناة التلفزيونية ورسم سياساتها. فصاروا مستشارين، بحكم خبراتهم في معرفة الجمهور، وأساليب الاستثمار في مجال التلفزيون: إنتاج البرامج التلفزيونية وتسويقها، وشراء المواد التلفزيونية الأجنبية، وامتلاكهم الخبرة في كيفية حشد أكبر عدد من المشاهدين، لمتابعة القناة التلفزيونية. إنهم يتدخلون في كل المواد التي تبثها القناة التلفزيونية، باستثناء البرامج الإخبارية التي يتكفل بها مدير الأخبار"، ومدير الأخبار فقط، أو المفترض ذلك.

* "في بعض وظائف البرمجة التلفزيونية"، 9 يناير 2012.

يمكنكم مشاركة هذا المقال