لو تأمل المرء مليا في الذي يرتب لسوريا، منذ اندلاع الثورة أو الانتفاضة أو التمرد، كل وفق زاوية رؤيته، لو تأمل في ذلك مليا أقول، لتبين له دون عناء كبير، أن الذي يتم إنما يشبه، لحد التطابق أحيانا، ما جرى للعراق منذ العام 1991 ثم 2003 وإلى وقتنا الحاضر.
والواقع أن الغرب عموما، والقوى الكبرى ضمنه تحديدا، إنما تعمد إلى نفس التقنية والتسلسلية في التنفيذ، كلما عن لها استهداف نظام، أو تغيير القائم عليه، أو احتلال دولة بالجملة والتفصيل.
قد يختلف السياق هنا وهناك، وقد تختصر المراحل أو يعمد إلى تمديدها. وقد يكون الفعل، فعل الاستهداف أو التغيير أو الاحتلال، صلدا خشنا، يتم اللجوء لتحقيقه عبر الدفع بالجيوش مباشرة. وقد يتم بالضغوط الصارمة المؤدية حتما إلى تآكل النظام وتداعيه من تلقاء نفسه، دونما مواجهة عسكرية معه. قد يكون كل ذلك منفردا، أو عبر عملية مزج بين هذا العنصر أو ذاك. لكن السيناريو يبقى هو ذاته، حتى وإن اتخذ لنفسه لبوسا مختلفا وشكلا خاصا:
+ فالسيناريو غالبا ما تنطلق شرارته من بلورة عناصر البلبلة بالداخل، وتأنيب الناس بعضهم على بعض، على خلفية من الدين أو العقيدة أو القبيلة أو الطائفة أو ما سوها. ثم تبيان أن جزءا من الشعب يتعرض للاستبداد والاضطهاد والمظلومية.
وقد كان ذلك ولا يزال قائما بالعراق، حيث نجح الغرب في تأنيب الشيعة والسنة والأكراد على بعضهم البعض، ويتم بسوريا حيث يتم تأنيب الطوائف، كل الطوائف، على طائفة العلويين الماسكة بزمام السلطة. كل ذلك بغرض خلق جو من الاحتقان البدائي الداخلي، المحيل صوبا على التقاطب والمقابلة، ثم التصادم والتناحر.
+ بعد ذلك، تخلق المعارضات بالخارج، فتبدأ في التنسيق مع الأجنبي، وتتلقى دعمه المادي والمعنوي، لا بل وتتماهى مع ما يقدم من طروحات وتصورات. ثم يتم رفد هذه المعارضة بتقوية المعارضة بالداخل، التي تكون سلمية، أو تتم عسكرتها. وكذلك كان مع الجلبي وبعض الشيعة التابعين له بالعراق، وهو القائم اليوم بوجود برهان غليون بمعارضة الخارج، وأطياف المعارضة، السلمية كما المسلحة بداخل سوريا.
+ ولما يتسنى لهذه الأطراف شيطنة النظام وإظهار الثاوي خلفه بمظهر القاتل السفاح، تحمل القضية حملا إلى مجلس الأمن، بغرض فرض عقوبات سياسية ودبلوماسية، ثم اقتصادية، والاستعداد بصلب كل ذلك، لفرض حظر جوي أو "ممرات آمنة" لإيصال الغذاء للمتضررين، وهذا الحظر غالبا ما يكون مدعوما بالقوة العسكرية لغرض ضمان تنفيذه.
وكذلك كان بالعراق منذ العام 1991، حيث فرض حظر جوي على شمال العراق وجنوبه، وشدد الضغط على الوسط، حيث للرئيس الراحل صدام حسين بعض من سبل الحركة والحكم. نفس السيناريو يعد له اليوم بسوريا، ولولا معارضة روسيا والصين، لكان البلد قد قسم إلى مناطق حظر حقيقية بكل أطرافه.
+ بعد ذلك، أو بموازاة معه، يعمد إلى تضخيم ما يجري من خلال المطرقة الإعلامية والتحركات الدبلوماسية، حتى يقتنع العالم بأن ما يرتب له هو لضمان مصلحة الشعب المراد تخليصه من "الطاغية". وهو ما تم تقديمه بالعراق منذ العام 1991 وإلى حين سقوط النظام، وما يرتب له أيضا بحالة سوريا.
+ بعد ذلك، وإن لم تنفع كل تلك السبل، يتم اللجوء إلى العمل العسكري المباشر، وبتزكية من الأمم المتحدة هذه المرة، من خلال تجميع الجيوش "المتحالفة"، وتسريع وتيرة اشتغال المعارضة بالداخل والخارج، والدفع بالمستويين معا وبقوة لحين إسقاط النظام. وهو ما جرى بالعراق في العام 2003، وما تراهن عليه اليوم، القوى الكبرى ومعظم الدول العربية بسوريا.
إن المصيبة في كل ذلك، إنما تماهي العرب معه بالجملة والتفصيل، لا بل ودفعهم بجهة الاتكاء على الأجنبي لإسقاط النظام بسوريا، حتى وإن كلفهم الأمر ضخ الملايير أو كسر أضلع مبادئ القانون الدولي.
قد يكون السر خلف ذلك كامنا في جهلهم بحسابات وترتيبات الأجنبي. وقد يكون عمالة من لدنهم واضحة، لكن مغطاة بحاجتهم إلى حمايته. لكن المصيبة أنهم نسوا بسرعة أو تناسوا، أنهم هم من سهل للأمريكان ضرب العراق واحتلاله، وهم الذين تشفوا في الرئيس صدام حسين وهو بمحكمة الاحتلال، ثم من على حبل مشانقه. إلا أنهم سرعان ما بدأوا يتباكون عليه عندما تبين لهم خبث الأمريكان، وظهور قوى إقليمية غير عربية باتت كل دول المنطقة تحت رحمتها.
بالتالي، فلو قدر للنظام السوري أن يسقط، والبلاد أن تنهار وتقسم، والرئيس أن ينفى أو يغتال، أو يشوه بالساحات العمومية، فإنهم لن يتأخروا في التباكي عليه، عندما سيظهر لهم جليا أن حساباتهم كانت خاطئة، لا بل وخيانتهم كانت عظيمة، قياسا إلى حسابات الأجنبي الذي لا يفكر إلا في مصالحه، وليس لديه أدنى فكرة عما هي مصلحة الآخرين.
"سيناريو العراق بسوريا"، التجديد العربي، 13 مارس 2012. جريدة العرب الدولية، لندن، 15 مارس 2012.