تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الإعلام والمعرفة والسلطة

news-details

إن الذي يجب أن يهم الباحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية أكثر، في ظل طفرة التكنولوجيا الرقمية في ميدان الإعلام والمعلومات والاتصال، إنما العلاقة بين هذه الطفرة وبين ما يمكن أن نسميه بتوازن المعرفة بين النخب وبين المواطنين، أي بين من له الحق في تحديد حدود المعرفة، أي تحديد من يمكنه أن يعرف ماذا، عمن يعرف، ما يمكن إخفاؤه وما يتوجب كشفه، وما الذي يجب نشره، وما الذي يجب إخفاؤه وطمسه بالأرشيفات وبما سواها.

ويبدو أن الصراع على السلطة هو، بالبداية وبالمحصلة، صراع يكون البقاء فيه لمن له القدرة على التحكم في تدفق المعلومة وترويج المعرفة، أو في خنقهما ومنعهما بالجملة أو بالتفصيل.

هذه مسألة يمكن للمرء أن يتأكد منها، بالنظر إلى تاريخ تقنيات الإعلام والاتصال، وكيف أن وصول مستجدات تكنولوجية جديدة غالبا ما كان يتزامن مع صراع مستميت، بشأن حق الوصول إلى المعلومة وإلى المعرفة، وتوظيفهما من لدن هذه الجهة أو تلك، لولوج ميادين الممارسة الاجتماعية والسياسية، ثم السيطرة على إنتاج المعرفة، ثم إنتاج المعنى، ثم إنتاج الحقيقة إلى حد ما.

لكن الذي يجب الانتباه إليه أن هذه المستجدات لا تقوض بعضها البعض، بقدر ما يؤدي وصول مستجد ما إلى توسيع مساحات إنتاج المعلومة والمعرفة ووضعهما في المجال العام، عوض أن تبقيا حكرا على النخبة وعلى السلطة، والتي دأبت على تمريرهما بطريقة أحادية، فوقية، عمودية، وإلى حد ما أبوية.

بالتالي، فإننا نتصور أن وصول الإعلام الجديد، محمولا على ظهر الشبكات الرقمية، قد مكن وسيمكن أكثر في العقود القادمة، من إعادة التوازن المعرفي بين النخب عموما، والنخب الحاكمة على وجه التحديد، لصالح الجمهور العام، لا بل إن هذا الأخير سيصبح لا محالة مصدرا مفتوحا لإنتاج المعلومة والمعرفة، ولربما أيضا المعنى أو الحقيقة أو ما سواها، بالتجاوز على "صناعة القبول" التي قام بالتنظير لها إينيس وتشومسكي.

المقصود هنا هو القول بأن هذا الإعلام الجديد سيعيد بناء توازن القوى بين من يعرف ماذا وعمن وماذا يعرف عنه. بالتالي، فإن مفهوم الأرشيف والسرية والمراقبة والرقابة، لن يكون له بعد اليوم من قوة كبيرة، على الأقل بحكم ما تمكنه بنية التكنولوجيا الرقمية من سبل تخزين وأرشفة واستعادة المعلومات. هذه أمور باتت من البديهيات حقا.

لكن هذه السلطة الرمزية والمادية التي تمنحها التكنولوجيا الرقمية للجمهور العام، تضم في أحشائها نواقص ومفارقات ومخاطر كبرى أيضا.

بمعنى أن هذه التكنولوجيا تمكن الدولة أيضا والنخب عموما، من إعادة بناء شبكتها في الرقابة والمعرفة، أي أنها تمكن الدولة من تجميع المعارف والمعلومات، وتوظيفها لمراقبة حل الأفراد والجماعات وترحالهم في الزمن والمكان.

الخطر في العملية هو القدرة الفائقة المتوفرة لدى الدولة على حشد الإمكانات التقنية وغيرها، من تشفير وحجب، بغرض إعادة استنبات أدوات الرقابة. والدليل على ذلك أن الحكومة الأمريكية زادت من حجم المواد المصنفة بأعقاب تسريبات ويكيليكس، من 9 مليون مادة ممنوعة على الجمهور سنة 2001 إلى 16 مليون مادة في العام 2004.

ثم إن هذه التكنولوجيا الرقمية تمنح الدولة إمكانات هائلة في تتبع وتحديد مواصفات متصفحي الشبكات الرقمية، وتمكنها أيضا من تحديد أماكن تواجدهم والمضامين الإعلامية التي يلجونها أو يتبادلونها فيما بينهم.

ولهذا الاعتبار، فإننا نتصور أن الصراع على السلطة في القادم من سنين، سيحتد حول من له القدرة والقوة على امتلاك ناصية هذه التكنولوجيا، أعتدة ومضامين، ومن لا قدرة لديه على ذلك.

* "الإعلام والمعرفة والسلطة "، 14 ماي 2012.

يمكنكم مشاركة هذا المقال