تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تجاذبات العلاقة بين القضاء والإعلام

فهد الحارثي، مركز أسبار للدراسا والبحوث والإعلام، الرياض، مارس 2011, 15 ص.

ببداية هذه الدراسة، يقول الكاتب: "تنص جميع الدساتير على ضرورة الفصل بين السلطات، التنفيذية والتشريعية والقضائية، وذلك منعا لتداخل الصلاحيات، وتقاطع الاختصاصات، وتضارب المسؤوليات أو ميوعتها وتسيبها وضياعها، وبالتالي يكون السقوط في معضلة عدم انتظام التطور المأمول... إن الفصل بين السلطات الثلاث يأتي كذلك رفعا لكفاءة الأداء في مؤسسات الدولة، وحماية لمشروع التنمية المستدامة من الانحراف أو الفساد أو التجاوزات... كما أنه يأتي ضمانا للعدالة، وحفاظا على الحقوق، مـا يكفل للمواطنين الاستقرار والرقي، والرفاه الذي ينشدونه".

وإذا كان من المسموح به, يتابع الكاتب, أن يكون هناك بعض التداخل، أحيانا، بين مناطق السلطتين التنفيذية والتشريعية. فإن ذلك غير مرحب به مع السلطة القضائية، لا بل إنه قد يوهن صدقية القضاء وقد يخدش نزاهته. فالقضاء هو "صاحب الكلمة العليا" في كل ما يطرأ من مشكلات أو خلافات، أو انحرافات أو أخطاء، إنه هو سيادة القانون.. والقانون فوق الجميع.

بالمقابل, وبعد أن تطور دور الإعلام في العالم، وعلا صوته، وسطعت أهدافه، صدرت المواثيق والبيانات والقوانين التي رفعته إلى مستوى "السلطة الرابعة", بالإضافة إلى السلطات الثلاث الأخرى، فأصبح الناس، والدساتير كذلك، يتحدثون عن سلطات أربع، وليس ثلاث فقط.

لذلك, فإن "جميع الدساتير في الدول المتحضرة التي تحترم أجيالها ومستقبلها, تلح على احترام استقلال الإعلام وحريته، فتمنع بالمرة التأثير عليه، أو تعطيله، أو عرقلته عن بلوغ أهدافه، أو منعه من أداء مهماته. ولعل أبرز هذه المهمات في عبارة مختصرة، مراقبة أداء السلطات في الدولة ومؤسساتها". من منطقة "الانسجام" أحيانا بين القضاء والإعلام. إذ يقوم الإعلام بدور "المراقبة" وفضح الأخطاء والتجاوزات, والقضاء، من جهته، يتولى الحسم، والفصل، وإظهار الحق والحقيقة.

ثمة إذن مستوى واضحا من مستويات الانسجام في الأهداف، أو تكاملا في الوسائل والغايات من أجل مجتمع راق ومستقر يتحقق فيه العدل. ولكن هناك أيضا، يقول الكاتب, مستويات من الاحتكاك, واستعراض القوة, أو ربما التصادم، بين القضاء والإعلام، وهو ما يسميه الكاتب بالانسجام المتحفظ.

ومعنى ذلك, برأي الكاتب, أن هناك خلافا واضحا بين المؤسستين في مقاربة القضايا المنظورة، والمشكلات المطروحة، والتعامل معها. "فالقضاء ينظر إلى مقاربات الإعلام ومعالجاته على أنها أقل صرامة، وأقل انضباطا من مقارباته ومعالجاته هو. فحدود الإعلامي هي نظرته الفردية المجردة، أي النظرة ذات الثقافة الحقوقية والقانونية الملتبسة غالبا، أو هي القشرية في أحسن الأحوال. فهي تفتقر إلى العمق المعرفي والخبرة، ما لا يكفل سلامة النتائج وصحتها. بينما تكون حدود القاضي هي، بالإضافة إلى الخبرة، الأحكام والمدونات المنضبطة بالشرع، وهي قبل ذلك إجراءات دقيقة، ودائما محايدة، لا تقبل الاجتهاد الفردي، ولا تخضع للهوى، أو العاطفة، أو العمل بظاهر الأشياء".

المطلوب هنا, بنظر الكاتب, هو مراعاة الخطوط الحمراء التي ينبغي عدم تجاوزها أو القفز عليها. وخطوط القضاء الحمراء هي عدم التدخل في اختصاصاته وعدم خدش مصداقيته أو التأليب عليه.

فالإعلام "لا يقبل من القضاء تقاعسه إذا حصل، وهو يتابعه ويراقبه ويوجه إليه لومه وملاحظاته كلما وجدت. كما أن القضاء يرفض أن يشهر الإعلام أسلحته في وجهه أو يتدخل في اختصاصاته، أو ينصب نفسه لموقع ليس له، فهو لم يخلق من أجله. فالكشف عن الحقائق شيء (الإعلام)، والفصل أو الحكم فيها شيء آخر (القضاء). وبالقدر الذي يتضايق فيه  الإعلام من تقاعس محتمل للقضاء, فإن القضاء لا يقبل أن يشعر أنه واقع تحت ضغوط الإعلام ... أو هو يرسف في أغلال تلك الضغوط مهما كانت دوافعها".

إن القضاءو يؤكد الكاتب, هو الضامن الحقيقي لحرية الإعلام تجاه مجمل التحديات، سواء كان مصدر هذه التحديات الأفراد أو السلطات والمؤسسات المؤثرة الأخرى. فالقضاء يحمي حرية الإعلام، وحرية الصحافة، لتمكينها من أداء واجبها... وفي المقابل, فإن المدافع الأول عن القضاء، وعن استقلاله، هو الإعلام. فالإعلام هو سند القضاء، وهو عضده، والاثنان (القضاء والإعلام)، يلتقيان هكذا حول نقطة الحق والعدل... فهي الهدف وهي المقصد".

بالتالي, فإن التعاون والتكامل بين القضاء والإعلام هو ضرورة ملحة وأساسية لقيام العدل وانتظامه، وذلك لما فيه مصلحة الدولة والناس، "وإن إزالة مناطق الاحتكاك أو المماحكة أو التصادم, هي الخيار الوحيد لمثالية العلاقة، ولا خيار آخر غيرها.. وهذا إنما يتم بترسيم الحدود، أي تحديد المسؤوليات وضبطها، وإنهاء المناطق الملتبسة أو الرمادية. فالتشريعات السليمة، والقوانين الواضحة كفيلة بخلق بيئة أكثر خصوبة للتفاهم والتعاون".

فكما أن للقضاء مجالاته، ومسؤولياته، واختصاصاته، ومحدداته الشرعية في التعامل مع القضايا ومعالجتها والحكم فيها، فإن للإعلام تجلياته في الحرية، وفي صناعة الرأي، وفي الاستحواذ على الجماهير.. ولكن ينبغي أن يكون للإعلام، في الوقت نفسه، موجباته التي ينبغي ألا تجعله يسرف في حريته، أو "يخون أمانته في صناعة الرأي، أو يكذب ويخادع في الاستحواذ على الجماهير. فالحرية ليست حرية مطلقة، بل هي حرية مسؤولة، يحددها النظام والقانون، ولا يمكن لأي إعلامي، أو مؤسسة إعلامية، أن تتجاوز النظام والقانون".

* "تجاذبات العلاقة بين القضاء والإعلام"، فهد الحارثي، نافذة "قرأت لكم"، 21 فبراير 2013.

يمكنكم مشاركة هذا المقال